مآلات “كسر العظم” في حضرموت.. هل يفرض “الفيتو” السعودي انكماشاً قسرياً لطموحات “الانفصاليين”؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة حسين:
في الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو مآلات الهدنة الهشة مع الحوثيين، انفجر مشهد مغاير في الخاصرة الشرقية لليمن، حيث لم تعد محافظتا حضرموت والمهرة مجرد رقعة جغرافية نائية، بل تحولتا إلى “نقطة ارتكاز لسباق نفوذ يتسارع على الأرض” يهدد بقلب الطاولة على الجميع.
لم يكن التصعيد الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي مجرد مناورة عسكرية، بل قفزة في المجهول وضعت “الشرعية” ومشروع الدولة في اختبار وجودي، مما استدعى استنفاراً دبلوماسياً دولياً وإقليمياً غير مسبوق، يُنذر بإعادة رسم الخارطة السياسية والعسكرية للمناطق المحررة وفق قواعد اشتباك جديدة لا تقبل القسمة على اثنين.
- في أول ظهور عقب اجتياح “الهضبة”… رئيس حلف قبائل حضرموت يدعو لرفض تواجد قوات الانتقالي بالمحافظة
- أشباح “النجمة الحمراء” فوق بحر العرب: كيف يستنسخ المجلس الانتقالي “مركزية الرفاق” لتفكيك الشرق اليمني؟
الشرعية والخط الأحمر السعودي
يمر المشهد اليمني بمنعطف حاد بعد أن خرج رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، من دائرة الصمت إلى دائرة الفعل، واصفاً تحركات الانتقالي بأنها “تهديد مباشر لسلطة الدولة ومركزها القانوني الدولي”. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى جدار صلب من الموقف السعودي الذي يعتبر حضرموت تحديداً قضية أمن قومي لا تقبل المساومة.
وفي هذا السياق، يرى عاتق جار الله، رئيس مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، أن “المملكة العربية السعودية ستكون أقرب إلى مراقبة الوضع سواء قبولاً أو رفضاً للحالة أكثر منها من أي دولة أخرى”، مشيراً إلى أن “الصوت السعودي هنا أعلى من الصوت الإماراتي حتماً”.
وقال: “السعودية لن تقبل تقبل اليوم بان تكون صنعاء ومحيطها لإيران، وأن تكون ايضا عدن وحضرموت والغرب والشرق للإمارات”.
وتتجلى هذه الرؤية في التحركات الميدانية للوفد السعودي برئاسة اللواء محمد القحطاني، الذي ناقش مقترحاً يقضي بخروج القوات الوافدة للانتقالي وإحلال قوات من أبناء المحافظة تحت مظلة الدولة هي قوات درع الوطن.
ويلفت جار الله النظر إلى استراتيجية دقيقة تتبعها الرياض، قائلاً: “أعتقد أنه تم في هذه العملية عملية حرث ويتم الآن عملية زرع”، موضحاً أن الهدف هو تهيئة الميدان لقوات درع الوطن “كبديل مقبول أو مدعوم من السعودية ومقبول من طرف السلطة الشرعية باعتبار أنه اليوم المطلوب إخراج المجلس الانتقالي”.
ويؤكد المحلل السياسي أمين المشولي هذا الطرح، معتبراً أن “حضرموت بالتحديد هي عمق استراتيجي وأمن قومي للمملكة العربية السعودية”، وأنها “لن تسمح لأي كان أن يتواجد في هذه الجغرافيا”.
ولفت المشمولي إلى أن شعار قوات درع الوطن الذي يحمل خريطة اليمن كاملة قد يشي بترتيبات مستقبلية تتجاوز مجرد التهدئة إلى فرض واقع فيدرالي أو أقاليم تضمن بقاء حضرموت خارج هيمنة مشروع الانفصال الكامل.
وأشار جار الله إلى أن “الموقف السعودي لا يجب ان يلام… الذي يجب أن يلاموا هو من يمثل الشعب اليمني”.

الجدار الدولي: دبلوماسية “الرمق الأخير” وخيارات الانتقالي الصعبة
في موازاة التحرك السعودي، برز اصطفاف دولي غربي (أمريكي وأوروبي) داعم بشكل صريح للحكومة المعترف بها دولياً، وهو ما وضع المجلس الانتقالي في “زاوية حرجة” دبلوماسياً.
وبحسب الصحفي أحمد عايض، في تصريحات متلفزة، فإن “المجتمع الدولي يصب في خدمة المسارات التي أكدت عليها الحكومة الشرعية”، مما يضع الانتقالي أمام خيارين أحلاهما مر: “إما أن ينسحب من المناطق التي طلب منه الانسحاب منها… أو أن تصدر ضده عقوبات أممية في المستقبل القريب”.
ويعزز هذا الرأي علي الصراري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء، الذي يرى أن “التحرك السريع الذي قام به رئيس مجلس القيادة الرئاسي… قد بدأ يؤتي أكله” من خلال توالي المواقف الدولية الرافضة للإجراءات الأحادية.
لكن بيانات المواقف الدولية خلت من الإشارة والتسمية المباشرة للمجلس الانتقالي (المدعوم من الإمارات) بخرق الاتفاقات. وفي ذلك يقول الصراري: “يبدو الأمر يعتبر أخذ موقف مرن لكي تتحلحل الأمور بسرعة، والرهان هنا هو في الأساس على الوساطة السعودية التي هي في الأساس وساطة فعالة”.
مشيراً إلى أن “الموقف السعودي كان واضحاً بأنه ليس من المقبول بقاء القوات العسكرية التي جاءت من خارج حضرموت وخارج المهرة وعودتها إلى ثكناتها السابقة”.

الحاجة إلى قوة على الأرض
ومع ذلك، يقلل بعض الخبراء العسكريين من جدوى هذه البيانات الدبلوماسية إذا لم تقترن بقوة على الأرض. الدكتور علي الذهب، الخبير العسكري والاستراتيجي، يرى أن المواقف الغربية، رغم ظاهرها الرافض، تدعو في جوهرها إلى “خفض التصعيد ومعالجة الأمور”، أي التعامل مع الأمر الواقع، مشدداً على أن “من يمتلك القدرة والسيطرة على الأرض هو من يفرض رؤيته”.
وقال الذهب موضحاً أن ما يجري هو جزء من تطلعات إماراتية جيو-سياسية: “المجلس الانتقالي هو عصا غليظة بيد الامارات… لديه اجنده وهذه الأجندة واضحة ومعلنة… وينفذ تطلعات إماراتية في إطار خريطة واسعه تمتد… إلى ليبيا وإلى السودان وسوريا”.
هذا التباين في القراءات يعكس تعقيد المشهد؛ فبينما يرى تيار أن الانتقالي يواجه عزلة دولية قد تجبره على الانكماش، يرى تيار آخر أن الانتقالي يفرض واقعاً عسكرياً قد يجبر العالم على التعاطي معه كطرف لا يمكن تجاوزه، خاصة في ظل ضعف المؤسسات الحكومية وتآكلها.
بين الانكماش والتقسيم الوظيفي
استشرافاً للمستقبل، تبدو السيناريوهات مفتوحة على احتمالات عدة، أبرزها إعادة هندسة المشهد الجنوبي والشرقي بما يضمن المصالح السعودية أولاً.
ويرجح المحلل عاتق جار الله أن “استمرار سيطرة الانتقالي بسلاسة (دون رفض محلي وإقليمي) على الأقل على المهرة وعلى حضرموت أعتقد أن فيها صعوبة”، متوقعاً أن الانتقالي قد “يعود أكثر انكماشاً مما كان عليه” نتيجة لهذه القفزة غير المحسوبة.
هذا الانكماش قد يكون مقدمة لترتيبات سياسية جديدة، ربما تشمل تقليص نفوذ الانتقالي في شبوة أيضاً لصالح قوات درع الوطن، في إطار تسوية أوسع تعيد ضبط التوازن داخل مجلس القيادة الرئاسي- حسب ما أفاد “جار الله”.
في المقابل، يطرح أنصار المجلس الانتقالي، مثل ناصر العسائي المسؤول في المجلس، رؤية مغايرة تعتبر أن ما يجري هو استجابة لـ”ضغوط شعبية كبيرة” وأنها “فرصة أخيرة” للأحزاب اليمنية للقبول بحل الدولتين أو فك الارتباط،.
إلا أن هذا الطموح يصطدم برؤية واقعية يطرحها المحلل السياسي فارس البيل، الذي يؤكد أن “القرار هو لدى المملكة العربية السعودية بدرجة أساسية”، وأن لجوء العليمي إلى الرياض هو عودة إلى “الراعي الرسمي” القادر على إعادة المياه إلى مجاريها.
وبناءً عليه، فإن المآل الأرجح للأزمة هو الذهاب نحو “تقسيم وظيفي” مؤقت أو فيدرالية أمر واقع، حيث يحتفظ الانتقالي بنفوذه في عدن ومحيطها، بينما تظل حضرموت والمهرة تحت مظلة “يمنية” برعاية سعودية مباشرة، مما يمنع سقوط الدولة بالكامل رغم أنه يكرس حالة من التشظي المنظم.
في المحصلة، يبدو أن معركة شرق اليمن قد تجاوزت كونها صراعاً محلياً على السلطة لتصبح ساحة لترسيم حدود الأمن القومي الإقليمي. وبينما يراهن المجلس الانتقالي على فرض الأمر الواقع بقوة السلاح، تراهن الحكومة الشرعية على “فيتو” سعودي وغطاء دولي يمنع انزلاق البلاد نحو التفكك الكامل. الأيام القادمة لن تكون مجرد وقت ضائع، بل مرحلة إعادة ضبط المصنع للنفوذ في اليمن، حيث قد يجد “الانتقالي” نفسه مضطراً للتراجع خطوة للوراء للحفاظ على مكاسبه، أو المضي قدماً نحو عزلة قد تكلفه مشروعه السياسي برمته.




