أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

“اللعب بالنار”.. كيف تهز المغامرة الإماراتية شرق اليمن وحدة البيت الخليجي؟.. خبراء يجيبون

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عبدالجليل عبدالرحمن   

لم تكن عملية المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع الشهر الجاري للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة (شرقي اليمن)، مجرد مناورة عسكرية داخلية في بلد أنهكته الحرب؛ بل كانت بمثابة “زلزال جيوسياسي” ضرب عمق التفاهمات الخليجية، وكشف بوضوح عن الطموح الإماراتي المنفلت الذي بات يهدد الأمن القومي للمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، متخذاً من وكلاء محليين “عصا غليظة” لفرض واقع جديد يخدم مصالح أبوظبي الاقتصادية والبحرية على حساب أمن المنطقة واستقرارها.

إن التحرك الخاطف للقوات المدعومة إماراتياً نحو “الخزنة الاقتصادية” لليمن (حضرموت) و”الرئة الجيوسياسية” (المهرة)، يمثل قفزة متهورة في المجهول، تنسف جهود التهدئة التي تقودها الرياض، وتضع “وحدة البيت الخليجي” على المحك.

 

أبوظبي.. “الفائز الأكبر” من خلط الأوراق

بينما تنشغل الرياض بمحاولة إغلاق ملف الحرب عبر مفاوضات شاقة مع الحوثيين، يبدو أن أبوظبي قررت استغلال الظرف لتعزيز نفوذها البحري والاقتصادي.

ويرى المحلل أحمد ناجي من “مجموعة الأزمات الدولية” أن ما جرى يؤكد أن “الإمارات تبدو الفائز الرئيسي، حيث توسع نفوذها في الأزمة اليمنية”، مشيراً إلى أن المجلس الانتقالي “تجاوز الترتيبات التي تقودها السعودية”.

هذا التحرك ليس عفوياً، بل هو جزء من استراتيجية إماراتية للهيمنة على الموانئ ومنابع الطاقة. وبحسب الخبيرة إليزابيث كيندال من جامعة كامبريدج، فإن الانفصال الذي يمهد له الانتقالي سيمنح الإمارات “السيطرة على موارد الطاقة المربحة والموانئ وطرق التجارة والمواقع الأمنية الاستراتيجية”.

وبذلك تكتمل استراتيجية “عقد اللؤلؤ” الإماراتية، لتمتد سيطرتها من ميناء المخا قرب باب المندب غرباً إلى نشطون شرقاً على الحدود العمانية.

ويذهب أندرياس كريج، الأستاذ المساعد في “كينجز كوليدج لندن”، إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن “أبوظبي والمجلس الانتقالي يستفيدان من لحظة يكون فيها النفوذ السعودي في اليمن ضعيفاً بشكل غير عادي”، حيث تركز الرياض على الحل السياسي، بينما تقوم أبوظبي بخلق وقائع جديدة على الأرض.

ويتفق معه الدكتور لوكا نيفولا، كبير المحللين في (ACLED)، الذي يرى أن “الاستئناف الأخير للمحادثات الحوثية السعودية حول خارطة الطريق للسلام التابعة للأمم المتحدة قد يكون لعب دوراً في دفع الانتقالي لهذه الخطوة”.

وأضاف أندرياس كريج أن هذا التحرك “يؤكد مدى تباين أهدافهما النهائية في اليمن [السعودية والإمارات]، ومدى ارتياح أبو ظبي الآن لخلق حقائق على الأرض وترك الرياض تتكيف مع الأمر الواقع بعد وقوعه”

(GettyImages-)

طعنة في “الخاصرة الرخوة” للسعودية

أمام هذا العبث الإماراتي بأمن المنطقة، تحركت الدبلوماسية السعودية بحزم لقطع الطريق على هذه المغامرة. وقد تجلى ذلك في زيارة الوفد السعودي الرفيع برئاسة اللواء محمد القحطاني إلى حضرموت، والذي أعلن بوضوح أن بلاده “ترفض أي محاولات لفرض أمر واقع”.

وتكمن خطورة السلوك الإماراتي في الشرق اليمني في أنه يحول “العمق الاستراتيجي” للسعودية إلى مصدر تهديد مباشر. فحضرموت والمهرة تمثلان حزاماً أمنياً للمملكة عبر حدود صحراوية طويلة.

وتحذر إليزابيث كيندال من أن السيناريو الذي تدفع نحوه أبوظبي “سيترك السعودية مع دولة يهيمن عليها الحوثيون المحاربون على حدودها”، بينما يسيطر وكلاء الإمارات على الجنوب والشرق، مما يضع الرياض بين فكي كماشة.

لقد أدى هذا التحرك إلى “انكشاف خطير” للحدود السعودية، وتآكل لنفوذها القبلي التقليدي لصالح قوى مسلحة تحمل أجندات قد تكون صدامية. وهذا ما دفع الرياض للتدخل العسكري المباشر عبر قوات “درع الوطن” للسيطرة على “منطقة العبر” ومنفذ الوديعة، في خطوة دفاعية لقطع الطريق على تمدد الانتقالي شمالاً.

وتدعم الرياض خيارات الدولة اليمنية للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، حيث تم التوصل إلى “ترتيب أولي” يقضي بانسحاب قوات الانتقالي من المنشآت النفطية واستبدالها بقوات حضرمية تحت إشراف السلطة المحلية.

كما أكد القحطاني أن حضرموت يجب أن تكون “أساساً للاستقرار لا ساحة للصراع”، في رسالة مبطنة لمن يحاولون تحويلها إلى ورقة مساومة إقليمية. ويؤكد الكاتب أحمد عايض أن التحرك الدبلوماسي السعودي يهدف إلى “تطبيع الأوضاع” وإجبار الانتقالي على “العودة إلى ثكناته والخضوع للإرادة السياسية”، مشيراً إلى أن الانتقالي بات في “زاوية حرجة” وأمام خيارين: الانسحاب أو مواجهة عقوبات أممية

اللواء محمد القحطاني في الصورة (جرافيك يمن مونيتور)

خنق سلطنة عمان

لم يقف التهور الإماراتي عند حدود إقلاق السعودية، بل امتد لتهديد الأمن الوجودي لسلطنة عمان. فسيطرة الانتقالي على محافظة المهرة ومنافذها الحدودية مع السلطنة (شحن وصرفيت) يُعتبر بمثابة “تطويق جيوسياسي” لمسقط.

وترى كيندال أن المكاسب الإقليمية للانتقالي هناك “مثيرة للقلق بلا شك بالنسبة لعُمان”، حيث تعتبر المهرة حديقتها الخلفية، وسقوطها بيد حلفاء الإمارات ينهي وضعها كمنطقة عازلة ويستدعي مخاوف تاريخية وأمنية للسلطنة.

ويصف الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور علي الذهب المجلس الانتقالي بوضوح بأنه “عصا غليظة بيد الإمارات”، مؤكداً أن هذه القوات “تنفذ إرادة خارجية فضلاً عن إرادتها الداخلية”.

 

تقويض الشرعية وتمكين الحوثيين

بدلاً من توحيد الصفوف ضد الحوثيين، أدى الدعم الإماراتي للانتقالي إلى تمزيق “مجلس القيادة الرئاسي” الذي شكلته السعودية. تصف كيندال الوضع بأنه عرض لـ”فشل مجلس القيادة الرئاسي”، الذي أثبت أنه “ضعيف ومنقسم”.

وفي مفارقة صارخة، يرى المحلل علي السكني أن “كل ما يحدث [في الجنوب] يخدم الحوثيين في نهاية المطاف”. فالفوضى الحالية تمنح الحوثيين فرصة لترتيب صفوفهم، وربما استغلال الصراع البيني لشن هجمات جديدة على مأرب التي باتت مكشوفة الظهر بعد انهيار المنطقة العسكرية الأولى.

 

خيارات الخليج الصعبة

إن ما تفعله أبوظبي في شرق اليمن هو “مغامرة غير محسوبة” تهدد بنسف الأمن الجماعي الخليجي. فبينما تسعى السعودية لإطفاء الحريق اليمني، تعمل الإمارات عبر وكلائها على صب الزيت على النار لضمان مصالحها الخاصة، حتى لو كان الثمن تفتيت اليمن وتهديد أمن جيرانها.

ويبدو أن الرياض وبقية دول مجلس التعاون الخليجي قد أدركت أن سياسة “الاحتواء الناعم” لم تعد مجدية، مما دفعها لتفعيل خيار “الاحتواء القسري” عبر نشر قوات “درع الوطن” وفرض خطوط حمراء. فالخيار أمام صانع القرار الخليجي بات واضحاً: إما لجم الطموحات الإماراتية المنفلتة وإعادة التوازن للمشهد اليمني، أو الاستسلام لواقع الفوضى الذي سيجعل من الحدود الجنوبية لدول مجلس التعاون مصدراً دائماً للتهديد.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى