أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

مطار عدن في قبضة “الابتزاز الميداني”.. لماذا يخشى “الانتقالي” خضوع رحلات دبي وأبوظبي لرقابة الدولة؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:

توقفت المحركات وغصت صالات الانتظار بمئات المسافرين العالقين في مطار عدن الدولي، يوم الخميس، في مشهد يختزل ذروة التأزم الذي فرضه المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في المشهد اليمني بعد محاولته ترسيخ انفصال جنوب البلاد.

وبينما تتضارب الأنباء حول الجهة المسؤولية عن إغلاق البوابة الجوية الرئيسية لليمن، يبدو أن المطار قد تحول من مرفق خدمي إلى منصة تهريب للأموال والأسلحة من وإلى الإمارات العربية المتحدة.

وشهد مطار عدن الدولي حالة من الشلل التام في حركة الملاحة الجوية، وسط روايات متناقضة حول مسببات هذا التوقف المفاجئ. فبينما اتهمت وزارة النقل (التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي) الجانب السعودي بفرض “حصار جوي” عبر اشتراط مرور كافة الرحلات عبر الأجواء السعودية لإجراء تفتيش إضافي، سارعت مصادر سعودية لنفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً.

 

من أغلق البوابة الجوية؟

وبحسب الرواية السعودية، فإن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً هي من فرضت قيوداً على الرحلات المتجهة إلى الإمارات لخفض التصعيد التصعيد، مما دفع “الانتقالي” للرد بإغلاق المطار بالكامل بدلاً من الامتثال لتلك الضوابط.

ومطار عدن الدولي هو البوابة الجوية الوحيدة التي تربط اليمن بالعالم، مع توقف الرحلات من مطار صنعاء الدولي، ومؤخراً من مطار سيئون بعد سيطرة الانتقالي الجنوبي مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي.

الحكومة اليمنية نشرت أيضاً بياناً أكدت أن الرحلات الجوية توقفت فقط باتجاه وجهات محددة لخفض التصعيد. وحسب مسؤولون حكوميون فإن وقف الرحلات التي يفترض أن تخضع للتفتيش هي تلك التي في طريقها إلى مطاري دبي وأبوظبي.

وفي خضم هذا التلاسن الرسمي، نفى مكتب وزير النقل اليمني صدور أي قرار رسمي بإغلاق المطار، مما يشير إلى وجود حالة من الانفلات الإداري والأمني داخل المرفق.

هذا الغموض زاد من معاناة المسافرين الذين افترشوا الأرض، ومن بينهم حالات إنسانية حرجة مثل المواطن “عوض الصبيحي” الذي صرح لـ “رويترز” بمرارة: “نحن نعاني هنا، هناك مرضى وكبار سن ينتظرون في وضع مأساوي للوصول إلى القاهرة لتلقي العلاج”، ليعكس بذلك الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون جراء التجاذبات السياسية.

ويرزح المطار تحت وطأة “القبضة الحديدية” للمجلس الانتقالي، وهو ما يمنع الطائرات من الإقلاع، مما أدى إلى شلل شبه كامل حيث ترفض القوى المسيطرة ميدانياً أي إجراءات رقابية تعتبرها “انتقاصاً من نفوذها”، بينما تصر الحكومة الشرعية على ممارسة حقها السيادي في الإشراف على المنافذ، مما يضع الملاحة الجوية في “منطقة رمادية” خطرة خاصة مع إعلان الرئيس رشاد العليمي الثلاثاء الماضي حالة الطوارئ في البلاد، والحظر الجوي والبري والبحري لمدة 72 ساعة.

هواجس أمنية خلف الكواليس

من الزاوية التحليلية، يربط مستشار مكتب الرئاسة اليمنية، ثابت الأحمدي، هذه القيود بضرورات الأمن القومي الصرفة.

ويرى الأحمدي أن التدابير الأخيرة لم تكن تهدف لتعطيل المسافرين، بل جاءت بعد رصد عمليات تهريب واسعة للأموال والعملة الصعبة من مطار عدن باتجاه وجهات إقليمية محددة.

ويشدد الأحمدي على أن “ضبط الاتجاه الملاحي” هو إجراء احترازي لحماية مقدرات الشعب اليمني من الاستنزاف الذي تمارسه عناصر تتبع المجلس الانتقالي، في محاولة لتجفيف منابع التمويل غير المشروعة وضمان استقرار العملة المحلية.

ويتفق وكيل وزارة الإعلام، الدكتور نجيب غلاب، مع هذا الطرح، معتبراً أن ما يحدث في المطار هو جزء من معركة استعادة “الشرعية السيادية”.

ويوضح غلاب أن الحكومة اضطرت لفرض قيود على بعض المسارات الجوية، وتحديداً القادمة من دبي وأبوظبي، خشية تحول هذه الرحلات إلى ممرات لتهريب السلاح أو نقل “مرتزقة” أجانب لدعم التمرد في الجنوب.

بالنسبة لـ”غلاب”، فإن السيادة الوطنية لا تقبل القسمة، وأن الإجراءات الحكومية هي رد فعل ضروري على استمرار حالة الانقلاب في عدن، وليست استهدافاً للمواطنين كما يروج البعض.

وتأتي هذه الإجراءات، بحسب الأحمدي، كدرع واقٍ لحماية الحقوق العامة والخاصة، وضمان عدم تحويل المنافذ السيادية إلى ممرات خلفية لخدمة أجندات تضر بالاقتصاد الوطني. إن توجيه الرحلات وضبط مساراتها يهدف إلى إحكام القبضة الرقابية للدولة، والتأكد من أن كل ما يخرج أو يدخل عبر مطار عدن يخضع للقوانين النافذة، بعيداً عن هيمنة “قوى الأمر الواقع” التي تحاول تجيير المرفق الجوي لخدمة مصالحها الضيقة على حساب المصلحة العليا للبلاد.

 

صمود مؤسسات الدولة

علاوة على ذلك، شدد مستشار مكتب الرئاسة على أن نشاط المطار يظل متاحاً في المسارات التي تضمن سلامة الإجراءات، مشيرة إلى أن أي تعطيل كلي للملاحة هو نتاج لتعنت الجهات المسيطرة ميدانياً ورفضها الامتثال للضوابط القانونية. إذ أن إصرار الحكومة على ممارسة مهامها الرقابية يعكس التزاماً أخلاقياً ووطنيًا تجاه المواطن اليمني، الذي بات ضحية لعمليات الاستنزاف المالي والتهريب التي تقودها شبكات المصالح العابرة للحدود.

ولا يمكن عزل أزمة مطار عدن عن السياق الجيوسياسي المتفجر، حيث بات التنافس السعودي-الإماراتي يعيد رسم التحالفات على الأرض اليمنية. ففي الوقت الذي تقف فيه المملكة العربية السعودية بثقلها خلف الشرعية الدستورية، تصر الإمارات على دعم المجلس الانتقالي، وهو ما دفع الرياض لوصف أمنها القومي بـ “الخط الأحمر”. هذا التوتر الجيوسياسي انعكس بوضوح في الضربات الجوية المركزة التي استهدفت مؤخراً أرصفة التهريب في المكلا، في رسالة حازمة بأن “زمن التساهل” مع قوى التخريب قد ولى.

ويرى مراقبون أن إعلان الإمارات سحب ما تبقى من قواتها هو محاولة لإعادة تموضع القوى قبل الدخول في مرحلة “كسر عظم” سياسية وميدانية، حيث تسعى أبوظبي لفرض واقع “الجيوب السيادية” في الموانئ والمطارات لخدمة مصالحها الاستراتيجية. وفي المقابل، تبرز الحكومة اليمنية كحائط صد منيع، مستندة إلى شرعيتها القانونية والدعم الإقليمي والدولي، لرفض أي “واقع جوي أو بري” ينتقص من وحدة وسلامة الأراضي اليمنية أو يسلم منافذها لجهات غير رسمية.

ختاماً، يظل مطار عدن الدولي محور الارتكاز في معركة استعادة الدولة؛ فبين حرص الحكومة على تطبيق القانون وحماية الاقتصاد، وبين محاولات الأطراف الأخرى الالتفاف على السيادة الوطنية، يبرز صمود المؤسسات الرسمية كضمانة وحيدة لمنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى. إن نجاح الدولة في فرض رقابتها على المطار لن يكون انتصاراً سياسياً فحسب، بل هو انتصار لحق المواطن اليمني في الحصول على مرفق جوي آمن ومنظم، خالٍ من شبهات التهريب وأجندات التمرد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى