أخبار محليةحقوق وحريات

“لو فقط …” مقاومة النساء وأملهن في مواجهة الاختفاء القسري باليمن

مع دخول النزاع المسلح في اليمن عامه الثامن، لا يزال جميع السكان عرضة للظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المباشر وغير المباشر. قُتِل ما لا يقل عن 233 ألف شخصٍ، ونزح أكثر من 4.3 مليون نازح داخليًّا، ويواجه 17.4 مليون شخص انعدامًا حادًّا للأمن الغذائي.1 هناك غيابٌ للمساءلة عن الجرائم التي ارتكبتها الأطراف المتحاربة، مما أدى إلى «جائحة إفلاتٍ من العقاب»، حيث يرتكب الفاعلون في النزاع انتهاكاتٍ خطيرة للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي.

تناقش هذه الورقة البحثية، إحدى الجرائم التي يتورط فيها كل طرفٍ في النزاع هي الاختفاء القسري للأفراد، ويشمل ذلك الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، أو أي شخص قد يُنظر إليه على أنه معارضٌ سياسي. ومع تغيُّر النسيج الاجتماعي للمجتمعات، فإن تأثير حالات الاختفاء يشكِّل على نحوٍ خاصٍّ الخبرات الاجتماعية والسياسية ووجهات نظر النساء اللاتي تركنا بعد اختفاء ذويهم. بالنسبة إلى هؤلاء النسوة، يشكِّل الجندر قوة دافعة في مقاومتهن وبحثهن عن الحقيقة واستعادة العدالة.

تصاحب هذه القوة الدافعة مطالبات يومية بالتغيير الاجتماعي، موجَّهة نحو المظالم الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يتعيَّن على هؤلاء النساء مواجهتها وتحمُّلها، مبسطة في عبارة «لو فقط…». كانت عبارة «لو فقط» هي العبارة الأكثر شيوعًا في جميع المحادثات، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بمطالب النساء، وهي المطالب التي غالبًا ما ترتبط بالتجرِبة المباشرة للاختفاء القسري.

إن الاختفاء القسري ليس بالأمر الجديد، لا في اليمن ولا في جميع أنحاء العالم. على الصعيد العالمي، ما بين 70٪ و 94٪ من ضحايا الاختفاء القسري هم من الرجال.2 على الرغم من أن العدد الدقيق لحالات الاختفاء القسري في اليمن غير معروفٍ، ومن المرجح أن العدد الذي تم الإبلاغ عنه أقل بكثيرٍ من العدد الفعلي، بسبب النزاع ومخاطر الإبلاغ، فقد حددت المنظمات غير الحكومية المئات من الأشخاص المفقودين. على الرغم من عدم وجود إحصاءاتٍ دقيقة، تبقى حقيقة واحدة: إن مئات العائلات، والنساء على وجه الخصوص، يعانون من تأثير الاختفاء القسري.3 تشكِّل النساء الغالبية العظمى من الذين تركنا بعد اختفاء ذويهم، وبالتالي فإنهن يتحمَّلن الكثير من التأثير الاجتماعي والاقتصادي لحالات الاختفاء. تشير المنح الدراسية في مجال الجندر ودراسات ما بعد الصراع إلى أن الضحايا الأساسيين ليسوا فقط المختفين أنفسهم، ولكن أيضًا أقاربهم، ولا سيما النساء من أفراد الأسرة.4 غالبًا ما ينتج عن اختفاء الرجال من العائلات نقاط ضعفٍ للفتيات والنساء من الأقارب، يمكن أن تشكِّل ضررًا رئيسيًّا في حد ذاتها، مثل فقدان دخل الأسرة أو الحماية الاجتماعية.

في كفاحهن اليومي للتعامل مع الخسارة والغموض الذي يحيط المستقبل، يطارد هؤلاء النساء الأمل في أن أحباءهن ما زالوا على قيد الحياة، وعادة ما يكون هذا مصحوبًا بالخوف، مع العلم أن الاختفاء القسري في أغلب الأحيان يرافقه احتجازٌ تعسفي وتعذيب، وغالبًا ما ينتهي بالموت.5 في حين أن النساء المتضررات لديهن تجارِب شخصية متباينة، فإن معظمهن يعانين من عدم المساواة بين الجنسين، الذي يتقاطع مع زيادة الضعف النفسي-الاجتماعي، والنفسي، والأمني، والاقتصادي.6 يقدم هذا التقرير المُلخَّص نظرة عميقة على كيفية تأثُّر النساء باختفاء أقاربهن الذكور. في الوقت نفسه، وباستخدام عدسة النظرية النقدية والفكر النسوي،7 يُظهِر هذا التقرير المُلخَّص أنه على الرغم من أنظمة القمع القوية والوصمة الناتجة عن الاختفاء القسري، فإن النساء ينخرطن في مقاومة يومية.

الاختفاء القسري في اليمن: القمع والإرهاب والظلم الاجتماعي والسياسي

تتم عمليات الاختفاء القسري عندما يُلقى القبض على شخص أو يُختطف، ويكون مصيره مجهولًا عن عمدٍ، مما يترك الشخص محرومًا من الحماية القانونية. في اليمن، يُحتجز مئات اليمنيين في مراكز اعتقالٍ رسمية وغير رسمية. نفَّذت أطراف النزاع الحالي عمليات الاختفاء، سواء كان ذلك من قِبَل التحالف بقيادة السعودية والإمارات،8 أو أنصار الله (المعروفين أيضًا باسم الحوثيين)،9 أو الحكومة اليمنية المُعترف بها دوليًّا،10 أو السلطات الموالية لحزب الإصلاح،11 أو قوات الإمارات العربية المتحدة والجماعات المدعومة من الإمارات، ويشمل ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي12 والقوات المشتركة.13 وثَّقت المنظمة اليمنية مواطنة لحقوق الإنسان 770 حالة اختفاء قسري14بين عامي 2016 و2020، ومع ذلك، من المرجح للغاية أن يكون الرقم الحقيقي أعلى بكثيرٍ حيث لا تزال معظم الحالات غير موثَّقة. تعرَّض المعتقلون للاختفاء والتعذيب والحبس الانفرادي والتعليق في أوضاعٍ مؤلمة والاعتداء الجنسي والحرق والتعليق لفتراتٍ طويلة والضرب والإعدامات الوهمية، وتُوفي بعضهم في الحجز.15

على الرغم من أن الهدف من الاختفاء القسري لم يتم تأكيده أو توضيحه، فإن حالات الاختفاء هذه مرتبطة بالرغبة في ممارسة السلطة والسيطرة. من المنظور المباشر، تستخدم الأطراف المتحاربة أسلوب الاختفاء القسري لتعزيز قبضتها على السلطة من خلال نشر الخوف المنهجي، ولا سيما بين أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم معارضون لسلطة الفاعل الذي يمارس الاختفاء القسري.16 هناك تفاعلٌ أو تكتيكٌ لنشر الخوف ما بين المختفين قسرًا الذين ما زالوا مختفين، والقضايا القليلة التي يظهر فيها المختفون مرة أخرى وتتم محاكمتهم علنًا. من أجل تبرير نظام القمع وإضفاء الشرعية عليه، تستخدم الجهات الفاعلة ترسانة من «القوانين القمعية» و/أو التفسيرات الواسعة من أجل إثبات «الأفعال غير القانونية» من قِبَل الأشخاص المختفين الذين عاودوا «الظهور» مرة أخرى.

تُستخدم هذه التفسيرات للانتقام من المدافعين عن حقوق الإنسان، أو الصحفيين، أو من يُنظر إليهم على أنهم معارضون سياسيون، وأقاربهم، باستخدام تهمٍ كاسحة، وفقًا لقانون العقوبات اليمني، مثل «نية انتهاك الاستقلال أو الوحدة أو السلامة الإقليمية للجمهورية»، أو «القيام بعملٍ بهدف إضعاف القوات المسلحة»، أو «بث أخبار أو بيانات أو إشاعات أو دعاية كاذبة أو مغرضة، بقصد تعكير صفو الأمن العام، أو إثارة الخوف العام، أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة».17 ومع ذلك، في معظم الحالات، تكون المعلومات الوحيدة التي يمكن التحقُّق منها هي المكان والظروف التي شوهد فيها المختفي قسريًّا آخر مرة حرًّا وعلى قيد الحياة.

في هذه السياقات، يُستخدم الاختفاء القسري كأداة للإرهاب والقمع. كما تؤكد حالات الاختفاء والمحاكمات الصورية، فإن المختفين قسريًّا وعائلاتهم غالبًا ما يتعرضون للوصم، ويواجهون صعوبة في إثبات أنهم في الواقع لم يشاركوا في أي نشاطٍ إجرامي. حتى أولئك الذين لا يعاودون الظهور، وكذلك أقاربهم المباشرون، عادة ما يواجهون الوصم؛ قد تنظر إليهم مجتمعاتهم وحتى عائلاتهم الممتدة بعين الريبة. في النهاية، فإن الاشتباه في أنهم ربما كانوا متورطين في سلوكٍ غير قانوني يمثِّل حافزًا قويًّا لأفراد الأسرة المباشرين للمختفين قسريًّا كي يلتزموا الصمت والطاعة.

علاوة على ذلك، أشارت المنظمات غير الحكومية وأقارب المختفين إلى أن العمليات الضيقة للإفراج عن المختفين قسريًّا غالبًا ما تخص المحاربين، وليس المعتقلين المدنيين، ومع ذلك، فإن حالات الاختفاء القسري هي في الغالب قضايا مدنية. في إطار اتفاقية ستوكهولم للسلام لعام 2018، وافقت أطراف النزاع على تبادل 15 ألف محتجزٍ، ولكن بحلول أكتوبر 2020، تم تبادل 1056 فقط.18 في عدة مناطق في اليمن، أطلق وسطاء محليون سراح أشخاصٍ محتجزين تعسفيًّا، وهذه الجهود مثيرة للإعجاب، لكنها لا تلبي بشكلٍ كافٍ المطالب الكبيرة للأشخاص الذين ما زالوا مختفين قسريًّا، كما أنها لا تتناول الطبيعة المدنية للمختفين، مما يؤدي إلى أن تكتيك الاختفاء القسري يطلق قنوات تستغلها الأطراف المتحاربة لتعزيز قبضتها على السلطة من خلال نشر الخوف والشكوك المنهجية.

بعيدًا عن شكوك المجتمع، صارت قوى العنف السائدة أمرًا طبيعيًّا، وبالتالي فهي تعتمد -إلى حدٍّ ما- ليس على الإكراه العنيف، ولكن على الموافقة الضمنية من اليمنيين. تقول إيديولوجية إضفاء الشرعية لتطبيع ما هو غير طبيعي: « مافيش دولة أو قانون»، « احنا في حالة حرب »، « عشان  صالح أسرتكم وحمايتهم، اسكتو وامشو بحياتكم »، «انسوا (اقمعوا) الي بيطالبو بالتغيير أو المقاومة أو العدالة ». بالتالي، فإن العديد من اليمنيين يعتبرون المشاكل والاستغلال والقمع والاستياء العميق أمرًا حتميًّا، وهذا يخفي أن المظالم التي يواجهها اليمنيون هي مظهر من مظاهر النظم الاجتماعية والأمنية والاقتصادية والسياسية التي تتشكَّل بدورها من قِبَل النخب الحاكمة.

في سياقٍ يوجد فيه مَن يستفيد من الهياكل والظروف المجتمعية، تُمارس السيطرة أولًا بالقوة العلنية، التي تتضمن حالات الاختفاء لأنها أداة رئيسية لقمع وإسكات المعارضين وأقاربهم وخلق الخوف والرعب. ومع ذلك، لا تُمارس سوى طبقة رقيقة من السلطة بالقوة السافرة، ويمكن حتى القول بأن اللجوء إلى العنف يشكِّل إخفاقًا في ممارسة السلطة الحقيقية. ثانيًا، تتشكَّل السيطرة بالطريقة التي يصبح بها الوضع طبيعيًّا ووصمًا. وثالثًا، فإن اللامساواة والظلم الاجتماعي المترسخ بعمقٍ يدعم هياكل السلطة في المقام الأول، ومع ذلك، فإن هذه الهياكل والظروف تنتج أيضًا مقاومة من القاعدة إلى القمة ضد قمع الحفاظ على النظام. بشكلٍ حاسمٍ، تُظهر أعمال المقاومة اليومية من قِبَل النساء اليمنيات المتأثرات بالاختفاء القسري هذا الأمر.

المقاومة اليومية للمرأة اليمنية

يعتمد البحث على مقابلاتٍ متعمقة. بدأت المقابلات التي أُجريت لهذا التقرير الملخص بسؤالٍ واحدٍ: «هل يمكن أن تخبريني المزيدَ عن قصتك؟». كان السؤال دعوة بسيطة للسيدات إلى التعبير علنًا عن الأحداث الماضية وكذلك النضالات اليومية، كزوجات وأمهات وأخوات وبنات المختفين. تستكشف المقابلات الرابط بين التجارب الشخصية للمرأة والمقاومة بناءً على روايات مباشرة مجهولة المصدر من قريبات المختفين. النساء اللاتي تمَّت مقابلتهن من مناطق جغرافية مختلفة، بما في ذلك صنعاء والحديدة وعدن وريمة وتعز وإب ومأرب، وخلفيات اجتماعية واقتصادية متباينة.

على الرغم من هذه الاختلافات، أظهرت المقابلات قواسم مشتركة قوية في كيفية رؤية النساء لوضعهن وكيفية مقاومتهن. لا تُفهم المقاومة هنا على أنها معارضة عنيفة، بل تُفهم على أنها أعمال تَحَمُّلٍ يومية، وأفعالٌ ضد الأعراف الجندرية، والتحدث بصوتٍ عالٍ وإظهار التضامن، التي لا تتعارض مع القمع العنيف فحسب، بل هي أيضًا موجهة ضد وصمة العار والأيديولوجية التطبيعية وعدم المساواة الاجتماعية. يدور النقاش حول مواضيع متداخلة لفهم الروابط بين نقاط الضعف والمقاومة في التجارب الفردية للنساء.

المقاومة من خلال تحمُّل الظلم الاجتماعي

توضح القصص التي تشاركها النساء أنهن يدركن أنهن لا يتحمَّلن فقط الظلم الفردي ضدهن وضد أحبائهن، ولكنهن يواجهن هياكل اجتماعية متقاطعة ومتعددة الطبقات من الظلم. ذكرت النساء اللاتي تمَّت مقابلتهن بشكلٍ متكررٍ الاستبعاد من التعليم، والموارد المالية، والمجتمع الأوسع. يؤدي الوضع القانوني الملتبس للمختفين (الذين لا يُعتبرون رسميًّا موتى أو على قيد الحياة) إلى تفاقم انعدام الأمن المالي للأسرة، حيث لا تستطيع الزوجة أو الابنة في الكثير من الأحيان الوصول إلى الأصول العائلية والميراث والحسابات المصرفية المودعة باسم الرجل المختفي، أو المزايا الاجتماعية المخصصة لزوجات المختفين، كما قالت أحلام، من محافظة ريمة، التي هي في الأربعينيات من عمرها:

«أنا الزوجة الأولى لزوجي الذي اختفى قسريًّا قبل خمس سنوات، هو أبو أطفالي الثمانية. ما قدرت أكمل تعليمي. لو أني فقط قدرت أكمل تعليمي بعد الزواج. […] أما الآن، فأنا أعاني ماليًّا أشتي أوفر تعليمٍ جيدٍ لأولادي. […] حاولت دائمًا أكون الشخصية القوية عشان أولادي، والآن مع تدهور الوضع الاقتصادي وعبء الديون، حاسة أني ما أقدر اتنفس».

ما تعانيه أحلام بشكلٍ واضحٍ، إلى جانب المشاركات الأخريات، هو الاستبعاد من الفرص المالية والتعليمية، مما يفاقم من الإيذاء الذي تسبب فيه الاختفاء القسري لزوجها. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من النساء لم يتحمَّلن فحسب، بل وصلن أيضًا إلى نقطة أصبحن فيها واعيات سياسيًّا بالاستغلال والقمع المجتمعيين. تتضمن العديد من هذه التجارب استياءً عميقًا يتجاوز التركيز على طرفٍ أو ممثلٍ واحدٍ، كما أوضحت منى، التي هي في الأربعينيات من عمرها، من الحديدة:

«بدأت البحث عن أبي من لمن كنت في السابعة عشرة من عمري. اختفى والدي قسريًّا عام 1982. […] كنت أصحي كل يوم على فكرة معرفة وين ألاقيه، وأنام  مرة أخرى مع الشعور بالألم لأن ما وصلت له  […] قضيت حياتي كلها أبحث عنه. حاولت الوصول إلى ممثلين مختلفين وجهات مختلفة  للكشف عن مصير والدي، قد يتغيَّر الأشخاص اللي ماسكين السلطة، ومع ذلك، فهم جميعًا يوافقوا ضمنيًّا على منح حصانة كاملة للجميع».

يصبح الوعي أقوى نتيجة للنظام الأبوي القائم على النوع الجندري،19 الذي هو متجذرٌ بعمقٍ في المجتمع اليمني. يتجلَّى ذلك في المعايير الجندرية المبنية اجتماعيًّا، وعدم المساواة في الوصول إلى السلطة السياسية، ونقص الحراك الاقتصادي والاجتماعي الذي يتعيَّن على النساء تحمُّله على أساسٍ يومي. وهكذا، فإن القوة القسرية لإسكات العائلات تتأسس جزئيًّا من خلال استخدام ديناميكيات القوة القائمة على النوع الجندري، التي بدورها تغذي المقاومة من القاعدة إلى القمة. يجب أن تتحمَّل النساء الشعور بالعجز والتهميش عند الاستفسار والبحث عن أحبائهن، هذا ما أبرزته رنا، التي في الخمسينيات من عمرها، من عدن:

«انا من عائلة لها صوت مسموع ومعروفين أن ما نسكت عن حق، تربينا على الدفاع عن حقوقنا، والوقوف ضد أي مظالم. في عام 2016، اختفى أخي، وعندما توصلنا مع المسؤولين المزعومين عن اختفائه، ما قدرت أنطق كلمة واحدة، لأنني انجبرت على أن التزام الصمت بسبب الخوف من إيذاء باقي أقاربي الذكور. […] لو أني فقط تمكَّنت من البحث عنه. […] بعد أن تواصل أقاربي الذكور مع الممثل المسؤول عن اختفائه، قيل لنا إن هذا قد يكون «خطأ»، كيف يكون اختفاء شخص قسريًّا لمدة خمس سنوات خطأ؟!»

بشكلٍ عامٍّ، لا تتعرَّض النساء اللاتي تمَّت مقابلتهن للإيذاء المباشر فحسب، بل يتعرضن أيضًا للتمييز الاجتماعي والسياسي. إن التحمُّل بحد ذاته هو عمل مقاومة، لأنه يعني عدم الاستسلام للقمع، ولكن بدلًا من ذلك فهو يعني الحفاظ على حياتهن وعائلاتهن معًا.

علاوة على ذلك، فإن النساء واعياتٌ سياسيًّا وقادراتٌ على تحديد تلك المظالم، ومع هذا، يمكن أن يذهب الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك. إن كسر الصمت في وجه وصم المختفين وعائلاتهم، ومحاولة الحفاظ على الإرث الإيجابي للمختفين هي أيضًا أشكال من المقاومة التي تمارسها النساء.

بالإضافة إلى التحمُّل والوعي السياسي بالظلم الشخصي والاجتماعي، تميل النساء إلى السعي إلى تحقيق العدالة من خلال استعادة الذكرى الطيبة للمفقودين، حيث إنه في كثيرٍ من الأحيان تكون صورتهم أو ذكراهم مشوَّهة اجتماعيًّا. يؤدي هذا إلى كسر الصمت المفروض على الاختفاء القسري، ويعمل ضد وصمة العار الاجتماعية.

تختلف العواقب من حيث خطوات مواجهة الصدمة، بدءًا من «الإنكار»، أو «تجنُّب مواجهة الموقف أو حتى مناقشته»، أو المعاناة من «خسارة غامضة».20 أوضحت غالبية من تمَّت مقابلتهن أنهن تواجهن الأرق والقلق والتوتر المستمر والخوف مما لا يمكن التنبؤ به. لقد حافظن على إحياء تخليد الذكرى، سواء لأنفسهن، أو داخل الأسرة والمجتمع. تكمن أهمية ذلك في الطريقة التي يساعد بها على بناء الروابط المفقودة والمشوَّهة بين المختفين قسريًّا وأطفالهم أو أفراد أسرهم. توضح سلمى، في العشرينيات من عمرها، من عدن:

«جرح اختفاء والدي مفتوح، وما زال ينزف. […] أبي رجل محترم، قضى كل وقته في شقى وعمل، والكل يحترمه بحارتننا وبين مجتمعنا. بشكلٍ يومي، نجتمع كعائلة ونتحدث عن “محاسنه” [… لكن …] أشوف في عيون  أقاربي وناس من الحارة عين الشك في مصداقية سمعته، وهو أمر مرهق عاطفيًّا ونفسيا».

يُعَد الحديث عن «محاسن» الشخص خلال جنازته (أخلاقه الحميدة، وأعماله الصالحة، وميراثه الحسن) جزءًا من الثقافة اليمنية، كوسيلة للتخفيف من حزن الأسرة، ومع ذلك، فهو لا يعمل هنا كطقسٍ من طقوس الحزن فحسب، بل يعمل أيضًا على مقاومة وصم الاختفاء القسري من قِبَل بعض الأقارب، من خلال بناء صلة إيجابية بالعائلة والمجتمع.

قد يؤدي الافتقار إلى طقوس الحزن والديناميكيات الأسرية المعقَّدة إلى زيادة ألم التعامل مع الخسارة، لا سيَّما عندما تختلط بالوصمة المرتبطة باختفائهم. تتأثَّر النساء بـ «غموض الحدود» الذي يحدث بين أقارب المفقودين، ويطمس الخط الفاصل بين الأمل والحزن الذي يحدث نتيجة الخسارة الغامضة، كما وصفتها حسنة، التي في الأربعينيات من عمرها، من صنعاء:

«أُذكِّر أولادي كل يوم أن أبوهم ما عمل أي شيء خطأ، وأنه كان شخص محترم. مثل ما تعرفي، المجتمع يوصم ويشوه سمعة الشخص الي ما يملك حتى الحق في الدفاع عن غيابه. […]سمعت أنه بيمثِّل «تهديد» وأنه «داعشي».[1] كل هذه الادعاءات مش حقيقية. لو كان فقط في إمكان مجتمعنا أن يدعمنا ويكون أكثر رحمة بنا. أطفالي … أشتي يمشوا وراسهم مرفوع، مثل ما كان والدهم  اللي نعرفه».

تميل النساء إلى مقاومة الغياب الجسدي للمختفين، علاوة على حماية إرثهم، جزئيًّا للحفاظ على العلاقة مع أطفالهم، وكذلك العلاقة بين أفراد الأسرة، التي يمكن أن تتشوَّه نتيجة الوصم المباشر. إن وعي النساء بما يتعرضن له من ظلمٍ، ووعيهن بصواب موقفهن يسمح  لهن بالالتقاء معًا في تضامن.

 المقاومة من خلال الشعور بالحق والتضامن

خلال الانتهاكات والفظائع واسعة النطاق لحقوق الإنسان، يمكن أن يكون الالتفاف حول العدالة والإنصاف مصدرَ مقاومة، لتنظيم شبكات ومجموعات من أجل التضامن. يمكن أن تمتد هذه العملية إلى ما هو أبعد من الأفراد لجلب التعاطف مع «الآخرين» الذين أصبحوا جزءًا منَّا، والذين عانوا من مظالم مماثلة. يمكن أن يشكِّل هذا شبكة تضامن قائمة على «المعاناة من الظلم». توضح سعاد، التي في الأربعينيات من عمرها، من عدن:

«اضطررتُ إلى البحث عن زوجي، الي اختفى قسريًّا في عام 2016 في مراكز احتجاز مختلفة حيث تعرضت أحيانًا للتحرش اللفظي والبدني، وهذا أمرٌ مرهقٌ عاطفيًّا وجسديا ومش صح. […] لمن رحت مراكز الاحتجاز لأول مرة، ما كنت اعرف المصطلحات واللغة المناسبة الحقوقية عشان أسأل عن مصير زوجي. حينها، تعرَّفت على فضاء مدني اللي دعمني بأن أكون واعية أكثر بنهج وشروط حقوق الإنسان ولغته. والآن، أنا أدعم النساء الأخريات اللي مروا بنفس تجربتي وفقدوا أقاربهن، أروح معهن إلى مراكز الاحتجاز، وأتأكد من حمايتهن. […]هذا بيخليني أشعر القوة والإيمان للاستمرار والمواصلة».

نظرًا إلى أن الصراع يخلق حالة من عدم اليقين، وفراغًا أمنيًّا، ومسارات حماية محدودة، يميل الرجال والنساء إلى البحث عن روابط ملموسة وغير ملموسة. لم يتضح هذا في المحادثات مع سعاد فقط، ولكن مع الأخريات أيضًا، حيث مارست النساء قول الحقيقة واستعادة العدالة بطرقٍ مرتبطة بالرمزية الثقافية أو الدينية. دفع هذا الاعتقاد النساء إلى إشراك الأخريات، حيث أدركن بأنفسهن الحاجة إلى حماية النساء الأخريات، كما قالت حفيظة، تعمل لدى رابطة أمهات المُختطَفين، التي في الأربعينيات من عمرها، من صنعاء:

«”الله هو العادل” […]هذا هو اللي بيدفعنا للسعي وراء المعرفة الحقيقة والعدالة، من خلال عملنا برابطة أمهات المُختطَفين».

إن رابطة أمهات المُختطَفين21 هي المجموعة الأبرز التي تسعى إلى تحقيق العدالة الجماعية للمختفين قسريًّا وأقاربهم. وهي جمعية يمنية لحقوق الإنسان تأسَّست في أثناء النزاع، وتتكوَّن من أمهات وزوجات وعائلات المُختطَفين والمختفين، وأضافت حفيظة:

«نشتي وجودنا يكون محسوس، وبنقاوم بكل قوتنا في مواجهة اختفاء أبنائنا وإخوتنا وأزواجنا. قوتنا هي نابعة من نشاطنا القائم على حقوق الإنسان وهو حق شرعي لكل إنسان».

 

يمكن أن يكون إدراكك أنك على الطريق الصحيح قوة دافعة إلى التضامن الجماعي. إن الاعتراف والتعاطف مع الآخرين الذين يصبحون جزءًا من مقاومتنا اليومية هو دعوة إلى التدخلات الجماعية القائمة على التعرض للمظالم. أما بالنسبة إلى رابطة أمهات المُختطَفين، فقد استعادت الرابطة العدالة من خلال الإبلاغ عن حالات الاختفاء القسري وتوثيقها، وأيضًا ممارسة نشاط سياسي من خلال التقارير والبيانات العامة وكذلك الاحتجاجات العامة والاجتماعات مع صناع القرار المحليين والدوليين والإقليميين.

من خلال التحمُّل الشخصي، وإحياء الذكرى، والإدراك العميق للعدالة والتضامن التي أبرزتها هؤلاء النساء، نرى أشكالًا متداخلة من المقاومة. هذه الأشكال من المقاومة هي إلى حدٍّ كبيرٍ نتيجة الظلم القائم الذي تفاقم بسبب ظروف الحرب والصراع، لكنها تتجلَّى في العديد من الجوانب التي تستغل العناصر المتداخلة، على سبيل المثال، الجندر، والمنطقة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي.

في البداية، مالت النساء اللاتي تمَّت مقابلتهن إلى تسليط الضوء على الأذى الذي تعرضت له النساء المتضررات، ومع ذلك، وراء الظلم الفردي، يمكننا تفكيك الطبقات المتعددة المتقاطعة من المظالم وعدم المساواة. كشفت روايات النساء كيف يمكن للمرأة أن تصبح واعية سياسيًّا بواقعها الاجتماعي، وكيف تقاوم النساء بشكلٍ ضمني وصريحٍ في حياتهن اليومية، وتتصرفن بتضامن، وتصورن مطالب العدالة وتعبِّرن عنها.

يمكن مقاومة المظالم المتقاطعة التي تواجهها النساء

تواجه قريبات المختفين قسريًّا مظالم اجتماعية متعددة الطبقات، تتطلَّب تغييرًا اجتماعيًّا. ومع ذلك، غالبًا ما تكون هذه المظالم متعددة الطبقات غير متصلة، وتركز على المظالم الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأكبر التي يتعيَّن على هؤلاء النساء مواجهتها وتحمُّلها.

لو فقط أتيحت لهن فرصة الحصول على تعليمٍ رسمي، لو فقط أُتيحت لهن الفرصة لاختيار شركائهن، لو فقط أُتيحت لهن إمكانية الوصول إلى موارد مالية متساوية، لو فقط لم يتم إسكاتهن، لو فقط عرفن السبل الصحيحة لتحقيق العدالة، لو فقط تم تمكينهن سياسيًّا، وحصلن على خدمات الصحة العقلية والحماية، لو فقط كانت أسرهن الممتدة ومجتمعهن داعمين، لو فقط تم الكشف عن مصير المختفين، لو فقط تمكَّنت النساء من التواصل مع أحبائهن، لو فقط استعدن جثث أحبائهن.

لفهم منظور النساء بشكلٍ كاملٍ، أتاحت لهن المقابلات مساحة كبيرة للحديث عن شعورهن، في مساحة شخصية خاصة، على وجه التحديد، حول المعاناة التي تعيشها عائلات المفقودين، وعدم معرفة مصير أقاربهم، بالإضافة إلى التأثير الاجتماعي والاقتصادي والجندري على الأسر والمجتمعات. تواجه النساء مظالم متداخلة تتجاوز كونهن قريبات للمختفين قسريًّا.

يتمحور المجتمع حول التمييز على أساسٍ جندري. تعيق القوانين والسياسات والأعراف التحقيق الكامل للحقوق الإنسانية للمرأة، وتحد من مشاركتها النشطة في جوانب الحياة العامة والسياسية.

إن الأثر الاجتماعي والاقتصادي لحالات الاختفاء يثقل كاهل النساء، ويؤدي بدوره إلى جعل النساء وأطفالهن أكثر عرضة للاستغلال والتهميش الاجتماعي. غالبًا ما يتم تصوير نساء عائلات المختفين قسريًّا ومجتمعاتهم على أنهن أضعف من أن تمضين قدمًا في حياتهن، ويتجاهل هذا المقاومة القوية المحتملة للأفراد داخل مساحتهم الخاصة، كما يتجاهل هيكل القوة الموجود مسبقًا الذي يتعيَّن على النساء تحمُّله. تُظهر هذه الورقة البحثية المقاومة التي تُعرف بالمقاومة اليومية، التي تتجلى في الصمود والاستمرار في العيش، والتحدث، والتضامن مع الآخرين، والبحث عن الحقيقة، وأحيانًا الانخراط في النشاط السياسي بشكلٍ علني.

في حين أن التركيز غالبًا ما ينصب على تلك النقطة الأخيرة، فإن المقاومة اليومية في الأشياء البسيطة، في الأفكار، في العثور على مصدرٍ للدخل، وفي إعالة أسرهن، يجب أن يُعتبر أيضًا نشاطًا سياسيًّا، مع الاعتراف بأن الشخصي هو أيضًا سياسي.

التوصيات والمضي قدمًا

قدمت النساء اللاتي ساهمن بحكاياتهن في هذا التقرير الملخص توصياتٍ مفصَّلة للاعتراف بحقوقهن والبحث عن الحقيقة واستعادة العدالة، كما ساهم ممثِّلو المنظمات غير الحكومية في هذه التوصيات.

أولًا، يجب تمكين قريبات المختفين من قِبَل فضاء المجتمع المدني، ويشمل ذلك المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية ووكالات الأمم المتحدة، للمشاركة بنشاطٍ في عمليات السعي إلى تحقيق العدالة، ويتضمن هذا قول الحقيقة والعدالة العقابية والتصالحية، وعمليات التعويض التي تؤكد وتستعيد كرامة الضحايا، وتؤدي إلى الأمل في التغيير الدائم. تحتاج النساء قريبات المختفين إلى مزيدٍ من المعرفة بهذه العمليات وأيضًا الحصول على دعمٍ مالي وتقني لتشكيل شبكات مجتمعية خاصة بهن ومجموعات الضحايا.

ثانيًا، من أجل اتخاذ إجراء فوري، ونظرًا إلى عدم وضوح وضع الشخص المختفي، غالبًا ما تكون النساء غير قادراتٍ على الوصول إلى الموارد الكافية، على سبيل المثال من خلال الأصول العائلية الخاصة بأسرة الذكر المختفي. هناك حاجة إلى المساعدة، وإلى برامج بسيطة يسهل للنساء الوصول إليها للتغلُّب على عدم المساواة الاجتماعية، من قِبَل مؤسسات الدولة اليمنية، وفضاء المجتمع المدني، ويشمل ذلك المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، ووكالات الأمم المتحدة. يجب تصميم هذه العمليات من خلال التشاور مع أقارب المختفين قسريًّا ومجتمعاتهم لمنع مخاطر الحماية وإعادة الصدمات النفسية والرفض المجتمعي.

ثالثًا، كجزءٍ من استجابة الحماية المستمرة، عادةً ما تعاني النساء اللاتي تعرض أقاربهن للاختفاء القسري من اضطراب الحزن لفتراتٍ طويلة، لعدم وصولهن إلى خاتمة للأمور من الناحية العاطفية، مما يؤدي إلى مواجهة شدة أعلى لأعراض اضطراب الحزن لفتراتٍ طويلة المرتبطة بفقدان غامض، وأعراض كبيرة لاضطراب ما بعد الصدمة، وتصورات عن مستويات منخفضة من الدعم الاجتماعي. لذلك، فإن تدخلات الصحة النفسية، والنفسية-الاجتماعية التي تستجيب للنساء وتجاربهن الخاصة ضرورية، ويجب توفيرها من قِبَل مؤسسات الدولة اليمنية، وفضاء المجتمع المدني، ويشمل ذلك المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، ووكالات الأمم المتحدة. وهنا، لا بد من تأكيد أنه في جميع أنحاء اليمن لم يكن هناك أكثر من 59 طبيبًا نفسيًّا في عام 2020، أو واحد لكل نصف مليون شخص.

رابعًا، التغيير الاجتماعي المستدام طويل الأجل داخل الدولة اليمنية. يجب على المؤسسات معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عانت منها هؤلاء النساء، وضمان حصول النساء على الفرص الكافية، ويتضمن ذلك التوظيف والمشاركة السياسية والتعليم.

خامسًا، إن الاختفاء القسري هو نتيجة مباشرة للإفلات من العقاب. وبالتالي، يجب على المجتمع الدولي، ويشمل ذلك الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ووكالاتها وهيئاتها وخبراءها، مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، دعم الجهود المبذولة لتحقيق المساءلة. عليهم التدخل بشكلٍ عاجلٍ، ويشمل ذلك المطالبة بالإفراج عن جميع المختفين قسريًّا، بما يضمن كرامتهم وسلامتهم وأمنهم. علاوة على ذلك، يجب على الدول الأعضاء دعم إنشاء هيئة تحقيق دولية تركز على القضايا الجنائية لجمع الأدلة وتعزيزها وحفظها وتحليلها وإعداد ملفات القضايا والتعرُّف على ضحايا الانتهاكات والجرائم الجسيمة، والتي تشمل المحتجزين تعسفيًّا والمختفين قسريًّا في اليمن. يمكن لمثل هذه الهيئة أن تمهِّد الطريق في نهاية المطاف لمقاضاة ومعاقبة الأفراد المسؤولين عن الاختفاء القسري والجرائم الدولية ذات الصلة، مثل التعذيب.

سادسًا، بالإضافة إلى المساءلة الجنائية، يجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والهيئات والوكالات والخبراء وغيرهم دعم نُهج العدالة التي تركز على الضحايا، على سبيل المثال نُهج العدالة التصالحية، والبرامج التعويضية، والآليات التي تؤكد قول الحقيقة وتبادل المعلومات مع العائلات. تساعد العدالة التصالحية بشكلٍ أكبر على المصالحة وبناء السلام عندما تركز على احتياجات الضحايا وعلاقتهم بمجتمعات الجاني، بدلًا من التركيز فقط على عقوبة الجاني. تعتمد درجة فعالية البرامج والتدابير في معالجة حالات الاختفاء القسري -وما تؤديه من تأثيرٍ دائمٍ على الضحايا والمساهمة في سلامٍ طويل الأجل- على ما إذا كانت تستجيب لتجارب الضحايا واحتياجاتهم الخاصة، وخصوصًا النساء اللاتي تأثَّرن بشكلٍ خاص بالاختفاء القسري.

كما أن التعويضات الرمزية والاعتذار مهمَّان أيضًا، من أجل تسهيل عملية الحزن والشفاء. يجب الاعتراف بالهياكل والنهج المجتمعية الموجودة مسبقًا لقيادة عملية العدالة وتقييمها. علاوة على ذلك، هناك حاجة إلى برامج «تعويض مادي» بسيطة ويسهل الوصول إليها، ومساعدة النساء للتغلب على عدم المساواة الاجتماعية. يجب تصميم هذه العمليات من خلال التشاور مع أقارب المختفين قسريًّا ومجتمعاتهم لمنع مخاطر الحماية وإعادة الصدمات النفسية والرفض المجتمعي.

أخيرًا، في سياقاتٍ أخرى، سعت الأمم المتحدة أو الدول الأعضاء أو الدولة المتأثرة أو حتى المجتمع المدني إلى المساءلة من خلال إنشاء لجان تحقيق أو آليات أخرى للكشف عن مكان وجود المختفين. بالنسبة إلى اليمن، يمكن أن يكون لهذه اللجنة تفويضٌ لفحص حالات الاختفاء القسري، والتحقيق في الكشف عن مصير المختفين، وإجراء عمليات استخراج الجثث، وتبادل المعلومات مع العائلات، وتسهيل إعادة الجثث -التي تم التعرف عليها- إلى العائلات. يجب تطبيق هذا النهج بالتعاون مع أطراف النزاع، ويجب أن يأخذ في الاعتبار الحساسية الجندرية وبرامج حماية الشهود عند جمع شهادات النساء، وأيضًا حيادية واستقلالية لجنة الحقيقة.

 

نقلاً عن موقع “المركز اليمني للسياسات

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى