عودة إلى السطح.. كيف أنقذت شراكة دولية وشباب يمنيون آلة “القنبوس” من الاندثار؟
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة العنسي
في اليمن، لا يُنظر إلى آلة “القنبوس” باعتبارها مجرد أداة موسيقية تقليدية، بل بوصفها شاهداً حياً على تاريخ فني يمتد لآلاف السنين. وعلى مدى عقود، رافقت هذه الآلة الأغنية اليمنية وشكلت جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية للبلاد، قبل أن تواجه خطر الاختفاء مع تراجع أعداد صناعها وعازفيها إلى مستويات غير مسبوقة.
وقبل سنوات قليلة فقط، بدا أن “القنبوس” يقترب من لحظة الوداع الأخيرة، بعدما انحصرت أسرار صناعته في يد حرفي واحد، وسط غياب مشاريع التوثيق والتدريب. غير أن مبادرات ثقافية مدعومة دولياً، وجهوداً شبابية متحمسة، نجحت في تغيير مسار الحكاية وإعادة هذه الآلة التاريخية إلى الواجهة من جديد.
حادث مروري كشف هشاشة الواقع
بدأت شرارة مشروع الإنقاذ من رؤية طرحها الفنان فؤاد الشرجبي، مدير البيت اليمني للموسيقى والفنون، الذي كان يتابع بقلق تراجع حضور القنبوس واقتصار صناعته على الحرفي اليمني فؤاد القديمي، آخر من احتفظ بأسرار هذه المهنة النادرة.
لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما تعرض القديمي لحادث مروري أدى إلى إصابته بكسر في إحدى ساقيه. ورغم تعافيه لاحقاً، أثار الحادث تساؤلات مقلقة داخل أوساط المهتمين بالتراث الموسيقي: ماذا لو غاب آخر صانع للقنبوس؟ ومن سيحمل هذه المعرفة المتوارثة جيلاً بعد جيل؟
أمام هذا التحدي، تحرك البيت اليمني للموسيقى والفنون بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وبدعم من الاتحاد الأوروبي، لإطلاق مشروع “عودة إلى السطح” عام 2021، بهدف نقل مهارات صناعة القنبوس والعزف عليه إلى جيل جديد من الشباب اليمنيين.
رهان على الشغف
استقطب المشروع أكثر من 100 متقدم من مختلف المحافظات اليمنية، خضعوا لعملية فرز دقيقة اعتمدت على الشغف والخلفية الفنية والاستعداد لتعلم المهارات الحرفية المرتبطة بصناعة الآلة. وفي النهاية، وقع الاختيار على عشرة مشاركين فقط.
يقول فؤاد الشرجبي لـ”يمن مونيتور”: “خصص البرنامج أربعة متدربين لتعلم صناعة القنبوس يدوياً بكل تفاصيلها الدقيقة، فيما تلقى ستة آخرون تدريباً مكثفاً على العزف وفق الأساليب التقليدية المتوارثة عبر الأجيال”.
ويضيف أن البرنامج لم يقتصر على الجانب العملي، بل شمل محاضرات حول تاريخ الموسيقى اليمنية وأهمية صون التراث الثقافي غير المادي، إلى جانب دراسة أساسيات النظريات الموسيقية الحديثة.
“وتر يمني”.. حين تتحول الفكرة إلى مشروع
من بين المتدربين الأربعة في مسار التصنيع، برز الشاب صلاح فتاح الذي رأى في المشروع أكثر من مجرد دورة تدريبية، بل مسؤولية شخصية تجاه إرث مهدد بالاندثار.
يقول فتاح، المنحدر من مدينة تعز: “لم يكن الدافع مجرد حب صناعة القنبوس، بل شعور حقيقي بأن هذه الحرفة قد تضيع إذا لم نتدخل للحفاظ عليها. شعرت أن عليّ مسؤولية الاستمرار في إنتاج هذه الآلة ونقل خبرتها إلى الآخرين”.
وبإمكانات محدودة وتمويل ذاتي، أنشأ فتاح ورشة صغيرة لصناعة القنبوس، واستعان بشقيقه محمد لتطوير العمل وزيادة الإنتاج، قبل أن يطلق مشروعه الخاص تحت اسم “وتر يمني”.
وأسهمت هذه الخطوة في كسر احتكار المهنة الذي فرضته ندرة الحرفيين، لتتحول صناعة القنبوس من حرفة مهددة بالانقراض إلى تجربة قابلة للاستمرار والتوسع.
معركة الخشب.. وتحديات البقاء
ورغم النجاحات التي تحققت، لا تزال صناعة القنبوس تواجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة الحصول على الأخشاب المناسبة.
ويوضح صلاح فتاح أن الآلة تُصنع تقليدياً من أخشاب محلية مثل “الطنب” و”المشمش”، وهي أنواع بات الحصول عليها أكثر صعوبة، ما يضطره إلى السفر لمسافات طويلة نحو مناطق جبلية مثل الحيمة الخارجية بحثاً عن جذوع مناسبة للتصنيع.
ويرفع ذلك من تكاليف الإنتاج والنقل، فضلاً عن مشكلة انقطاع المواد الخام لفترات متكررة. أما فيما يتعلق بالإقبال على تعلم القنبوس، فيرى فتاح أن المشكلة لا تكمن في عزوف الشباب بقدر ما تكمن في ضعف التعريف بالآلة وتاريخها.
ويقول: “كل من يتعرف على القنبوس ويستمع إلى صوته ويعرف قصته التاريخية يُبدي إعجاباً كبيراً به. المشكلة الحقيقية هي أن كثيراً من الناس لا يعرفون عنه ما يكفي”.
ودعا فتاح إلى إنشاء مراكز وورش تدريب متخصصة، وتوثيق تقنيات الصناعة التقليدية، وإدماج القنبوس في المهرجانات والفعاليات الثقافية لضمان استمرارية هذا الإرث الفني.
من الورش الصغيرة إلى المسارح العالمية
بعد سنوات من إطلاق مشروع “عودة إلى السطح”، بدأت نتائجه تظهر بصورة ملموسة، فإلى جانب ظهور صناع جدد للآلة، ساهم المشروع في تخريج خمسة عازفين شباب، إضافة إلى ريام الدبعي التي تعد أول امرأة يمنية تتقن العزف على القنبوس بشكل احترافي.
كما تجاوز حضور الآلة حدود الورش التدريبية لتصبح جزءاً من العروض الموسيقية الحديثة، وعلى رأسها حفلات “الأوركسترا الحضرمية” بقيادة المايسترو محمد القحوم، حيث يمثلها على المسرح العازف أدهم منصور الضبيبي، أحد خريجي البيت اليمني للموسيقى.
ويقول الشرجبي: “استطعنا إعادة القنبوس إلى واجهة الموسيقى اليمنية، وأصبح له حضور حقيقي على المسارح المحلية والدولية، ونأمل أن نراه قريباً على الساحة العالمية بوصفه أحد رموز التراث الموسيقي اليمني”.
إرث يعود إلى الحياة
تُصنع آلة القنبوس يدوياً من قطعة خشبية واحدة، وتتكون من “القصعة” أو البطن المغطاة بالجلد الطبيعي، و”العنق” الذي تُثبت فيه المفاتيح، و”الذيل” الذي تُربط به الأوتار.
وبينما كان القنبوس قبل سنوات قليلة يقف على حافة النسيان، تبدو الصورة اليوم مختلفة تماماً. فبفضل جهود الحرفيين الشباب والدعم الثقافي والمؤسسي، استعادت الآلة مكانتها تدريجياً في المشهد الفني اليمني.
ومع كل آلة جديدة تُصنع، وكل عازف جديد يتعلم أسرارها، يبعث اليمن رسالة مفادها أن تراثه الثقافي، مهما واجه من تحديات، لا يزال قادراً على البقاء والتجدد.





