شرعية تتمدد وقيادة تتآكل.. الانتقالي أمام لحظة تقرير المصير
يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:
يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي ظل لسنوات القوة الأكثر تنظيماً وتأثيراً في خارطة الجنوب اليمني، الاختبار الأدق والأخطر منذ تأسيسه في عام 2017. فقرار إقالة رئيسه عيدروس الزبيدي وإحالته للمحاكمة بتهمة “الخيانة العظمى” في السابع من يناير/كانون الثاني 2026، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل مثل زلزالاً سياسياً ضرب بنية المجلس التنظيمية والعسكرية.
اليوم، يقف الانتقالي أمام خيارات أحلاها مر: إما الانخراط الكامل في مشروع “الدولة” بقيادة مجلس القيادة الرئاسي، أو مواجهة خطر التفكك الداخلي والعزلة والعقوبات الدولية التي قد تنهي طموحاته السياسية للأبد.

نزع الشرعية عن التشكيلات العسكرية
تضمن القرار الرئاسي الصادر عن مجلس القيادة توصيفاً قانونياً هو الأخطر في تاريخ الحركات السياسية اليمنية المعاصرة، حيث نص صراحة على أن “عيدروس الزبيدي شكل عصابة مسلحة وارتكب انتهاكات جسيمة”. هذا التوصيف لا يحمل دلالة لغوية فحسب، بل يترتب عليه آثار قانونية فورية؛ إذ يحول كافة التشكيلات العسكرية التابعة للزبيدي من صفة “قوات أمنية شريكة” إلى “مليشيات خارجة عن القانون”. هذا المسوغ القانوني يمنح الدولة، مدعومة بالشرعية الدولية، الحق الكامل في ملاحقة هذه التشكيلات وتفكيكها باعتبارها تهديداً للسلم والأمن القومي والإقليمي، وليس طرفاً في حوار سياسي.
وبحسب فقهاء القانون الدولي أن استخدام مصطلح “العصابة المسلحة” في مرسوم رئاسي رسمي يهدف إلى تجريد هذه القوات من أي حماية قد توفرها قوانين الحرب أو الاتفاقات السياسية السابقة. إن رفع الغطاء السياسي يعني أن أي تحرك عسكري لهذه القوات مستقبلاً سيُعامل بوصفه “عملاً إرهابياً” أو “تمرداً جنائياً”، مما يضع القادة الميدانيين أمام خيارين: إما الانضواء الفوري تحت قيادة وزارة الدفاع، أو مواجهة الملاحقة الجنائية الدولية بتهمة تقويض أركان الدولة. هذا الإجراء يمثل ضغطاً هائلاً على “الأحزمة الأمنية” و”النخبة”، ويدفعها لإعادة النظر في ولائها للقيادة السياسية للمجلس الانتقالي.
وشدد الكاتب السياسي اليمني مانع المطري على أن عودة كافة الألوية العسكرية إلى كنف القيادة السياسية والشرعية هو الإجراء الطبيعي لإنهاء حالة التمرد، مبيناً أن جميع الوحدات من حراس الجمهورية وألوية العمالقة وقوات الحزام الأمني ستخضع لبرنامج دمج شامل أعدته اللجنة العسكرية المنبثقة عن مشاورات الرياض، بهدف تبني عقيدة قتالية واحدة تحت قيادة وطنية موحدة تنهي تماماً ظاهرة تعدد الجيوش في الدولة اليمنية.
إلى جانب ذلك، فإن هذا التحول في التوصيف يمهد الطريق لمصادرة الأصول وتجميد الحسابات البنكية المرتبطة بهذا الجناح، محلياً ودولياً. فبمجرد صبغ التحركات بصبغة “العصابة المسلحة”، يصبح التعامل المالي مع المجلس الانتقالي مخاطرة قانونية للبنوك والمؤسسات الدولية. هذا الحصار المالي، مقترناً بالتجريم الجنائي، يهدف إلى خنق القدرة العملياتية للمجلس وإجباره على التخلي عن السلاح، وهو ما يفسر الضربات الاستباقية للتحالف التي جاءت لتعزيز هذا الواقع القانوني الجديد على الأرض، وضمان عدم تحول “العصابة” إلى مهدد للملاحة الدولية.
وقال مصدر حكومي مطلع لـ”يمن مونيتور” إن النائب العام بدأ بالفعل إجراءات فتح ملف التحقيق في تهم “الخيانة العظمى” الموجهة للزبيدي، مع صدور مذكرات توقيف بحق عدد من القادة العسكريين الموالين له بتهمة “تشكيل عصابات مسلحة”.
وأكد محمد موسى العامري، مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن ما أقدم عليه عيدروس الزبيدي يمثل خيانة عظمى مكتملة الأركان وفقاً لنصوص الدستور والقانون وإعلان نقل السلطة والمبادرة الخليجية.
وأوضح العامري في تصريحات متلفزة تابعها “يمن مونيتور”، أن الزبيدي تحول إلى قائد لجماعة عسكرية متمردة خارجة عن النظام تسعى لنشر الرعب والفوضى من خلال توزيع الأسلحة الثقيلة، مما يجعل المجلس الانتقالي في حكم الجماعات المحظورة والإرهابية بعد أن اختار الزبيدي طريق الفرار والتمرد.
-
من شريك الحكم إلى “الخيانة العظمى”.. الزلزال السياسي يضرب مجلس القيادة اليمني وينهي أسطورة “الزبيدي”
-
صهر البنادق في بوتقة الدولة.. معركة الشرعية لإنهاء “تعدد الرؤوس” العسكرية يتصدر أولويات المرحلة
-
عَقد من “الإخضاع”: كيف حوّلت الإمارات عدن من عاصمة مؤقتة إلى إقطاعية عسكرية تحت غطاء التحالف؟
بوادر الانقسام بين الصقور والحمائم
وتعيش الأروقة القيادية للمجلس الانتقالي حالة من التباين غير المسبوق في الرؤى تجاه التعامل مع المرسوم الرئاسي الأخير. فبينما يتمسك تيار “الصقور”، المتركز في القواعد العسكرية بمحافظتي الضالع ولحج، بضرورة التصعيد الميداني رداً على ما وصفوه بـ “تجاوز التوافقات”، يميل تيار “الحمائم” والسياسيون الموجودون في الخارج إلى التهدئة.
هذا الانقسام تجلى بوضوح في “الغموض” الذي يكتنف موقف وفد المجلس في الرياض برئاسة عبد الرحمن شاهر الصبيحي؛ حيث تشير التقارير إلى وجود “رغبة مستترة” لدى بعض أعضاء الوفد في المضي قدماً في “الحوار الجنوبي” الذي ترعاه السعودية، بعيداً عن “المقامرة” التي قادها الزبيدي بإعلاناته المنفردة من تحريك القوات باتجاه حضرموت والمهرة إلى إعلان الانفصال خلال عامين.
- عشرية الخديعة واستراتيجية “الإرهاب الوظيفي”.. كيف أعادت الإمارات صياغة القاعدة كأداة نفوذ؟
- انقلاب الأختام.. كيف حوّل المجلس الانتقالي وزارات عدن إلى “إقطاعيات سياسية” للانفصال؟!
إن غياب التواصل الرسمي مع وفد الرياض، والذي وصفه بيان المجلس في عدن بأنه “فقدان اتصال”، يشي بوجود شرخ عميق بين القيادة الميدانية والتمثيل السياسي. وقال مسؤول في رئاسة الجمهورية لـ”يمن مونيتور” إن هذا الانقطاع قد يكون “انفصالاً طوعياً” من قبل الوفد لتجنب الوقوع في شرك الزُبيدي، وبحثاً عن موضع قدم في الخارطة السياسية المقبلة.
هذا الارتباك يضع القواعد الشعبية للانتقالي في حيرة من أمرها، بين الولاء لـ “الرمز” المختفي وبين واقعية “البقاء السياسي” تحت مظلة الشرعية المعترف بها دولياً.
علاوة على ذلك، بدأت تظهر أصوات من داخل المناطق التي كانت تعد معاقل صلبة للانتقالي، تتساءل عن جدوى الصدام مع “التحالف العربي” في هذا التوقيت الحرج. فالضربات الاستباقية التي نفذها التحالف ضد تحشيدات عسكرية في الضالع، أرسلت رسالة حازمة مفادها أن “زمن الميليشيات الموازية قد انتهى”. هذا الضغط العسكري، مقترناً بالتهم القانونية الثقيلة، دفع بالعديد من الشخصيات الوسطية داخل المجلس إلى مراجعة حساباتهم، خوفاً من أن يؤدي العناد السياسي إلى خسارة المكتسبات التي تحققت للجنوب منذ عام 2015 تحت ذريعة “استعادة الدولة” ا.

تجفيف المنابع وفرض “قواعد الاشتباك” الجديدة
لطالما اعتمد المجلس الانتقالي في بقائه وتمدده على دعم الإمارات السخي وتنسيق أمني رفيع المستوى، إلا أن أحداث يناير/كانون الثاني 2026 كشفت عن تغيير جذري في “قواعد الاشتباك” الإقليمية. فإعلان العميد تركي المالكي متحدث التحالف العربي، وبيان الخارجية السعودية أن الإمارات تجاوزت الخطوط الحمراء وأن تحركات الانتقالي شرق اليمن تهدد الأمن القومي للمملكة والقرارات اللاحقة بإخراج الإمارات من اليمن، ومغادرة أراضي البلاد خلال 24 ساعة رفع غطاء الدعم الإقليمي للمجلس الانتقالي الذي دائماً ما استخدمه لإخضاع الحكومة اليمنية.
كما أن إعلان العميد المالكي يوم الأربعاء “فرار الزبيدي” وتوزيع الأسلحة لإحداث فوضى، يمثل رفعاً رسمياً للغطاء السياسي والأمني عن القيادة الحالية للمجلس. وبدون هذا الدعم، يجد الانتقالي نفسه مكشوفاً تماماً أمام مؤسسات الدولة اليمنية التي بدأت بالفعل في استعادة السيطرة على الموارد المالية والقنوات الدبلوماسية، مما يقلص من قدرة المجلس على المناورة.
على الصعيد المالي، يمثل البنك المركزي في عدن ووزارة المالية “السلاح الناعم” الذي قد ينهي تمرد أي فصيل عسكري تابع للانتقالي. فمعظم القوات المسلحة الجنوبية تعتمد في رواتبها وتجهيزاتها على ميزانيات يتم إقرارها بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والتحالف. وفي حال استمرار التعنت، فإن “تجفيف المنبع” المالي سيؤدي حتماً إلى تآكل الولاءات العسكرية، حيث قد تجد الألوية والوحدات القتالية نفسها مضطرة لإعلان الولاء المباشر لوزارة الدفاع لضمان استمرارية الدعم، وهو ما بدأ يحدث بالفعل في بعض وحدات “النخبة” التي أبدت رغبة في الاندماج الكامل.

البحث عن “طوق نجاة”: الحوار الجنوبي والتحول إلى كيان سياسي مدني
يرى مراقبون أن السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من كيان المجلس الانتقالي هو التحول الجذري من “سلطة أمر واقع” عسكرية إلى “حزب سياسي” مدني ينضوي تحت دستور الجمهورية اليمنية. هذا التحول يتطلب من المجلس التضحية برؤوسه “المطلوبة قضائياً” والقبول بمخرجات الحوار الذي تستضيفه الرياض حالياً. فالتصريحات الأخيرة الصادرة عن أعضاء في وفد الانتقالي بالرياض، والذين أكدوا فيه بدء العمل على “حوار جنوبي شامل”، يمثل أولى خطوات البحث عن هذا المخرج الآمن، بعيداً عن “الإجراءات الأحادية” التي أطاحت بالزبيدي.
الرهان الآن هو على قدرة الشخصيات التكنوقراطية والسياسية داخل المجلس، مثل الأمين العام عبد الرحمن الصبيحي، على إقناع القواعد الشعبية بأن “القضية الجنوبية” لا ترتبط بشخص واحد، وأن مصلحة الجنوب تكمن في وجوده كطرف قوي وموحد داخل “دولة اتحادية” معترف بها. إن تصريحات الزبيدي السابقة حول “اتفاقيات أبراهام” و”الانفصال” عام 2026، والتي كانت تهدف لاستقطاب الخارج، أثبتت أنها كانت “هروباً للأمام” لم يستوعب تعقيدات التوازنات الإقليمية التي تضع “وحدة واستقرار اليمن” كأولوية قصوى لمواجهة التمدد الحوثي.
في الختام، يظل مستقبل المجلس الانتقالي معلقاً بقدرته على “تطهير” صفوفه من النزعات الانقلابية والعودة إلى طاولة المفاوضات بصفته “شريكاً” لا “بديلاً” للدولة. إن “طوق النجاة” معروض الآن في الرياض، وهو حوار يؤسس لشراكة جنوبية-جنوبية وشراكة جنوبية-شمالية حقيقية. فإما أن يلتقط الانتقالي هذا الطوق عبر تقديم تنازلات تاريخية، وإما أن يواجه مصير الحركات التي تجاوزها الزمن، ليصبح مجرد ذكرى في تاريخ الصراع اليمني الطويل، بينما تمضي الدولة في إعادة تشكيل نفسها من جديد.




