من شريك الحكم إلى “الخيانة العظمى”.. الزلزال السياسي يضرب مجلس القيادة اليمني وينهي أسطورة “الزبيدي”

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
في تحول دراماتيكي قد يعيد صياغة المشهد اليمني برمته، وجد عيدروس الزبيدي، الرجل الذي طالما اعتُبر “بيضة القبان” في استقرار الجنوب اليمني، نفسه اليوم في مواجهة أخطر اتهام سياسي وقانوني في مسيرته. بقرار رئاسي حاسم من الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، جُرّد الزبيدي من حصانته وأُحيل إلى النيابة العامة بتهمة “الخيانة العظمى”.
اعتبرت الخطوة “جراحة قيصرية” لإنهاء حالة الانقسام داخل معسكر الشرعية، ووضع حد للطموحات الانفصالية التي بلغت ذروتها بإصدار الزبيدي “إعلاناً دستورياً” أحادي الجانب مطلع العام الجاري بالانفصال بعد أن حرك قواته إلى حضرموت والمهرة للسيطرة عليها والتأثير على سلامة اليمن وتهديد الأمن القومي لدول الجوار.

زلزال في “المعاشيق”: تفكيك شفرة قرار الإقالة والملاحقة القضائية
جاء المرسوم الرئاسي الصادر يوم الأربعاء بمثابة الصاعقة التي هزت أركان ترتيبات تقاسم السلطة الهشة التي أفرزتها مشاورات الرياض. فلم يكن القرار مجرد إعفاء من منصب إداري، بل كان بياناً قانونياً عسكرياً متكاملاً اتهم الزبيدي صراحة بـ “تشكيل عصابات مسلحة” و”الإضرار بمكانة الجمهورية السياسية والعسكرية”.
هذا التصعيد القانوني يعكس وصول العلاقة بين الأجنحة المكونة لمجلس القيادة الرئاسي إلى طريق مسدود، بعد أن استنفدت القوى الإقليمية والدولية كافة فرص الحوار لدمج التشكيلات المسلحة التابعة للانتقالي ضمن قوام الجيش والأمن.
توقيت القرار يعكس رغبة “الشرعية” في استعادة هيبة الدولة المركزية، خاصة بعد أن تجاوز الزبيدي الخطوط الحمراء المنصوص عليها في اتفاق الرياض. إن إحالة الزبيدي إلى النيابة بتهمة قيادة تمرد عسكري تضع المجلس الانتقالي الجنوبي أمام اختبار وجودي؛ فإما الرضوخ لشرعية الدولة أو الدخول في مواجهة مفتوحة قد تفقد مكتسباته التي تحققت في السنوات العشر الماضية.
هذه الخطوة لم تكن لتتم لولا وجود ضوء أخضر إقليمي ودولي يرى في تحركات الزبيدي الأخيرة تهديداً لاستقرار الممرات المائية وأمن الإقليم، رغم الدعم الإماراتي والتوجيه المستمر.
على الصعيد الميداني، تسارعت الأحداث مع إعلان التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية عن تواري الزبيدي عن الأنظار، وسط أنباء متضاربة حول مكان وجوده. فبينما يؤكد العميد تركي المالكي، المتحدث باسم التحالف، أن الزبيدي “فر إلى وجهة مجهولة” بعد رفضه الحضور إلى الرياض، يصر المجلس الانتقالي في عدن على أن زعيمه لا يزال يمارس مهامه من العاصمة المؤقتة. هذا التضارب يشير إلى حالة من الفوضى المعلوماتية التي تسبق عادة التغييرات الكبرى في موازين القوى على الأرض.
- صهر البنادق في بوتقة الدولة.. معركة الشرعية لإنهاء “تعدد الرؤوس” العسكرية يتصدر أولويات المرحلة
-
عَقد من “الإخضاع”: كيف حوّلت الإمارات عدن من عاصمة مؤقتة إلى إقطاعية عسكرية تحت غطاء التحالف؟
سيرة التمرد والطموح: من خنادق الضالع إلى دهاليز السلطة
ولد عيدروس الزبيدي في عام 1967 في قرية “زبيد” بمحافظة الضالع، وهي المنطقة التي لطالما كانت معقلاً للحركات التحررية والتمرد في الجنوب. تخرج ضابطاً في القوات الجوية عام 1988، لكن انكسار الحركة الانفصالية في صيف عام 1994 كان المنعطف الذي شكل عقيدته السياسية. من منفاه في جيبوتي، عاد الزبيدي ليؤسس حركة “حق تقرير المصير” (حتـم)، منتهجاً أسلوب العمل المسلح ضد القوات الشمالية، وهو ما جعله مطارداً ومحكوماً عليه بالإعدام غيابياً في عهد الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، قبل أن تشمله التسويات السياسية لاحقاً (2020).
لم يكن الزبيدي مجرد عسكري عادي، بل كان يجيد استثمار التحولات الجيوسياسية؛ ففي عام 2015، ومع زحف الحوثيين نحو الجنوب، برز كقائد ميداني لمجموعة قادمة من مسقط رأسه في الضالع وشارك في دحر الجماعة المدعومة من إيران من مناطق استراتيجية. هذا النجاح الميداني منحه تذكرة العبور إلى السلطة الرسمية، حيث عينه الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي محافظاً لعدن.
غير أن “نزعة الانفصال” ظلت هي المحرك الأساسي له، مما أدى إلى صدامه الأول مع هادي وإقالته في 2017، ليعلن بعدها تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة مكنه من بناء قوة عسكرية شبه نظامية سيطرت فعلياً على عدن والمحافظات المجاورة لاحقاً حتى 2022م.
الطموح السياسي للزبيدي لم يتوقف عند حدود الداخل، بل حاول تسويق نفسه دولياً كـ “رجل دولة” براغماتي، حيث أبدى انفتاحاً غير مسبوق على قضايا إقليمية شائكة.
ففي تصريحات لصحيفة “ذا ناشيونال” الحكومية الإماراتية في سبتمبر/أيلول 2025، لمح إلى إمكانية الانضمام لـ “اتفاقيات أبراهام” قائلاً: “عندما تكون لدينا دولتنا الجنوبية، فسنتخذ قراراتنا الخاصة وأعتقد أننا سنكون جزءاً من هذه الاتفاقيات”. هذا الخطاب كان يهدف إلى استمالة القوى الدولية، لكن يبدو أن هذه المناورات السياسية لم تشفع له حينما تعلق الأمر بتهديد وحدة مجلس القيادة الرئاسي، وتهديد الأمن القومي للمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.
-
عشرية الخديعة واستراتيجية “الإرهاب الوظيفي”.. كيف أعادت الإمارات صياغة القاعدة كأداة نفوذ؟
-
خلف الأبواب المغلقة… كيف حسمت الرياض والعليمي قرار إنهاء الوجود الإماراتي في اليمن؟
“الخديعة” وضربات الاستباق
الشرارة التي فجرت الموقف كانت “الإعلان السياسي” الذي أصدره الزبيدي في 2 يناير/كانون الثاني 2026، والذي حدد فيه فترة انتقالية لمدة عامين تنتهي باستفتاء على الاستقلال. اعتبرت الرئاسة اليمنية هذا الإعلان “انقلاباً كامل الأركان” وخروجاً عن مخرجات المشاورات الوطنية؛ ورفض في الأيام التالية الحضور إلى الرياض للنقاش بشأن مخرج للحل وإبقاء وحدة مجلس القيادة الرئاسي، عندما صعد للطائرة في يوم 6 يناير/كانون الثاني استمر يراوغ حتى نزل من على متنها فيما انطلق بقية وفد المجلس الانتقالي إلى الرياض.
ووفقاً لمصادر عسكرية، فإن المعلومات الاستخباراتية التي توافرت للتحالف أشارت إلى قيام الزبيدي بتوزيع أسلحة نوعية في عدن بهدف “إحداث فوضى شاملة” تزامناً مع إعلانه الدستوري، وهو ما دفع التحالف لشن “ضربات استباقية محدودة” ضد تحشيدات تابعة للانتقالي في معسكر “زند” بالضالع.
أما الوفد الذي انتقل للرياض فحرص الموالون لعيدروس الزُبيدي من أبوظبي عبر عمرو البيض مستشاره السياسي إلى التشكيك ب”فقدان الاتصال” بهم، فيما خرجت تسريبات من داخل الوفد تشير إلى رغبتهم في الانخراط في حوار جنوبي-جنوبي تحت مظلة الرياض، بعيداً عن تصعيد الزبيدي. هذا الانقسام الداخلي داخل أروقة الانتقالي قد يمثل “المسمار الأخير” في نعش قيادة الزبيدي، حيث يرى جزء من النخبة الجنوبية أن التصادم مع السعودية في هذا التوقيت هو “انتحار سياسي” لن يجني منه المجلس سوى العزلة والدمار.
تختتم هذه التطورات فصلاً طويلاً من الشراكة القلقة بين القوى المناهضة للحوثيين، وتفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة. فاليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما أن تنجح “الشرعية” في فرض نظام القانون ومحاكمة المتورطين في التمرد، وإما أن ينزلق الجنوب إلى صراعات داخلية دامية بين الفصائل الموالية للزبيدي وتلك المنضوية تحت راية الدولة. الأكيد أن “رجل الجنوب القوي”-الذي لطالما أحب هذه التسمية- فقد الحصانة والمكانة، وباتت قضية الانفصال التي ينشدها تواجه أكبر عثرة قانونية وسياسية منذ عقود.




