صهر البنادق في بوتقة الدولة.. معركة الشرعية لإنهاء “تعدد الرؤوس” العسكرية يتصدر أولويات المرحلة
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
في منعطف تاريخي يوصف بالأهم منذ سنوات، يبرز ملف دمج التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية كأولوية قصوى لمجلس القيادة الرئاسي اليمني.
وتأتي هذه التحركات مدفوعة بتوجهات حاسمة لرئيس المجلس، الدكتور رشاد العليمي، الذي أعاد التأكيد مؤخراً على أن توحيد القوات هو المدخل الوحيد لاستعادة سيادة الدولة، وضبط الفوضى الأمنية، وإنهاء تعدد مراكز القوة والسلاح التي أعاقت استقرار البلاد طويلاً.
وقالت مصادر عسكرية ورئاسية لـ”يمن مونيتور” إن عودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتطبيع الأوضاع في كل المحافظات جنوبي اليمن سيتم خلال الأسبوعين القادمين كحد أقصى لتبدأ بعدها على الفور عملية الدمج والهيكلة تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية.
-
عَقدْ من “الإخضاع”: كيف حوّلت الإمارات عدن من عاصمة مؤقتة إلى إقطاعية عسكرية تحت غطاء التحالف؟
-
عشرية الخديعة واستراتيجية “الإرهاب الوظيفي”.. كيف أعادت الإمارات صياغة القاعدة كأداة نفوذ؟
إرادة سياسية وتوافق وطني لإنهاء الانقسام
وتتبنى القيادة السياسية اليمنية مدعومة من المملكة العربية السعودية، اليوم رؤية واضحة تعتبر أن بقاء الفصائل العسكرية منفصلة وغير خاضعة لوزارة الدفاع يمثل “قنبلة موقوتة” تهدد كيان الجمهورية. وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، ضرورة إعادة تنظيم جميع القوات تحت قيادة وطنية موحدة، وهو التوجه الذي حظي بتأييد سياسي واسع.
ويرى مراقبون أن هذا المسار يهدف إلى صهر القوى في بوتقة المؤسسة الرسمية فعلياً، لا صورياً، لضمان الولاء الكامل للدولة.
من جانبه، أعلن التجمع اليمني للإصلاح تأييده الكامل لهذه الخطوة، حيث وصفها المتحدث باسم الحزب، عدنان العديني، بأنها “خطوة ضرورية وإيجابية” لبسط نفوذ القانون وإنهاء حالة التفكك. وشدد العديني على أنه لا يمكن الحديث عن استقرار أو انتقال سياسي حقيقي دون جيش وطني موحد يحتكم للدستور والقانون.
ويشير صفوان سلطان، عضو المجلس الأعلى للتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، إلى أن الرسالة باتت واضحة للجميع، وهي أن الدولة مصرة على توحيد قرارها.
وأكد سلطان على ضرورة تراجع المكونات التي استقوت بالسلاح عن نهج التصعيد، والعودة لتكون شريكاً سياسياً فاعلاً تحت مظلة الدولة. وشدد على أن احتواء الأفراد وإعادة توظيفهم بشكل صحيح ضمن هيكل الدولة هو السبيل الوحيد لمواجهة التهديدات الوجودية، وعلى رأسها جماعة الحوثي.

موقف سعودي داعم
وحسب المصادر فإن القرار السعودي مع الحكومة اليمني قد اتخذ بدمج القوات حتى قبل ديسمبر/كانون الأول الماضي لكن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات تحرك عسكرياً في محاولة لمنع تنفيذه “رغم أن الخطط كانت جاهزة”.
من جانبه أشار التلفزيون السعودي عبر قناة الإخبارية في تقرير مطول تابعه “يمن مونيتور” إلى انتصار الدولة في حضرموت واستلام المعسكرات بلغة السلم، مؤكداً أن المشهد اليمني يُعاد رسمه حالياً لإنهاء ما يُعرف بـ “ازدواجية السلاح”.
وقال التلفزيون إن هذا التوجه يعد أولوية وطنية ومدخلاً حقيقياً لـ استعادة الدولة وتجفيف منابع الفوضى، بحيث يسود شعار واحد وهو “سلاح واحد، قرار ومرجعية واحدة”، وهو مسار يحظى بدعم سعودي وإجماع شعبي ورسمي واسع.
كما سلط التقرير الضوء على أهمية دمج الميليشيات لضمان عدم تكرار المآسي السابقة، مشيداً بالدور السعودي الفاعل في تثبيت منطق الدولة في المناطق المحررة. ويهدف هذا الدعم إلى تغليب لغة الحوار والسلم لمحاصرة مشاريع الفوضى، مما يسهم في حماية اليمنيين ومنع انزلاق البلاد إلى صراعات دموية جديدة، بالإضافة إلى تعزيز الاقتصاد اليمني في مختلف المجالات.
وفي سياق تعزيز هيبة الدولة، استعرض التلفزيون انطلاق أول رحلة جوية مباشرة من جزيرة سقطرى إلى مطار جدة، واصفاً إياها بالنقلة النوعية التي تفرض استقرار الدولة وتكرس سلطة الشرعية. ويعكس هذا التطور، المدعوم بسخاء من المملكة، استعادة هيبة المؤسسات الرسمية وحضور الدولة كما يطمح إليه اليمنيون، مما يسهم بشكل مباشر في استقرار الأوضاع العامة.
وتحدثت المصادر لـ”يمن مونيتور” شريطة عدم الكشف عن هويتها لأنها غير مخولة بالحديث لوسائل الإعلام.
ضرورة الدمج
وفي سياق تعزيز حضور الدولة، برزت قوات “درع الوطن” كقوة استراتيجية تساهم في ضبط الإيقاع الميداني. وأوضح الدكتور أحمد الشهري، رئيس منتدى الخبرة السعودي، أن بسط نفوذ هذه القوات في حضرموت والمهرة جعل المواطن يشعر لأول مرة بوجود “دولة ومؤسسات وجيش وطني” بعيداً عن إدارة الكيانات ما دون الدولة.
وقال الشهري في تصريحات متلفزة، تابعها “يمن مونيتور”، إن “تعدد الرؤوس في أي بلد لا بد أن يعود للاحتراق، والسودان وليبيا نموذجان لذلك؛ فأي جيش بأكثر من رأس لا بد أن يقتتل”.
وأضاف: “توحيد البندقية في اليمن أصبح أمراً مفروغاً منه، ولا بد أن يكون حاضراً في مشاورات الرياض”.
وتابع: “لدينا قوات العمالقة، المقاومة التهامية، المقاومة الشبوانية، قوات أحمد صالح، المجلس الانتقالي، ودِرع الوطن؛ كل هذه البنادق لا بد أن تتوحد تحت قيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية) ووزير الدفاع ووزير الداخلية فقط لا غير”.
وقال إن “تعدد هذه القوات، حيث لكل قوة إقليم ورئيس وعقيدة عسكرية تختلف عن العقيدة الأم للقوات المسلحة، يجعل النار دائماً تحت الرماد، وهذا خطر جداً”.
من جهته قال بدر القحطاني، مسؤول تحرير الشؤون الخليجية في صحيفة الشرق الأوسط: “أعتقد أن مجلس القيادة الرئاسي بالتنسيق مع التحالف لن يسمح مجدداً بأن يكون أحد من خارج الدولة يدير الدولة”.
وأضاف: “هناك حل جاهز وهو تطبيق اتفاق الرياض الذي ينص على اندماج القوات؛ فهناك مظلة سياسية جاهزة لاحتواء كافة المقاتلين ليندمجوا في الأمن والقطاعات”.
وكان اتفاق الرياض 2019 ينص على دمج كل التشكيلات العسكرية في وزارتي الدفاع والداخلية، وأكد عليه اتفاق نقل السلطة في 2022 لكن المجلس الانتقالي وكيانات الموالية للإمارات عرقلت أي محاولات لدمج القوات، في وقت استمرت عملية السيطرة الفعلية على المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة.
وقال القحطاني: “من المفترض أن تعود عدن وميناؤها ومطارها إلى الدولة، وأن تأتمر بأوامرها، ولا أحد غير الدولة؛ لا مجلس انتقالي ولا أحزاب أخرى”.
وتابع: “هذا التوجه هو ما يمنح الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي القدرة على الذهاب نحو خريطة طريق وهم في موقف قوة أمام الحوثيين”.
التحدي الأبرز: التمويل المالي
من جهته يرى الخبير العسكري الدكتور علي الذهب إلى أن التحدي الأبرز كان يكمن في “التمويل المالي” والولاءات المزدوجة، حيث كانت بعض التشكيلات تتلقى مرتبات ضخمة بالعملة الأجنبية خارج إطار وزارة الدفاع.
وأكد الذهب أن دمج هذه القوات يتطلب إجراءات “جراحية قيصرية” لإنهاء حالة الاستقطاب وصهر الجميع في قوام المناطق والمحاور العسكرية الرسمية.
كما لفت إلى أن السيطرة على المعسكرات وتوحيد البندقية في اليمن أصبح أمراً مفروغاً منه لضمان عدم تكرار سيناريوهات العنف السابقة.
واتفق معه المحلل السياسي عبد الجبار الجريري أن المتغيرات الميدانية الأخيرة، خاصة بعد انسحاب القوات الإماراتية، هيأت الأرضية المناسبة لفرض استحقاق دمج القوات.
وأوضح الجريري أن “العقيدة العسكرية المتباينة” والدعم المالي المستقل كانا يمثلان العائق الأكبر أمام اللجنة الأمنية المشتركة في السابق. ومع توقف الدعم الخارجي لبعض الفصائل (في إشارة إلى الإمارات)، أصبح المجلس الرئاسي اليوم يمتلك الأدوات القوية لإخضاع كافة التشكيلات لوزارة الدفاع.
يؤكد محللون أن نجاح عملية “استلام المعسكرات” سلمياً في حضرموت والمهرة قد ألهم القيادة اليمنية لبسط سلطتها على كامل المناطق المحررة. فالمشهد الجديد الذي يتشكل اليوم تحت شعار “سلاح واحد، قرار واحد، ومرجعيتة واحدة” يمثل الضمانة الوحيدة لتحقيق الأمن والسلام المستدام لليمن والمنطقة. ومع الدعم السعودي الفاعل، تمضي الشرعية نحو تثبيت منطق الدولة وحصر السلاح الثقيل بيد الجيش اليمني فقط، لغلق الباب نهائياً أمام أي محاولات للخروج عن القانون.



