أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

عَقدْ من “الإخضاع”: كيف حوّلت الإمارات عدن من عاصمة مؤقتة إلى إقطاعية عسكرية تحت غطاء التحالف؟

يمن مونيتور / وحدة التقارير / خاص

في الوقت الذي أُعلن فيه تحرير عدن “العاصمة المؤقتة” في أواخر مارس 2015، كانت الآمال تُعقد على أن تكون المدينة منطلقاً لاستعادة الجمهورية ودحر الانقلاب الحوثي، والوصول إلى صنعاء، الإ أن الأمر اختلف تماماً؛ فدولة الامارات التي دخلت ضمن التحالف العربي بقيادة السعودية لدعم الشرعية، استهدفت الحكومة بالموت البطيء لتقضي على حضورها في “عدن” والمحافظات الجنوبية المجاورة، عبر تشكيلاتها العسكرية والأمنية ولاحقا لصالح الانفصاليين وتبنّي مشروع تقسيم اليمن، خلال عقد من الزمن(2015 – 2025) عنوانه الإخضاع لخدمة أجندة وأطماع دون اعتبار لمصالح اليمنيين والجوار..

أدى إنهاء التواجد الاماراتي في الـ30 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، لفتح ملف عقد من سيطرتها على عدن، وكيف عملت من اللحظة الأولى لتقويض الشرعية، حتى وصل الأمر للتمدد شرقاً ودفعها الانتقالي لاجتياح حضرموت والمهرة، مافجّر الوضع بين الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية من جهة، والامارات وأدواتها المحلية من جهة أخرى، لتطوى صفحة عشر سنوات من العبث.

انعكس دور الإمارات في عدن والجنوب على المعركة التي تخوضها الشرعية ضد الحوثي، فقد بدا واضحاً أن الدولة الشقيقة ترى الشرعية والحوثي في ميزان واحد، حتى بلغ الأمر اعتبار الحكومة عدواً، وشن حرب معلنة ضدها بكل الأدوات، علاوة على ذلك كانت حجراً حال دون تقديم نموذج ناجح في مناطق الحكومة، وشكلت جرائمها وعبثها المادة التي قدمها الحوثي للمواطنين في نطاق سيطرته باعتباره  مثال للتحرير الذي تريده الشرعية لكم.

من خلال استعراض دور الإمارات في عدن كعاصمة مؤقتة، تكشف الوقائع خلال عشر سنوات أن ما حدث لم يكن “تحريراً” بالمعنى السيادي، بل عملية “مصادرة” منظمة قادتها دولة الإمارات، حولت المدينة من رمز للدولة إلى ساحة مغلقة للنفوذ المسلح والاغتيالات السياسية والعبث والفشل والفوضى.

صناعة “الدولة الموازية”

منذ اللحظات الأولى لتدخلها ضمن التحالف العربي، مضت أبوظبي وفق استراتيجية مغايرة للأهداف المعلنة، فبينما كان اليمنيون ينتظرون بناء مؤسسات الدولة، كانت الإمارات تنشئ كيانات أمنية وعسكرية موازية، هدفها الأساسي تقويض سلطة الحكومة الشرعية وتمهيد الطريق لمشاريع الانفصال، بعيداً عن سلطة الدولة.

بدأ تقويض الدولة فعلياً في فبراير/شباط 2016، مع تأسيس قوات “الحزام الأمني”. هذا الكيان الذي بدأ بلواءين وتمدد ليضم أكثر من 20 ألف مقاتل بحسب تقارير، أُنشئ بتمويل وتدريب إماراتي كامل، لم تكن هذه القوات تخضع لوزير الداخلية اليمني؛ بل كانت تتلقى أوامرها مباشرة من قائد القوات الإماراتية في عدن، ويؤكد ذلك توجية وزير الداخلية الأسبق اللواء حسين عرب، بالافراج عن معتقل واحد من سجون هذه القوات فلم يجد من يلتفت لأوامره فالسجون خارج سلطته، والتشكيلات الأمنية لاتخضع له، وفي شهادة سابقة، كشف العقيد علي الكازمي، نائب مدير أمن عدن السابق، عن تعرضه للإقصاء والمنع من دخول مكتبه بسبب رفضه “الوصاية الإماراتية”.

وتوالت الأسماء والتشكيلات الأمنية المسيطرة على عدن تحت مسميات (الدعم والإسناد، الطوارئ، الحماية)، لكن الولاء ظل واحداً، حيث يعين قائد قوات الامارات مسؤولي الحزام الأمني وكأن أول قادة الجزام في البداية هاني بن بريك، وصولاً إلى القيادة الحالية برئاسة محسن الوالي ونائبه جلال الربيعي، كما برزت كتيبة الطوارئ التي كان يقودها أبو اليمامة منير اليافعي، والتي عُرفت بسجل أسود من الاعتقال واقتحام المنازل وملاحقة المعارضين قبل أن يُقتل في استهداف بطيران مسير خلال عرض عسكري في عدن.

الإمارات وفرض عاصمة بلا رئيس

فرضت الإمارات تغييباً صريحاً للرئيس هادي خلال 7 سنوات من حكمه، وعملت على تقويض سلطة الحكومة الشرعية وتهميش رموزها، وبدلاً من أن تكون المدينة منطلقاً لاستعادة الدولة من قبضة الحوثيين، أضحت “منفى إجبارياً” لرجالات الدولة داخل ترابهم الوطني، وصورة حية لتمزق القرار السيادي بين حلفاء الضرورة.

بدأت ملامح هذا التقويض مبكراً، حين تجلت حرب الإمارات ضد “رأس الجمهورية” بشكل علني؛ إذ كشف تقرير لمنظمة “سام” أن الرئيس السابق عبدربه منصور هادي لم يستطع البقاء في عدن سوى لأيام معدودة ومتقطعة، لم تتجاوز في مجموعها 200 يوم طيلة سبع سنوات من حكمه (من أصل 2520 يوماً). ففي فبراير 2017، سجل التاريخ اليمني سابقة خطيرة حين منعت قوات أمن مطار عدن المدعومة إماراتياً طائرة الرئيس من الهبوط، مقدمة غطاءً عسكرياً لتمرد قائد حماية المطار صالح العميري. ولم يتوقف الأمر عند المنع، بل امتد لاستخدام طائرات “الأباتشي” الإماراتية لقصف قوات الحماية الرئاسية التي تحركت لفرض هيبة الدولة وتنفيذ قرارات الرئيس.

هذه العزلة المفروضة على الرئيس لم تكن مجرد تخمينات، بل أكدتها شهادات رسمية من داخل الحكومة القرار؛ فقد جهر وزير الخارجية الأسبق عبدالملك المخلافي بحقيقة أن هادي بات عاجزاً عن العودة إلى اليمن عامة وعدن خاصة بسبب “الفيتو” الإماراتي. وفي السياق ذاته، وضع وزير الداخلية الأسبق أحمد الميسري النقاط على الحروف في تصريحاته لإذاعة فرنسا عام 2018، حين أكد أن الإمارات هي من تمنع الرئيس من ممارسة مهامه من داخل عدن، مشيراً إلى تحول القوات الإماراتية وقادتها، كالعميد محمد الحساني، وابو ماجد احمد البلوشي إلى حكام فعليين للمدينة، يديرون تشكيلات عسكرية خارج إطار القانون ويحكمون قبضتهم على الموانئ والموارد السيادية.

قصة حصار الحكومة.. من الصدام إلى الإزاحة

ولم يقتصر الاستهداف على شخص الرئيس، بل طال كيان الحكومة ذاته عبر سلسلة من الهزات العسكرية الممنهجة. ففي يناير 2018، عاشت عدن أولى محاولات الانقلاب العسكري الشامل الذي رعته الامارات، وقبله كانت سقطرى وجه للسيطرة، ورغم بعدها عن الحرب، الا أن اطماع الدولة لم يرى من يقف أمامه، فدفعت ابو ظبي بكتيبة عسكرية إلى الجزيرة، وحين ذهب رئيس الحكومة  أحمد بن دغر لزيارة سقطرى رافضا العبث الذي طالها، تساءل الاعلام الاماراتي لماذا يذهب بن دغر الى سقطرى،  بعدها دفعت الدولة الشريك في التحالف المجلس الانتقالي لحصار قصر “المعاشيق” المقر الرئيس للحكومة، تحت ذريعة مكافحة الفساد، مستخدماً الأسلحة الثقيلة والدبابات التي وفرتها أبوظبي لاجتياح الأحياء السكنية ومعسكرات الدولة، ورغم صمود الحكومة حينها، إلا أن أحداث أغسطس 2019 كانت “الضربة القاصمة”؛ إذ تم طرد الوزراء بقوة السلاح، وحين حاول الجيش الوطني استعادة زمام المبادرة، تدخل الطيران الإماراتي في “نقطة العلم” بقصف جوي مباشر خلف مقتل 300 جندي، ووصلت القضية إلى مجلس الأمن الدولي.

إلا أن الاحتواء الذي بادرت السعودية للقيام به أفضى إلى توقيع “اتفاق الرياض”، ومع الدخول في مرحلة الاتفاق ومن ثم تشكيل “مجلس القيادة الرئاسي” في أبريل 2022، لم يتغير المشهد سوى في المسميات؛ فقد ظلت الحكومة تعمل في بيئة عدائية وبصلاحيات منقوصة. ومع حلول عام 2025، انتقلت الاستراتيجية الإماراتية إلى مرحلة “الاجهاز” لما تبقى من نفوذ للشرعية، بدفع قوات الانتقالي للسيطرة على وادي حضرموت والمهرة، ووفقاً لتقارير صحفية متواترة، بلغت الجرأة في التعدي على سيادة الدولة حد محاولة احتجاز رئيس مجلس القيادة الحالي رشاد العليمي داخل قصر المعاشيق، بعد مطالبته بسحب القوات من حضرموت، في حادثة لم تنتهِ إلا بتدخل قوة سعودية أمنت خروجه باتجاه الرياض.

معركة المحافظين.. الإقصاء بالترهيب

لم يسلم منصب “محافظ عدن” من التدخل الإماراتي الفج، فتم إقصاء نايف البكري، الذي قاد المقاومة الشعبية ضد الحوثيين، بعد 54 يوماً فقط من تعيينه، بضغط إماراتي على هادي لتغييره لأنه رفض الانخراط في المشروع الإماراتي، وتوالى على عدن محافظون ومدراء أمن، وكان الولاء لأبوظبي هو معيار بقائهم. جعفر محمد سعد، الشخصية العدنية الأبرز وخليفة البكري، اغتيل في ديسمبر 2015م، بعد شهرين فقط من تعيينه،  ليتم تعيين عيدروس الزبيدي في ديسمبر 2016 ومعه شلال شائع اللذان مكّنا النفوذ الإماراتي قبل أن يتم إقالتهما، ليعلنا لاحقاً التمرد وتأسيس “المجلس الانتقالي”، بعد عشرة أيام من ابعاده،  قضى الزبيدي 17 شهراً في المنصب، مثلت عدن فيها إقطاعية إماراتية، ليتم إقالته وتعيين عبدالعزيز المفلحي الذي استقال بعد ثلاثة أشهر في 2017 مصرحاً برفضه “الوصاية” ومهاجماً عرقلة الإمارات لمشاريع التنمية، ليؤول المنصب للقيادي في المجلس الانتقالي أحمد حامد لملس، الذي يحكم المدينة منذ 2020 في ظل سيطرة شبه كاملة للمجلس على مفاصل القرار، وعندما عُين مدير أمن لا يتبع الانتقالي، أُقيل قبل أن يمارس عمله، وكان الزبيدي ولملس المحافظين الأكثر بقاء في المنصب.

اليوم، وبعد عقد من الحرب، تبدو عدن وقد أوصلتها الامارات للعاصمة الثانية التي تفقدها الشرعية بعد صنعاء، لكن هذه المرة لصالح “حليف” – الانتقالي- تمّكن من بناء سلطة موازية، وإن أُعلنت مغادرتها اليمن، بعد طردها علناً من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، إلا أن أدوات الإمارات وتشكيلاتها العسكرية لا تزال تتحكم في عدن ومحافظات الجنوب اليمني؛ ولا تزال الحكومة اليمنية بلا أرض، والشرعية بلا عاصمة، والمعركة مع الحوثي مفتوحة، وبحكم المتغيرات الجديدة وفرض المملكة بقوات درع الوطن للتوجه نحو عدن والتقليل من سطوة التشكيلات العسكرية للانتقالي الإ أن تركة الامارات ستبقى لسنوات في منع تعافى الحكومة اليمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى