متى يتحرر اليمنيون من تقديس القيادات السياسية؟

من المثير للغرابة أن يخرج المواطن اليمني في مظاهرة استجابة لدعوة رئيس مكوّن سياسي محجب عن الأنظار، أو زعيم ميليشيا مختبئ، أو قائد عسكري مرتبط بدولة إقليمية، أو غيرهم من هذه النماذج، لكنه لا يخرج من أجل المطالبة بحقوقه الأساسية في الحياة الكريمة.
وإذا افترضنا أن أحد دوافعه للخروج هو أن الأمان مضمون له في هذه الحالة، بخلاف خروجه دفاعاً عن حقوقه المعيشية، فإن السؤال الأهم يبقى: كيف يقبل المواطن أن يستجيب لدعوة لا تعكس احتياجاته الأساسية بقدر ما تعكس أولويات صاحب الدعوة؟ وكان بإمكانه ببساطة ألا يخرج، لأن مصلحته لا تكمن في تلك الدعوة ولا في أهداف صاحبها.
هذه الحالة لا تخص مكوناً سياسياً بعينه، بل أصبحت نمطاً عاماً يجمع بين المنتمين تنظيمياً إلى الأحزاب والمكونات والجماعات والمليشيات، وبين عموم المواطنين الذين يتقاطعون معهم سياسياً أو مناطقياً أو حزبياً، حتى أصبح كثير من الناس يرون مصالحهم في قياداتهم أو فيمن يتصورون أنهم قادتهم، حتى وإن كانوا لا يعيرونهم أي اهتمام.
إن هذا الولاء الأعمى والتبعية التي تصل حد التقديس لهذه القيادات يثيران الأسى؛ فكيف لشعب يعيش تحت وطأة الجوع والفقر، ولا يجد الدواء، ولا يحصل الموظف فيه على راتبه نهاية كل شهر، ناهيك عن غياب الضمانات الاجتماعية والمساعدات، أن يستمر في دعم هذه القيادات والدفاع عنها وتبرير سياساتها وأخطائها وكوارثها، بينما يعيش هو كل هذا البؤس والحرمان؟
كيف نشتكي من أوضاعنا، ثم ندعم من أوصلنا إلى حالة الشكوى؟
لقد ساهمت التعبئة الحزبية والأيديولوجية والجماعات المغلقة في تكريس ثقافة التقديس والولاء المطلق، ثم انتقلت هذه العدوى إلى عموم الناس؛ فأصبح الفقير يخوض معارك على وسائل التواصل الاجتماعي دفاعاً عن قائد لا يهتم لأمره، ولا يدافع عن مصلحته، بل ينظر إليه كورقة يستخدمها لخدمة مصالحه السياسية.
إن أول خطوة نحو التغيير هي تحرير الوعي والعقول من تقديس القيادات، أياً كانت، وهذه ليست مهمة سهلة، بل تحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير. لكن يجب أن يدرك المواطن أن القائد أو المسؤول هو شخص وُجد لخدمة الناس، لا ليكون الناس في خدمته وإذا فشل أو عجز، فلا يلزمك أن تحبه أو تدافع عنه أو تمنحه ولاءك.
لتكن هذه قاعدتك: من لا يخدمك لا يلزمك بشيء، رتب أولوياتك المعيشية ودع السياسة جانباً لبعض الوقت، مصلحتك الحقيقية في صحتك، وفي تعليمك، وفي توفير الخدمات الأساسية، وفي الوظيفة، وفي حياة كريمة لك ولأسرتك. قايض أي طرف يريد منك الولاء بهذه الحقوق، ولا تمنح أحداً شيئاً على بياض، ولا تجعل ولاءك مفتوحاً؛ فجميع الأطراف التي حكمت أو شاركت في السلطة أُتيحت لها الفرصة الكافية لتثبت أنها تعمل لصالحك، وأنت ترى الواقع بأم عينيك والتجارب خير معلم، ومن لا يتعلم من الواقع فلن يتعلم من شيء آخر.
إن الواقع يمنحك الدليل الواضح على أن كثيراً من هؤلاء يستغلونك وأن وعودهم، مهما تسترت بالشعارات الوطنية أو الدينية، ليست سوى وسيلة لشراء ولائك والتعامل معك كرقم انتخابي، أو متظاهر عند الحاجة، أو أداة للمزايدة السياسية.
لذلك، ودّع معادلة المقارنات التي تقول: “هذا سيئ، لكن الآخر أسوأ”؛ فهذا ليس مبرراً لأن تستمر في منح ولائك لمن لا يستحقه.
أضعف الإيمان أن تحتفظ باستقلالك الفكري، وأن تمتنع عن منح احترامك وثقتك لمن لا يخدمك وإذا كنت تستطيع أن تنتقدهم باسمك الحقيقي أو باسم مستعار، فافعل. حاسبهم، واسألهم، ولا تكن مجرد مبرر لأخطائهم أو مطبلاً لهم أو محارباً للفقراء مثلك دفاعاً عنهم.
عندما يراك مواطن آخر تحاسب هذا الطرف أو ذاك، سيتشجع ويفعل الشيء نفسه؛ فالتغيير يبدأ خطوة بخطوة.
ولا تسأل نفسك: ما البديل؟ وما الخطوة التالية؟ فالخطوة الأولى هي أن تتحرر من عبادتهم سياسياً. وعندما تصل إلى هذه المرحلة، سيبدأ عقلك تلقائياً في البحث عن البديل.
التغيير ليس من أجل مكاسب سياسية أو مناصب أو امتيازات، بل من أجل نفسك، ومن أجل تحسين ظروفك المعيشية، ومن أجل أن تعيش حياة تليق بك كإنسان.



