الرئاسي اليمني يواجه خطر التفكك.. شراكة “الأضداد” هل وصلت خط النهاية؟
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة حسين
غادرت الحكومة اليمنية ورئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، العاصمة المؤقتة عدن صوب الرياض، في خطوة تتجاوز البروتوكول السياسي لتعكس انهياراً وشيكاً في جدار “التوافق الهش” الذي حُكمت به المناطق المحررة منذ 2022م.
وجاءت هذه المغادرة الاضطرارية عقب إحكام المجلس الانتقالي الجنوبي قبضته العسكرية على محافظتي حضرموت والمهرة الاستراتيجيتين، مما يضع “شراكة الأضداد” داخل المجلس الرئاسي أمام اختبار وجودي قد يكون الأخير، وينذر بإعادة رسم خارطة النفوذ في اليمن كلياً.
نسف التوافق و”شرعنة” الانقلاب
لم يتأخر رد فعل رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الذي اعتبر التحركات العسكرية الأخيرة للمجلس الانتقالي في المحافظات الشرقية “تقويضاً صريحاً لسلطة الدولة” وانقلاباً على الأسس التي قامت عليها المرحلة الانتقالية في أبريل/نيسان 2022.
وفي تحركات دبلوماسية مكثفة بدأها فور وصوله الرياض، أكد العليمي للسفراء الدوليين والفاعلين الإقليميين أن فرض الأمر الواقع بقوة السلاح لا يهدد تماسك المجلس الرئاسي فحسب، بل يضرب المركز القانوني للدولة اليمنية.
وطالب العليمي بانسحاب فوري للقوات المستقدمة من خارج حضرموت والمهرة، مشدداً على أن المجلس “لن يقبل بشرعنة كيانات تعمل خارج إطار الدستور”، داعياً المجتمع الدولي لمغادرة مربع الصمت وممارسة ضغوط حقيقية لإنهاء ما وصفه بـ”التمرد”.

“سلطة موازية” وخطر الفوضى الشاملة
في توصيف دقيق للمشهد داخل عدن، وشن وكيل وزارة الإعلام اليمنية، الدكتور نجيب غلاب، هجوماً لاذعاً على المجلس الانتقالي، متهماً إياه بالعمل كـ”سلطة موازية” تسعى لفرض إرادتها بالقوة بعيداً عن المرجعيات المتفق عليها.
وأضاف غلاب في تصريحات متلفزة تابعها “يمن مونيتور”: “ما يقوم به الانتقالي هو هدم للشرعية من داخلها، ومحاولة لتأسيس سلطة موازية لن يعترف بها أحد. إنهم يخلعون المظلة التي تحميهم ويخوضون معركة خاسرة ضد أنفسهم”.
وأوضح غلاب أن مغادرة الحكومة لقصر “المعاشيق” لم تكن خياراً بل ضرورة، حيث باتت عدن “غير آمنة” لعمل مؤسسات الدولة في ظل سيطرة قوات الانتقالي ومحاصرتها لمقار الحكومة، مما جعل العمل الحكومي شبه مستحيل تحت وطأة التهديد.
وقال: “قصر المعاشيق لم يعد آمناً؛ قوات الانتقالي تحاصره وتفرض إرادتها بقوة السلاح. مغادرة الحكومة هي رسالة اعتراض واضحة على هذه البلطجة السياسية”.
وحذر المسؤول الحكومي من أن محاولة “الانتقالي” فرض سيطرته على كامل الجغرافيا الجنوبية بالقوة ستؤدي إلى إغراق البلاد في فوضى شاملة واحترابات أهلية قد لا تنتهي.
وأشار إلى أن الانتقالي، بهذه التصرفات، يقدم خدمة مجانية لجماعة الحوثي، التي تعتبر المستفيد الأكبر من تفكك الجبهة الداخلية للشرعية، مؤكداً أن المجلس الانتقالي يدير معركة خاسرة ضد نفسه وضد شركائه، مما قد يفقده الغطاء السياسي الذي توفره له الشرعية الدولية.
وفند غلاب المزاعم التي تتحدث عن ترحيب شعبي في حضرموت بهذه القوات، مؤكداً أن هناك نخباً وقوى حضرمية واسعة ترفض هذه الوصاية وترفض تحويل محافظتهم إلى ساحة لتصفية الحسابات. وقال: “ليس صحيحاً أن المجتمع الحضرمي يؤيد ما جرى. الانتقالي فرض إرادته بالقوة العسكرية، وهناك نخب وقوى حضرمية ترفض تحويل محافظتهم لساحة صراع”.
وأضاف أن القوات التي دخلت حضرموت هي قوات مستقدمة من خارج المحافظة، في حين أن القوات الموجودة سابقاً كانت تضم عناصر من أبناء المنطقة، معتبراً أن ما يجري هو مغامرة سياسية غير محسوبة العواقب قد تعصف بما تبقى من مؤسسات الدولة.
وتابع: “الانتقالي يمارس مقامرة سياسية غير محسوبة العواقب؛ فهو يرمي قنبلة في سفينة الشرعية ليغرق الجميع، والمستفيد الوحيد من هذه الفوضى هو الحوثي الذي يحتفل اليوم بتمزقنا”.
“الانتقالي” يدافع ويتلاعب
في المقابل، دافع القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي، منصور صالح، بشدة عن العملية العسكرية، نافياً وجود أي نية لتأسيس سلطة موازية أو الانقلاب على المجلس الرئاسي.
وزعم صالح أن تحرك القوات الجنوبية جاء استجابة لمطالب شعبية واسعة من أبناء حضرموت.
ورفض القيادي في الانتقالي الاتهامات الموجهة لقواته بتقويض الشرعية، مشدداً على أن المجلس الانتقالي شريك أساسي في مجلس القيادة والحكومة، وأنه ماضٍ في المسار السياسي جنباً إلى جنب مع المسار العسكري لتأمين الجنوب.
وقال صالح إنهم في الوقت الراهن لا يريدون “الخروج من مجلس القيادة والحكومة”، مشدداً إنهم شاركوا منذ البداية بهدف انفصال جنوب اليمن عن شماله ووصفه ب”مشروع استعادة دولة الجنوب”.
من جهته قال المحلل السياسي عبدالله دوبلة “عيدروس الزبيدي وأبو زرعة المحرمي يفرضان سيطرة عسكرية كاملة على الأرض (أمر واقع)، وفي نفس الوقت يتمسكان بمناصبهما في مجلس القيادة الرئاسي (شرعية دولية).
وأضاف دوبلة في برنامجه على تلفزيون “يمن شباب”: الانتقالي لا ينوي إعلان الانفصال حالياً، بل يريد (تثبيت) المكسب العسكري وتمريره على السعودية بأقل الخسائر.

تحذيرات من سيناريو السودان
على صعيد التحليل الاستراتيجي، حذر خبراء ومراقبون للشأن اليمني من أن البلاد تقف أمام مفترق طرق خطير قد يؤدي إلى تكرار “السيناريو السوداني”، حيث تتغول القوى المسلحة (اللاعبون دون الدولة) على المؤسسات السيادية.
ويرى الدكتور محجوب الزويري، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن استمرار سياسة فرض الأمر الواقع عسكرياً يعكس هشاشة الدولة العميقة وتأثير التدخلات الإقليمية التي باتت تصنع الحدث اليمني أكثر من الأطراف المحلية نفسها.
وقال الزويري: لدينا الآن ثلاث قوى: حكومة معترف بها لكنها ضعيفة، حوثيون يسيطرون واقعياً ولا يُعترف بهم، ومجلس انتقالي يسعى للانفصال لكنه يواجه معضلة الاعتراف الدولي لأنه قانوناً جزء من الحكومة التي يحاربها.
وحذر الزويري: الخطر الأكبر يكمن في احتمال حدوث تفاهم ضمني (براغماتي): الحوثيون الذين خسروا حليفهم الإيراني قد يقبلون بصفقة (لكم الجنوب ولنا الشمال) للحفاظ على مكاسبهم، وهذا يعني تكريس الانقسام والعودة لما قبل 1990 بأسوأ صورها.
هذا السيناريو، بحسب المحللين، سيترك الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً بلا أرضية حقيقية، مجردة من القوة والموارد، مما يضعف موقفها التفاوضي والسياسي أمام المجتمع الدولي بشكل غير مسبوق.
وقال الزويري: “الاشتباك المحلي يعكس توتراً إقليمياً مكتوماً؛ الانتقالي محسوب على طرف (الإمارات)، والقوى التي هُزمت محسوبة على طرف آخر (السعودية). إذا طفى هذا التوتر على السطح، فنحن أمام أزمة إقليمية كبرى”.
وقال عبدالله دوبلة: ما يحدث هو اختبار جدي وحقيقي للنفوذ السعودي. إذا مُرر ما حدث في حضرموت والمهرة، يمكن القول إن النفوذ الأكبر في اليمن أصبح إماراتياً صرفاً، وأن الدور السعودي تراجع ليصبح ثانوياً. أما إذا استطاعت الرياض تغيير الواقع وإحلال قوات (درع الوطن)، فهذا يعني استعادة زمام المبادرة.
في المحصلة، لا تبدو مغادرة الحكومة لعدن مجرد انكسار عسكري، بل إعلان غير رسمي عن وفاة “صيغة التوافق” التي وُلِدت قيصرياً في الرياض. اليوم، يقف المجلس الرئاسي عارياً بلا عاصمة، ليصبح السؤال الذي يؤرق اليمنيين ليس “من يحكم الجنوب؟”، بل “هل تبقى من الدولة ما يمكن استعادته؟”. إننا أمام مشهد سريالي: شرعية بلا أرض، وانفصال بلا دولة، وحوثيون يترقبون اللحظة المناسبة لابتلاع ما تبقى من الركام.




