الأخبار الرئيسيةتراجم وتحليلاتترجمة خاصة

حرب اليمن: ضربة المكلا تكشف نفاد صبر السعودية تجاه أبوظبي

أندرياس كريج

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

قبيل منتصف ليل الاثنين، أصدرت المملكة العربية السعودية تنبيهاً بالإخلاء عبر القنوات الرسمية، طالبت فيه المدنيين بالابتعاد عن المنطقة المحيطة بميناء المكلا. فقد قررت المملكة أن كل ما كان يجري تفريغه على السواحل شرقي اليمن يمثل “تهديداً وشيكاً”.

وبعد ساعات قليلة، كانت العربات المدرعة تنزل من فوق منحدر إحدى السفن. ووفقاً لمسؤولين سعوديين ويمنيين، فإن سفينتين وصلتا إلى المكلا قادمتين من الفجيرة على الساحل الإماراتي، وقامتا بإغلاق أنظمة التتبع الخاصة بهما قبل تفريغ عربات قتالية وأسلحة مخصصة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وهي الحركة الانفصالية المدعومة من الإمارات والتي أمضت الشهر الماضي في توسيع قبضتها عبر جنوب اليمن.

وفي فجر يوم 30 ديسمبر، أغارت الطائرات السعودية على الميناء في عملية وصفتها الرياض بأنها “محدودة”؛ كانت دقيقة بما يكفي لتجنب وقوع إصابات جماعية، ومدوية بما يكفي ليتردد صداها في أبوظبي.

وأظهرت وسائل إعلام رسمية يمنية سحب الدخان وهي تتصاعد فوق الأرصفة، وعربات محترقة بالقرب من الواجهة البحرية. ورد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بمطالبة القوات الإماراتية بمغادرة اليمن في غضون 24 ساعة، كما ألغى اتفاقية دفاعية مع الإمارات وفرض قيوداً طارئة على الموانئ والمعابر.

أما السعودية، فقد اختارت من جانبها كلمات دأبت على تجنبها علانية عند الحديث عن دولة خليجية شقيقة، مؤكدة أن أمنها الوطني “خط أحمر”، وأن الخطوات الإماراتية كانت “خطيرة للغاية”.

وبعد ساعات من الضربة السعودية، أعلنت الإمارات أنها ستسحب أفرادها العسكريين من اليمن و”إنهاء مهام ما تبقى من أفراد مكافحة الإرهاب بمحض إرادتها”.

ورغم القرار الإماراتي، الذي يعد تكتيكياً أكثر منه استراتيجياً، فإن هذا الخلاف لم يكن في جوهره حول شحنة واحدة؛ بل كان أوضح إشارة حتى الآن على تجاوز الخطوط الحمراء السعودية في اليمن، وأن صبر المملكة بدأ ينفد بعد عقد من الحرب الطاحنة والتسويات الهشة.

ولفهم سبب إقدام الرياض على هذه الخطوة الاستثنائية بضرب ميناء ظل لسنوات ضمن المعسكر المناهض للحوثيين، يجب النظر إلى ما وراء الأرصفة البحرية، والتعمق في رؤيتين خليجيتين متنافستين لمستقبل اليمن.

درس مكلف

تشكلت سياسة السعودية تجاه اليمن في السنوات الأخيرة بفعل الصدمات بقدر ما شكلتها الاستراتيجية. فقد أصبحت الحملة العسكرية التي انطلقت في عام 2015 درساً مكلفاً حول حدود الإكراه السعودي. ومنذ ذلك الحين، عمل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على إعادة صياغة دور السعودية كقوة تشتري الاستقرار عبر الدبلوماسية والاستثمار وتهدئة الصراعات الإقليمية، فأنهت حصار قطر في عام 2021 واستعادت العلاقات مع إيران في عام 2023 كجزء من جهد أوسع لخفض التوتر الإقليمي، مما مكن المملكة من التركيز على تحولها الاقتصادي المحلي.

وفي اليمن، تُرجم هذا التحول إلى ضبط للنفس وانخراط دبلوماسي؛ حيث اعتمدت الرياض على مسقط لإبقاء قناة اتصال مفتوحة مع الحوثيين، مراهنة على سمعة عُمان كوسيط هادئ للمساعدة في تحويل وقف إطلاق النار إلى مسار سياسي يسمح للسعودية بالتراجع، دون مراقبة اليمن وهو ينهار ليتحول إلى تهديد أمني أسوأ على حدودها الجنوبية.

> بالنسبة للرياض، وخلافاً لأبوظبي، لا يمثل اليمن رقعة شطرنج، بل هو فنائها الخلفي (أمنها القومي).

وفي عام 2022، كان من المفترض أن تخدم الرعاية السعودية لمجلس القيادة الرئاسي الغرض ذاته في الجانب المناهض للحوثيين. أرادت المملكة إنشاء هيكل مظلي يمكنه احتواء الفصائل اليمنية المتناحرة في كيان يشبه الدولة، أو على الأقل طرف مفاوض.

لطالما كانت المصالح السعودية في اليمن غير قابلة للتفاوض؛ إذ يمكن للمملكة التعايش مع تسوية غير مثالية، لكنها لا تستطيع العيش مع حزام معادٍ أو غير محكوم على طول حدودها، ولا مع يمن مقسم إلى إقطاعيات متنافسة تتحرك فيها الصواريخ والطائرات المسيرة والمهربون بحرية.

تختلف الثقافة الاستراتيجية لدولة الإمارات، وكذلك أهدافها العامة. فقد بنت أبوظبي دوراً إقليمياً من خلال كونها مرنة، وذات شبكات واسعة، وبرغماتية صرفة.

ومن خلال “محور الانفصاليين”، نمّت أبوظبي شبكات من الشركاء الذين يمثلون النقيض تماماً للهياكل الهرمية لجيرانها الخليجيين: ميليشيات، ومرتزقة، ووسطاء خواص، وممولون، وزعماء محليون، وشركات لوجستية وتجار سلع. وتغلف الكثير من هذا بلغة محاربة الإسلام السياسي، لكن خريطة النشاط الإماراتي تشير بوضوح إلى أهداف جيواقتصادية: فهي تتعلق بنقاط الاختناق، والمراكز اللوجستية، والموارد، وممرات التجارة.

 

شبه دولة في الجنوب

في اليمن، تركز هذا النهج لفترة طويلة على الجنوب. لم يكن المجلس الانتقالي الجنوبي مجرد طرف “مدعوم” من الإمارات، بل تم إنضاجه داخل منظومة تتكون من قيادة سياسية وقوى أمنية وشبكات رعاية يمكنها العمل كشبه دولة، وكل ذلك مغلف برواية انفصالية جنوبية عضوية وقوية.

إن الهجوم الذي وقع هذا الشهر، والذي سيطر فيه المجلس الانتقالي والقوى المتحالفة معه على مواقع رئيسية في حضرموت ودفع بحكومة مجلس القيادة الرئاسي المدعومة سعودياً نحو التهميش، قد حول هذا المشروع طويل الأمد إلى أمر واقع.

بالنسبة للسعودية، هذه هي اللحظة التي تحول فيها الانزعاج الصامت إلى مشكلة استراتيجية حادة. وتواجه المملكة الآن ما كان يخشاه العديد من اليمنيين لسنوات: ليس يمناً واحداً، بل “اثنين ونصف”؛ شمال حوثي، وجنوب يهيمن عليه المجلس الانتقالي، وحكومة اسمية في الوسط توجد في غرف المؤتمرات أكثر مما توجد على الأرض.

كانت الضربة على المكلا هي وسيلة الرياض للقول إنها لن تقبل بقوس انفصالي يمتد نحو الممرات البحرية ذاتها التي تحدد الثقل الجيوسياسي لليمن.

تكمن أهمية المكلا في أهمية حضرموت؛ فهي ليست أكبر محافظة يمنية فحسب، بل هي أيضاً المفصل الشرقي بين الخليج والداخل العربي، حيث تحد السعودية وترتبط بها بروابط اجتماعية وتاريخية عميقة.

وفي عام شهد هجمات حوثية كشفت مراراً عن هشاشة الشحن في البحر الأحمر، بات صناع القرار في السعودية أكثر حساسية تجاه أي طرف يمكنه استخدام سواحل اليمن وموانئه وطرق الوصول إليه كسلاح، سواء كان ذلك الطرف حركة موالية لإيران في صنعاء، أو سلطة انفصالية موالية للإمارات في الجنوب.

الخطر المباشر هو أن التحالف الذي قدم نفسه يوماً كجبهة موحدة ضد الحوثيين يتشظى الآن إلى مواجهة علنية، في وقت تجد فيه أبوظبي والرياض نفسيهما بشكل متزايد في خنادق متقابلة في السودان وفلسطين والصومال أيضاً.

أما الخطر الأقل وضوحاً فهو أن نموذج “دولة الشبكات” الإماراتي يجعل إنفاذ الإنذارات السعودية أصعب من إطلاقها. فقد لا تحتاج أبوظبي إلى انتشار عسكري رسمي وكبير للحفاظ على نفوذها؛ إذ يمكنها التفويض والاندماج. إن مطالبة “القوات الإماراتية” بمغادرة اليمن قد تكون قوية رمزياً، لكنها ستترك الهياكل المحلية التي بنتها أبوظبي سليمة، وهي الهياكل الأكثر أهمية.

لذلك، يجب فهم إعلان الإمارات سحب جميع قواتها من اليمن -وهو الإعلان الثاني من نوعه منذ عام 2019- في سياق “الازدواجية” في الخطاب الإماراتي.

 

رسالة استراتيجية

وبناءً عليه، يجب قراءة أحداث المكلا ليس كضربة تكتيكية بل كرسالة استراتيجية. السعودية تبعث بإشارة مفادها أنها، بعد محاولتها للاحتواء، مستعدة لإعادة استخدام “الإكراه المدروس” للدفاع عن مصالحها الجوهرية، حتى -أو خاصة- ضد الإمارات. كما أنها تشير إلى اعتقادها بأن أبوظبي تستجيب للضغط أكثر مما تستجيب للإقناع.

ومع ذلك، فإن الضغط وحده ليس سياسة تجاه اليمن. فإذا استمرت السعودية والإمارات في هذا المسار، فسوف تفعلان ما فعلته الأطراف اليمنية لمدة عقد من الزمان: جعل الحوثيين أقوى من خلال تقسيم الجميع.

يتعين على الرياض أن تتحرك بثقة أكبر، معتمدة على أدوات الإقناع والإكراه المتاحة لها. فلا تزال المملكة تمتلك أدوات تثمنها أبوظبي: السيطرة على الأجواء، والغطاء الدبلوماسي، والقدرة على الحشد التي تأتي من كونها الجائزة الاقتصادية المركزية في المنطقة.

ويمكن للمملكة استخدام هذه الأدوات للإصرار على ثلاثة مبادئ: عدم وجود خطوط إمداد عسكري غير مصرح بها إلى الموانئ اليمنية، وعدم إجراء تغييرات إقليمية أحادية الجانب من قبل الفصائل المتحالفة مع التحالف، ومسار سياسي يستوعب المظالم الجنوبية المشروعة دون تحويلها إلى مشروع انفصالي مسلح خارجياً.

تمثل المكلا تغيراً جذرياً في المشهد. لقد أطلقت السعودية ما يرقى إلى “طلقة تحذيرية” أمام قوس حليفها: إن الحقبة التي كان بإمكان الإمارات فيها بناء منطقة نفوذ منفصلة داخل اليمن، مع الاختباء تحت لافتة “التحالف الذي تقوده السعودية”، آخذة في الأفول.

السؤال الآن هو ما إذا كانت أبوظبي ستعتبر هذه اللحظة فرصة للتفاوض على الحدود، أم أنها الجولة الأولى من صراع جديد على السواحل ذاتها التي لا يطيق العالم، في عصر طرق التجارة الهشة، رؤيتها تشتعل.

 

** نشر أولاً في موقع ميدل آيست آي

**الدكتور أندرياس كريج أستاذ مشارك في قسم الدراسات الدفاعية بكلية كينجز كوليدج لندن، ومستشار في إدارة المخاطر الاستراتيجية يعمل مع عملاء حكوميين وتجاريين في الشرق الأوسط. وقد نشر مؤخراً كتاباً بعنوان “النظام الاجتماعي والسياسي والأمن في العالم العربي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى