معركة الوجبة الواحدة.. آلاف الأسر المحاصرة شمال حجة اليمنية تواجه المجاعة

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص
تضرب المجاعة ثلاث مديريات خاضعة للحكومة اليمنية في أقصى شمال محافظة حجة، حيث تعيش آلاف الأسر في منطقة معزولة ومحاصرة بين جبهات القتال مع جماعة الحوثي، والبحر الأحمر، والحدود السعودية، فيما تعثرت الجهود الرامية إلى فتح ممر إنساني يربطها ببقية المحافظات اليمنية يتيح التدخل الإنساني وحركة المواطنين.
وفي ظل هذه العزلة، تخوض أكثر من ستة آلاف أسرة يوميًا معركة تأمين احتياجاتها الأساسية، وعلى رأسها الغذاء، في وقت توقفت فيه التدخلات الإنسانية الوحيدة التي كان يقدمها مركز الملك سلمان للإغاثة منذ نحو عامين. ومع تفاقم الأزمة، اضطرت بعض الأسر إلى اللجوء لأكل النباتات البرية، ومنها شجرة “الحلص”، لمواجهة شبح الجوع.

معاناة يومية من أجل لقمة العيش
يقول القائم بأعمال مدير مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في المديريات المحررة شمال حجة، علي شبيكة، في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور”، إن نحو 6 آلاف أسرة، بما يقارب 36 ألف نسمة، تعيش أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة الحصار وانعدام مصادر الدخل وغياب المساعدات الإغاثية، مؤكداً أن المجاعة تضرب السكان في هذه المناطق.
ويشير إلى تسجيل حالات سوء تغذية، واعتماد كثير من الأسر على وجبة واحدة يوميًا، فيما تلجأ أسر أخرى إلى الاقتراض أو تقاسم الطعام مع الجيران. ويوضح أن المنطقة تعتمد بشكل رئيسي على رواتب العسكريين، إلا أن تأخر صرفها لفترات تصل إلى تسعة أشهر، ثم تقليص عدد الرواتب المصروفة مؤخرًا إلى النصف، أدى إلى تدهور القدرة الشرائية وشل الحركة الاقتصادية.
وتتمركز قوات الجيش اليمني في المنطقة العسكرية الخامسة، مساندة بقوات من التحالف العربي في تلك المديريات. ومنذ دحر الحوثيين منها، يعيش السكان في تلك المناطق مع العسكريين معزولين عن البلاد ولا يحيط بهم سوى الأراضي السعودية، ومع طول فترة الحرب، استقدم العديد من المنتسبين للمنطقة عائلاتهم إلى هناك، ليواجهوا مع السكان المصير ذاته من الحصار والمعاناة الإنسانية.
ويضيف المسؤول الحكومي أن بعض الأسر لا تملك أي مصدر دخل أو معيل، فيما يعيش السكان بانتظار الرواتب التي تصرف كل ستة أشهر، ما يدفعهم للاقتراض والتحول إلى المتاجر والاستدانة منها لأشهر. ويشير إلى أن الأزمة التي تضرب المنطقة دفعت بعض المتاجر للإغلاق بسبب غياب السيولة وانحصار البيع على الآجل، ويؤكد أن الحصول على مبالغ بسيطة لا تتجاوز 50 ريالًا سعوديًا (13 دولارًا) أصبح تحديًا كبيرًا، ولا يسد أبسط الاحتياجات.
غياب شبه كامل للمساعدات الإنسانية
لا تقتصر الأزمة على تراجع مصادر الدخل، بل تمتد إلى غياب التدخلات الإنسانية. ويؤكد “شبيكة” أن المنظمات الدولية والمحلية لا تنفذ أي برامج إغاثية في المنطقة، مشيرًا إلى أن مركز الملك سلمان كان الجهة الوحيدة التي توفر المساعدات الغذائية والمأوى عبر شركائه المحليين.
ويستدرك أن المساعدات الغذائية توقفت فعليًا منذ نحو عامين، باستثناء توزيع طارئ محدود خلال شهر رمضان، وتوزيع مساعدات (سلة غذائية) صُرِفت لمرتين في العامين الماضي والحالي، فيما تقتصر التدخلات الحالية على قطاعي الصحة والمياه فقط.

المتاجر.. ملاذ أخير يوشك على الانهيار
أدى انعدام السيولة النقدية إلى اعتماد السكان بشكل متزايد على الاقتراض من متاجر التجزئة للحصول على المواد الغذائية الأساسية. إلا أن استمرار الحصار والركود الاقتصادي جعلا حتى هذا الخيار مهددًا بالانهيار.
ويؤكد أحد المسؤولين في المجال الإنساني (طلب عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث)، أن المزارعين لم يعودوا قادرين على تسويق محاصيلهم أو بيع مواشيهم بسبب غياب الأسواق والمشترين، الأمر الذي تسبب في انهيار أسعار الثروة الحيوانية. ويشير إلى أن رأس الماشية الذي يُباع في محافظات أخرى بنحو 700 ريال سعودي (186 دولارًا أمريكيًا) لا يتجاوز سعره داخل المنطقة 300 ريال فقط (80 دولارًا).
ويعتمد كثير من السكان على شراء احتياجاتهم بالدَّيْن من المتاجر المحلية، على أن تُسدد قيمتها عند صرف الرواتب. إلا أن تأخر الرواتب لأشهر طويلة، وعدم كفاية الدفعات الأخيرة لتسوية الديون المتراكمة، فاقم من معاناة المواطنين والتجار على حد سواء.
وتعتمد المنطقة على استيراد البضائع من السعودية، وتعد العملة السعودية الوسيلة الرئيسية للتداول في المنطقة، ولا يوجد أي تعامل بالعملة اليمنية، مما يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي أمام أي اضطرابات في حركة الإمداد. ويؤكد المسؤول الإنساني أن امتلاك أي مبلغ من العملة اليمنية لا يعني شيئًا، حيث لا تستطيع أن تشتري به أي شيء، ما يزيد من معاناة السكان حسب وصفه.
ويضطر السكان إلى عبور المناطق السعودية للوصول إلى المحافظات اليمنية، حيث يُقدَّم طلب للجهات المختصة في السعودية، ويُنتَظر حتى الموافقة، ليُمنَح المسافر تأشيرة مرور للوصول إلى منفذ الوديعة. كما أن هناك طريقًا آخر عبر البحر، إلا أن مخاطر هذا الطريق تزايدت مع أزمة البحر الأحمر ونشر جماعة الحوثي للألغام البحرية، وهي رحلة تمتد من ميدي إلى المخا وتقطع مسافة أكثر من 440 كيلومترًا في قوارب صغيرة.

حصار يخنق الزراعة والصيد
وللتخفيف من آثار العزلة، طالبت السلطة المحلية مرارًا بإيجاد سوق مشترك وآلية لتصدير المحاصيل الزراعية والمواشي إلى بقية المحافظات اليمنية. وخلال الأسبوع الجاري تمت الموافقة على نقل المنتجات الزراعية والمواشي بحرًا إلى الخوخة أو المخا، غير أن هذا الخيار يتطلب قطع مسافة تصل إلى 440 كيلومترًا عبر طرق طويلة ومحفوفة بالمخاطر، ما يرفع تكاليف النقل ويحد من جدواه الاقتصادية.
ولا تقتصر تداعيات الحصار على المزارعين، بل تمتد إلى الصيادين الذين يضطرون لقضاء أيام في البحر قبل العودة إلى أسواق محلية محدودة في حيران والجعدة بمديرية ميدي. ورغم جودة الإنتاج السمكي، تباع أنواع فاخرة مثل سمك “الديرك” بأسعار لا تتجاوز 20 ريالًا سعوديًا للكيلوغرام، فيما تنخفض أسعار أنواع أخرى إلى نحو 10 ريالات فقط نتيجة محدودية الأسواق وإغلاق منافذ التصدير.
ويواجه الصيادون كذلك مخاطر الألغام البحرية التي زرعتها جماعة الحوثي على امتداد سواحل ميدي، ما دفع قوات التشكيل البحري إلى تحديد نطاقات آمنة للحركة حفاظًا على سلامتهم.
مطالبات متجددة بفتح ممر إنساني
في خضم هذه المعاناة، تتجدد المطالب بفتح ممر إنساني يربط المديريات المحاصرة ببقية المناطق اليمنية، بما يسمح بتدفق السلع والمساعدات ووصول السكان إلى الخدمات الأساسية. ويؤكد سكان وناشطون أن فتح ممرات إنسانية آمنة وضمان تدفق المساعدات الغذائية والطبية بصورة مستدامة أصبح ضرورة ملحة لتخفيف معاناة آلاف المواطنين.
وتعود هذه المطالب إلى عام 2023، حين دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة إلى التدخل لفتح ممر إنساني إغاثي إلى المديريات المحررة في حجة. وبحسب مذكرة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي موجهة إلى منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن آنذاك، فإن مديريات ميدي وحيران وحرض تعاني حصارًا أدى إلى تفاقم الاحتياجات الإنسانية للسكان والنازحين. كما أشارت المذكرة إلى أن الظروف الأمنية حالت دون وصول معظم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى هذه المناطق المحاصرة.

القطاع الصحي.. دعم سعودي يسد جزءًا من الفجوة
ورغم التدهور الإنساني، لا تزال الخدمات الصحية تحظى ببعض الدعم. ويقول نائب مدير مكتب الصحة بمحافظة حجة، الدكتور طارق مسواك هبة، في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور”، إن المستشفيات والمرافق الصحية التي كانت قائمة قبل الحرب في المديريات المحررة (حرض وميدي وحيران وأجزاء من مديرية عبس) تعرضت للتفجير والتدمير خلال سنوات الصراع، ما أدى إلى حرمان السكان من الخدمات الطبية التخصصية.
وأوضح أن الدعم السعودي أسهم في إنشاء المستشفى الميداني السعودي في حيران، إلى جانب عدد من المراكز الصحية المجهزة بالكوادر والأجهزة الطبية التي تقدم خدمات الرعاية الصحية الأولية مجانًا للمواطنين. وأضاف أن الحالات التي تحتاج إلى تدخلات جراحية متخصصة يتم تحويلها إلى مستشفيات داخل المملكة العربية السعودية، فيما تُنقل بعض الحالات الحرجة والمعقدة عبر الطيران الإسعافي السعودي إلى مستشفيات متقدمة في الرياض ومدن أخرى.
وأشار إلى أن وزارة الصحة في الحكومة اليمنية تواصل توفير اللقاحات والمكملات الغذائية وأدوية الملاريا والسل من خلال البرامج الوطنية المتخصصة، إضافة إلى تنفيذ أنشطة الترصد الوبائي.
ورغم هذه التدخلات الصحية، تبقى الاحتياجات الإنسانية والغذائية هي التحدي الأكبر أمام آلاف الأسر المحاصرة، التي تواجه يوميًا معركة البقاء في واحدة من أكثر المناطق عزلة وفقرًا في اليمن. ومع تفاقم أزمة السكان في شمال حجة، يظل المواطنون في انتظار حلول دائمة في ظل حصار مطبق، يواجهون فيه خطر الموت جوعًا بلا حيلة، سوى مناشدة من يسمع أصواتهم قبل فوات الأوان، في وضع مأساوي يشبه العيش داخل معسكر اعتقال.





