أشباح “النجمة الحمراء” فوق بحر العرب: كيف يستنسخ المجلس الانتقالي “مركزية الرفاق” لتفكيك الشرق اليمني؟
يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ من حميد عبدالله
لم تكن العملية العسكرية الخاطفة التي أطلق عليها المجلس الانتقالي الجنوبي اسم “المستقبل الواعد” في الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2025، مجرد تحرك ميداني لإعادة تموضع القوات على رقعة الشطرنج اليمنية المعقدة، بل كانت بمثابة زلزال جيوسياسي ضرب أعماق البنية الاجتماعية والسياسية في شرق اليمن، معيداً إلى الأذهان حقبة دموية ظن الكثيرون أنها طويت.
إن السقوط الدراماتيكي لمدينتي سيئون والغيضة، والسيطرة المطبقة على المنافذ الحدودية الحيوية، لا يُقرأ في سياق توازنات القوى العسكرية فحسب، بل يمثل استدعاءً مرعباً لأشباح الماضي؛ حيث يعيد المجلس الانتقالي، بوعي أو بدونه، استنساخ أنماط “الهيمنة المركزية” و”الإلغاء القسري” التي ميزت حقبة الحزب الاشتراكي اليمني قبل عام 1990 بما تحمله من حروب وإهانة للمجتمع.
يغوص هذا التحليل في عمق المشهد، ليكشف كيف أن الشعارات القومية الجديدة ليست سوى غطاء لآليات إقصاء قديمة، وكيف تحولت “استعادة الدولة” إلى مشروع لتفكيك النسيج الاجتماعي في حضرموت والمهرة، واضعاً الأمن القومي لدول الجوار، وتحديداً السعودية وسلطنة عمان، في مهب عاصفة استراتيجية غير مسبوقة.
الذاكرة الجريحة: من “المحافظة الخامسة” إلى “الهيمنة الجديدة“
لفهم حالة الغليان الشعبي والرفض القاطع الذي يجابه به المجتمع الحضرمي والمهري تمدد قوات الانتقالي اليوم، يتحتم علينا نبش الذاكرة الجمعية المثقلة بجراح مرحلة “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”. ففي تلك الحقبة، لم يكتفِ النظام الماركسي في عدن بالسيطرة السياسية، بل مارس هندسة اجتماعية قسرية استهدفت طمس الهوية التاريخية للشرق؛ حيث حوّل حضرموت العريقة إلى مجرد رقم إداري (المحافظة الخامسة)، والمهرة إلى (المحافظة السادسة)، في مسعى سيكولوجي لقطع جذور الانتماء المحلي وربط الولاء بالمركز حصراً.
وترافق ذلك مع إجراءات راديكالية، كقانون الأسرة الذي ألغى الألقاب القبلية لضرب التراتبية الاجتماعية، وقوانين التأميم التي لم تكن إجراءات اقتصادية بقدر ما كانت سلاحاً سياسياً لتجريد العائلات التجارية الحضرمية الكبرى -كبِن محفوظ وبن لادن- من نفوذها، دافعة بها نحو شتات قسري، وهو الشتات ذاته الذي يشكل اليوم العصب المالي والسياسي للحراك المناوئ للانتقالي عبر كيانات مثل “مجلس حضرموت الوطني”. إن ما يحدث اليوم، وفقاً للمعطيات الميدانية، هو إعادة تدوير لهذه المظلومية التاريخية؛ فالمجتمع الشرقي يرى في “الميثاق الوطني الجنوبي” ( مايو/أيار 2023) الذي صاغه الانتقالي في عدن، وفي طريقة فرضه للأمر الواقع العسكري، امتداداً لتلك العقلية الإقصائية التي ترى في الأطراف مجرد ملحقات تابعة للمركز، مع استبدال “الشرعية الثورية” بـ “الشرعية التفويضية”، واستبدال تهمة “الرجعية” بتهمة “الإرهاب” الجاهزة لكل من يخالف التوجهات الجديدة.
تشريح آليات السيطرة: الاقتصاد والقبيلة تحت مقصلة “الهدف السياسي“
بالانتقال من السردية التاريخية إلى الواقع العملياتي، يكشف التحليل الدقيق لتحركات المجلس الانتقالي عن استراتيجية ممنهجة تتطابق في جوهرها مع ممارسات الحزب الاشتراكي رغم اختلاف الأدوات. فبينما كان الاشتراكي يواجه القبيلة بالصدام المباشر، يعتمد الانتقالي استراتيجية أكثر دهاءً وفتكاً تتمثل في “تفتيت البنية القبلية من الداخل”؛ حيث يقوم بدعم شيوخ ووجاهات موالية له، مثل حسن الجابري، لضرب القيادات التقليدية الراسخة كعمرو بن حبريش، محولاً الصراع من سياسي إلى احتراب أهلي بين فخوذ القبيلة الواحدة.
وبالتوازي مع ذلك، يوظف المجلس الانتقالي ورقة “مكافحة الإرهاب” كأداة قمع مزدوجة؛ فهي من جهة تمنحه الغطاء الدولي لتصفية الخصوم السياسيين والسيطرة على مناطق الثروة، ومن جهة أخرى توفر له المبرر للسيطرة على حقول نفط “بترومسيلة” وعائدات منافذ “شحن” و”صرفيت”، في محاولة يائسة لإنقاذ الوضع المالي المتردي للمجلس الذي يعاني من الفساد الداخلي وتزايد احتياجات أمراء الحرب رغم الدعم الإماراتي الذي لم يتوقف.
وتكتمل حلقات هذا المسلسل بخنق المجتمع المدني، حيث رصدت التقارير الحقوقية استنساخاً لممارسات أجهزة أمن الدولة السابقة، عبر السيطرة المسلحة على النقابات المهنية في عدن، وممارسة الاعتقال والإخفاء القسري ضد الصحفيين والناشطين، مما يؤكد أن البنية الذهنية للسلطة لم تتغير، بل أعادت إنتاج نفسها بأدوات قمعية معاصرة.
| محور المقارنة | الحزب الاشتراكي اليمني (1967-1990) | المجلس الانتقالي الجنوبي (2017-2025) |
| الذريعة الأيديولوجية | الصراع الطبقي، محاربة الإقطاع والرجعية، والاشتراكية العلمية (الماركسية). | استعادة الدولة، القومية الجنوبية، ومحاربة ما يصفه بالإرهاب. |
| آلية السيطرة الاقتصادية | التأميم الكلي للملكيات الخاصة، مصادرة الأراضي والعقارات، والاقتصاد الموجه مركزياً (رأسمالية الدولة). | السيطرة العسكرية على الموارد (مثل حقول نفط بترومسيلة)، الموانئ، والمنافذ الحدودية، وفرض الجبايات والرسوم غير الرسمية. |
| التعامل مع الهويات الفرعية | الطمس الكامل للهويات المحلية (استبدال الأسماء بالأرقام للمحافظات)، وتجريم القبلية بقوة القانون. | الاحتواء الشكلي (شراء ولاءات المشايخ)، أو الصدام العسكري المباشر مع المكونات القبلية المعارضة (مثال: التوتر مع حلف قبائل حضرموت، وقبائل شبوة). |
| العلاقة مع الجوار | تصدير الثورة (دعم جبهة تحرير ظفار)، والعداء الأيديولوجي الصريح مع الملكيات في الخليج (خاصة السعودية). | تحالف عضوي واستراتيجي مع الإمارات، توتر مبطن تارة وتحالف ضرورة تارة أخرى مع السعودية، وحذر متبادل مع سلطنة عُمان |
| نموذج الدولة (الحوكمة) | دولة مركزية صارمة، بيروقراطية إدارية قوية، جيش وأمن موحد عقائدياً، واحتكار كامل للقرار السياسي (ديكتاتورية البروليتاريا). | كيان “ميليشاوي/شبه دولتي” يسيطر أمنياً ولكنه يفتقر للهيكلية الإدارية الموحدة، تعددية في التشكيلات العسكرية (أحزمة، نخب، عمالقة)، وفشل مريع في توفير الخدمات العامة. |
| العامل الخارجي (التبعية) | جزء من المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفيتي) في إطار الحرب الباردة. كانت العلاقة أعلى قليلاً من كونها مجرد وكيل محلي، مما منحهم هامشاً للمناورة. | اعتماد وجودي (عسكري ومالي) على دولة الإمارات. القرار السياسي والعسكري مرتبط بشكل وثيق بتوجهات وأولويات أبوظبي في المنطقة. |
| التعامل مع الحريات | “قمع وحشي” لأي معارضة سياسية وتكميم للأفواه (تأميم الصحافة)، مقابل انفتاح اجتماعي واسع (حقوق المرأة، منع التمييز، علمانية الدولة). | ملاحقات وتضييق على الصحفيين والمعارضين السياسيين (سجون سرية، إخفاء قسري)، مع تراجع في الحريات الاجتماعية وتنامي نفوذ التيار الديني السلفي المتشدد داخل بنية المجلس. |
| جدول يوضح أوجه التشابه البنيوية بين سياسات الحزب الاشتراكي والمجلس الانتقالي | ||
الجوار في عين العاصفة: انهيار المناطق العازلة والمخاطر الوجودية
لا تقف تداعيات هذا الزلزال عند الحدود اليمنية، بل تمتد لتضرب عمق الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، اللتين وجدتا نفسيهما أمام واقع استراتيجي جديد وخطير.
بالنسبة لمسقط، يمثل سقوط المهرة والمنافذ الحدودية بيد قوات موالية لأجندات خارجية “كابوساً وجودياً” يعيد للأذهان ذكريات دعم عدن الاشتراكية لثورة ظفار كان رفع علم الدولة الجنوبية السابقة على منفذ “شحن” و”صرفيت” رسالة واضحة؛ إذ تنظر السلطنة إلى هذا التواجد العسكري كعملية “تطويق جيوسياسي” لحديقتها الخلفية، وتهديد مباشر قد يحول المهرة إلى منصة لتصدير الفوضى أو التطرف السلفي المتداخل مع قوات الانتقالي. هذا الوضع قد يدفع مسقط للتخلي عن دبلوماسيتها الهادئة، واللجوء لخيارات خشنة تشمل دعم “حرب استنزاف” قبلية طويلة الأمد، أو حتى التلويح بورقة التفاهم مع الحوثيين كأداة ضغط مضاد.
وعلى الجانب الآخر، تجد الرياض نفسها أمام فشل ذريع لاستراتيجية “المناطق العازلة” التي راهنت عليها طويلاً؛ فالسيطرة العسكرية للانتقالي على وادي حضرموت والصحراء وسقوط ورقة “مجلس حضرموت الوطني” وقوات “درع الوطن” التي لم تصمد أمام الاجتياح العسكري تعني عملياً منح الفوضى الممولة من الإمارات أدوات للضغط على قراراتها في اليمن وخارجه لصالح الشكل الجديد للعداء الأيدولوجي والسياسي الذي كانه الحزب الماركسي في الجنوب.
هذا المتغير يضع المملكة أمام حدود جنوبية طويلة ومكشوفة تسيطر عليها قوى غير منضبطة ذات ولاءات متضاربة، مما ينسف سنوات من الجهد الدبلوماسي والأمني لاحتواء الموقف، ويجبر صانع القرار السعودي على إعادة تقييم شاملة لتحالفاته وأدواته في الملف اليمني.
“بلقنة الجنوب” ومستقبل على حافة الهاوية
ختاماً، يقودنا هذا التحليل الاستقصائي إلى استنتاج قاتم مفاده أن المجلس الانتقالي الجنوبي، باندفاعه العسكري نحو الشرق، لا يؤسس لاستعادة دولة الجنوب كما يروج في أدبياته، بل يزرع بذور “بلقنة” المنطقة وتقسيمها إلى كانتونات متناحرة. إن فرض الانفصال بالقوة العسكرية وتجاهل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لحضرموت والمهرة، لن يؤدي إلا إلى شرعنة المقاومة المسلحة وخلق بيئة خصبة لحروب أهلية مستدامة.
المستقبل المنظور، في ظل هذا التعنت، ينذر بتحول الجنوب اليمني من مشروع دولة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث ستدفع عدن ثمن عزلتها السياسية المتجددة، بينما ستظل حضرموت والمهرة خنجراً في خاصرة أي مشروع لا يعترف بحقهما في الشراكة الندّية الكاملة. إن التاريخ في الشرق اليمني لا يرحم من يتجاهله، ومحاولة القفز على حقائق الجغرافيا والديموغرافيا ليست سوى وصفة مضمونة لكارثة لا حدود لتداعياتها.





