أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

خلف الأبواب المغلقة… كيف حسمت الرياض والعليمي قرار إنهاء الوجود الإماراتي في اليمن؟

يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:

دخلت الأزمة في جنوب وشرق اليمن منعطفاً تاريخياً غير مسبوق مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنح قواتها مهلة 24 ساعة للمغادرة. هذا القرار الذي وُصف بـ “السيادي الصادم”، لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لشهور من الاحتقان المكتوم الذي انفجر على إثر “واقعة ميناء المكلا”، حيث تدخل طيران التحالف (بقيادة السعودية) لقصف شحنات أسلحة وصفت بأنها “غير مصرحة”، كانت في طريقها لدعم فصائل مسلحة خارج إطار الدولة في حضرموت والمهرة.

إن ما نراه اليوم هو “تصدع بنيوي حتمي” بين مكونين رئيسيين في التحالف الداعم للشرعية، حيث اختار العليمي بوضوح الانحياز الكامل للرؤية السعودية الرامية إلى توحيد القرار العسكري وتكون “درع الوطن” رأس الحربة. هذا التحول ينهي حقبة “تعدد الأقطاب” داخل معسكر الشرعية، ويضع الدولة اليمنية وجهاً لوجه أمام تحدي الحفاظ على وحدتها في ظل انقسام حاد داخل مجلس القيادة الرئاسي نفسه، حيث سارع أعضاء بارزون موالون لأبوظبي لرفض القرار ووصفه بـ “المنفرد وغير القانوني”.

 

المكلا: الشرارة التي أعادت مسار السيادة

كان ميناء المكلا في حضرموت هو مسرح “ساعة الصفر” التي أعادت رسم خارطة التحالفات؛ فوفقاً لتقارير عسكرية مسربة، قامت سفينتان قادمتان من الفجيرة بإيقاف أنظمة التتبع (AIS) وإفراغ حمولات عسكرية ثقيلة دون تنسيق مع غرفة العمليات المشتركة. هذا التحرك اعتبرته الرياض والشرعية “طعنة في ظهر” جهود خفض التصعيد، ومحاولة لفرض واقع ميداني جديد في المحافظات الشرقية الغنية بالنفط، مما استدعى رداً عسكرياً مباشراً من طيران التحالف لتحييد تلك الأسلحة قبل وصولها إلى يد المجلس الانتقالي الجنوبي.

الرواية الإماراتية التي نُشرت عبر وكالات أنباء دولية، حاولت تصوير الانسحاب على أنه “طوعي” وجاء بعد إتمام المهام، لكن التزامن مع بيان مجلس الوزراء السعودي الذي وصف أمن المملكة بـ “الخط الأحمر” كشف عن عمق الشرخ. فالمملكة لم تعد مستعدة لتحمل “أجندات موازية” تهدد حدودها الجنوبية أو تعيق مشروعها في تحويل اليمن إلى منطقة مستقرة اقتصادياً وسياسياً بعيداً عن صراعات النفوذ الإقليمية الصغيرة، مما جعل “قرار العليمي” يبدو وكأنه تطابق سياسات وتنسيق رئيسي حول المرحلة القادمة.

ويرى مراقبون أن “حادثة المكلا” كانت الاختبار الأخير لمدى قدرة مجلس القيادة على الصمود أمام التناقضات البينية؛ إذ أثبتت الواقعة أن الهيكل القيادي الذي أُسس في أبريل/نيسان 2022 قد وصل إلى نهايته الافتراضية. إن إلغاء الاتفاقية الدفاعية مع الإمارات ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان عن نهاية “التفويض المفتوح” الذي كانت تتمتع به أبوظبي في إدارة ملف الموانئ والجزر اليمنية، وهو ما سيترتب عليه إعادة نظر شاملة في التواجد العسكري في سقطرى ومحيط باب المندب خلال الأسابيع القادمة إن لم يكن الأيام القادمة حسب ما أفاد مسؤول عسكري يمني كبير لـ”يمن مونيتور” مطلع على التفاصيل.

 

ساعة الصفر السعودية: إعادة هندسة “الشرعية”

لم تكن الرياض بعيدة عن كواليس هذا القرار؛ فالتصريحات الصادرة عن “القيادة المشتركة” وتأييد مجلس الوزراء السعودي الفوري لخطوات العليمي يؤكدان أننا أمام استراتيجية سعودية جديدة تسمى “القبضة الموحدة”. تهدف المملكة من خلال دعمها لهذا “التصدع الاضطراري” إلى إزاحة كافة القوى “المعطلة” داخل معسكر الشرعية، لتمكين قوات “درع الوطن” من بسط نفوذها على كامل المحافظات المحررة، وهو ما يضمن للرياض شريكاً يمنياً واحداً، قوياً، وغير مرتهن لأجندات خارجية تتصادم مع الأمن القومي السعودي.

وكشف مصدر دبلوماسي خليجي مطلع على التفاصيل لـ”يمن مونيتور” أن السعودية أبلغت حلفاءها الغربيين في واشنطن ولندن وباريس بأن استمرار “ازدواجية السلطة” في الجنوب يخدم جماعة الحوثي بشكل مباشر، ويجعل من المستحيل التوصل إلى اتفاق سلام مستدام. لذا، فإن “ساعة الصفر” السعودية تعني الانتقال من مرحلة “إدارة التوازنات” إلى مرحلة “فرض الاستقرار” بقوة الشرعية الدستورية، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة سياسية (أو عسكرية محدودة) مع الحلفاء السابقين الذين باتوا يمثلون عقبة أمام رؤية 2030 وطموحاتها الإقليمية.

هذا التحول السعودي الدراماتيكي يعكس أيضاً رغبة في “تطهير” الملف اليمني من أي نفوذ قد يُستخدم كـ “ورقة ضغط” في ملفات إقليمية أخرى، حيث تسعى المملكة لإنهاء الحرب في اليمن بشروطها الخاصة، وبقيادة يمنية خالصة لا تدين بالولاء لأي جهة خارجية. إن الرسالة الموجهة لأبوظبي كانت واضحة: “المرحلة تتطلب شريكاً يدعم الدولة، لا وكيلاً يبني دويلة”، وهو ما يفسر حدة الخطاب الدبلوماسي السعودي غير المعتاد تجاه الجار الحليف في 72 ساعة الماضية.

المنظور الغربي: قلق “الإليزيه” وحذر “واشنطن”

تراقب العواصم الغربية، وتحديداً باريس وواشنطن، هذه التطورات بحذر شديد؛ فبينما تدعم فرنسا (وفقاً لمصادر ديبلوماسية يمنية تحدثت لـ”يمن مونيتور”) “وحدة وسيادة اليمن” كضمانة لأمن الملاحة في البحر الأحمر، تخشى دوائر في وزارة الخارجية الفرنسية من أن يؤدي الانسحاب الإماراتي السريع إلى “فراغ أمني” قد يستغله الحوثيون أو الجماعات المتطرفة.

تعمل العلاقات الفرنسية/الإماراتية دوراً في إثارة المخاوف في الإليزيه. مع ذلك فإن الموقف الفرنسي يميل دائماً لدعم المؤسسات الرسمية، لذا فإن باريس قد تجد في قرار العليمي فرصة لتعزيز دور الحكومة الشرعية، لكنها تطالب بـ “خطة انتقال سلسة” تضمن عدم انهيار الجبهة المناهضة للحوثيين-حسب ما أفادت المصادر الدبلوماسية لـ”يمن مونيتور”.

أما في واشنطن، فإن المصادر تشير إلى تخوف أمريكي من انفجار “حرب داخل الحرب” في الجنوب اليمني؛ فالولايات المتحدة التي تعتمد على الإمارات في ملفات “مكافحة الإرهاب” وصيانة الأمن البحري، تجد نفسها في مأزق بين دعم شرعية العليمي (المدعومة سعودياً) وبين الحفاظ على فاعلية القوى المحلية التي دربتها الإمارات.

ومع ذلك، تقول المصادر، يبدو أن الإدارة الأمريكية بدأت تميل لتبني وجهة النظر السعودية القائلة بأن “توحيد البندقية” هو السبيل الوحيد لمواجهة تهديدات الحوثيين للملاحة الدولية بشكل جذري.

وتلتقي الرؤى الإنجليزية والفرنسية عند نقطة مفصلية: وهي أن بقاء الإمارات في اليمن لم يعد “ضرورة عسكرية” بقدر ما أصبح “عبئاً سياسياً” يعيق مسار التسوية. لذا، فإن الضغوط الدولية القادمة ستتركز على منع انزلاق عدن نحو الصدام المسلح المفتوح بين قوات العليمي وفصائل الانتقالي، مع دفع جميع الأطراف للقبول بواقع “اليمن الواحد” تحت قيادة مجلس القيادة الرئاسي، وهو ما قد يتطلب “تدخلاً جراحياً” ديبلوماسياً من قبل سفراء الدول الخمس دائمي العضوية في مجلس الأمن.

تحدثت المصادر لـ”يمن مونيتور” شريطة عدم الكشف عن هويتها لأنها غير مخولة بالحديث لوسائل الإعلام.

 

استشراف المسار القادم

إن قرار “طرد الإمارات” الذي اتخذه العليمي يضع اليمن أمام سيناريوهين لا ثالث لهما في الأشهر القادمة؛ الأول هو نجاح الدولة في استيعاب التشكيلات المسلحة تحت قيادة وزارة الدفاع، مما سيؤدي لتقوية موقف الشرعية في أي مفاوضات قادمة مع الحوثيين. أما السيناريو الثاني، فهو لجوء الفصائل المتضررة من الانسحاب الإماراتي إلى “التمرد المفتوح”، مما قد يحول الجنوب إلى ساحة حرب استنزاف داخلية تنهي آمال السلام وتمنح الحوثيين “نصراً مجانياً” على طبق من ذهب.

بناءً على المعطيات الميدانية، نتوقع أن تشهد الأيام القادمة تحركات واسعة لقوات “درع الوطن” لتسلم المواقع السيادية في المكلا وعدن وسقطرى وشبوة، مدعومة بغطاء جوي وسياسي سعودي مكثف. إن “ساعة الصفر” قد دقت بالفعل، والرهان الآن هو على مدى قدرة الدكتور رشاد العليمي على تحويل هذا القرار السيادي إلى واقع ملموس يحفظ كرامة اليمنيين ويصون وحدة ترابهم، بعيداً عن صراعات “الإخوة الأعداء” التي أرهقت البلاد لأكثر من عقد من الزمان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى