كتابات خاصة

الدولة المدنية ومقاصد التشريع (4/الأخيرة)

د. عبد الله القيسي

مقاصد التشريع في الدولة المدنية:

تعود الكتابات الأولى عن الكليات أو مقاصد التشريع في التراث الإسلامي إلى ما كتبه إمام الحرمين الجويني، حيث قال: “وبالجملة، الدم معصوم بالقصاص… والفروج معصومة بالحدود، والأموال معصومة عن السراق بالقطع…” (1). فالجويني تحدث عن ثلاثة مقصد “حفظ النفس والنسل والمال” ثم زاد الغزالي في شفاء الغليل “حفظ العقل”، يقول الغزالي في “شفاء الغليل”: “فجعل القتل سببا لإيجاب القصاص، لمعنى معقول مناسب، وهو: حفظ النفوس والأرواح المقصود بقاؤها في الشرع، وعرف كونها مقصودة على القطع. وحرم الشرع شرب الخمر: لأنه يزيل العقل؛ وبقاء العقل مقصود للشرع، لأنه آلة الفهم وحامل الأمانة، ومحل الخطاب والتكليف. والبضع مقصود الحفظ، لأن في التزاحم عليه اختلاط الأنساب، وتلطيخ الفراش، وانقطاع التعهد عن الأولاد: لاستبهام الآباء: وفيه التوثب على الفروج بالتشهي [والتغلب] وهي مجلبة الفساد والتقاتل. والأموال مقصودة بالحفظ على ملاكها؛ عرف ذلك بالمنع من التعدي على حق الغير، وإيجاب الضمان، ومعاقبة السارق بالقطع”(2). ثم زادها الغزالي في “المستصفى” فصارت خمساً بزيادة مقصد حفظ الدين، فقال: “ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”(3).

فالجويني تحدث عن ثلاثة مقاصد “حفظ النفس والنسل والمال” استناداً لعقوبات ثلاث ذكرها القرآن، ثم زاد الغزالي في شفاء الغليل “حفظ العقل” استنادا لعقوبة شرب الخمر، التي جاءت بدليل ظني، ثم زاد في المستصفى “حفظ الدين” استنادا لعقوبة الردة التي جاءت بدليل ظني أيضاً، ثم من جاء من بعدهم وأضافوا “حفظ العرض” استناداً لعقوبة القذف.

كان هذا هو المدخل لدراسة مقاصد الشريعة عند السلف ونلاحظ أن ما استندوا عليه من عقوبات لم تكن كلها في درجة واحدة من القطعية للثبوت، إذ بعضها يستند لما هو قطعي الثبوت، ثبت بالنص القرآني، وهي عقوبة القتل والزنا والقذف والسرقة، وبعضها استند لما هو ظني الثبوت، أي جاءت بها الروايات الآحادية، كعقوبة السكر، وعقوبة الردة، ولذا سنجد أن ما جاء مستنداً لدليل ظني قد أخل باتساق المنظومة المقاصدية، لأن مكانه حق الله لا حق العباد، وما كان من حق الله فلا يدخل ضمن التشريع المعاملاتي ولا تكون له عقوبة دنيوية.

فحفظ الدين داخل ضمن حق الله، ولا يصح إدراجه ضمن مقاصد التشريع للأحكام المعاملاتية. وأما حفظ العقل المرتبط بعقوبة السكر فيكون أحياناً ضمن حق الله ويكون في أحيان أخرى ضمن حق العباد، فإذا تعدى إلى حق العباد دخل ضمن مقاصد التشريع، وكان له عقوبة، وإن بقي ضمن حق الله فلا عقوبة دنيوية فيه، وترجى عقوبته إلى الآخرة.

وفي الحالة الأولى أي حين يندرج حفظ العقل ضمن حق العباد يمكن اعتباره داخلاً ضمن حفظ النفس، فكلاهما حفظ للوجود الحسي للإنسان، ومن ثم فإن استبعاد هذين المقصدين من منظومة الكليات الخمس وإدراجهما في حقوق الله الخالصة هو الأنسب.

وأما حفظ النسل فإن كان المقصود به التوالد والتكاثر فإنه داخل ضمن حفظ النفس، وأما حفظ المال فيمكن أن يكون الكلية الثانية، باعتباره يحفظ للإنسان ما يقيم حياته، وبقي معنا كلية ثالثة وهي حفظ العرض، وحفظ العرض هنا يشير لقضية أكبر يحفظها الدين للإنسان وهي حفظ كرامة الإنسان من أن ينتهكها أحد، فهي تعني البعد الثاني لوجود لإنسان وهو وجوده المعنوي بعد أن حفظت وجوده الحسي في حفظ النفس، ثم يأتي بعدها حفظ وجوده المادي المتمثل بحفظ المال، وعليه فإن مقاصد للشريعة ثلاثة:

  1. 1. حفظ النفس (وتعني حفظ الوجود الحسي للإنسان).
  2. 2. حفظ كرامة الإنسان (وتعني حفظ الوجود المعنوي للإنسان).
  3. 3. حفظ المال (وتعنى حفظ الوجود المادي للإنسان).

وهذا المقاصد الثلاثة ستحقق للإنسان أهم ثلاثة حقوق هي: حق الحياة، وحق الحرية والكرامة، وحق التملك.

ويدخل في مقصد حفظ الوجود الحسي: كل أحكام القصاص والجروح، فكل ما يؤدي إلى إزهاق روحه أو مرضه أو جرحه أو الضرر بأحد أعضائه فهو ممنوع. ويعاقب مرتكبها. ويدخل فيها حفظ عقله من أي اتلاف أو إغماء أو تغييب حسي

ويدخل في مقصد حفظ الوجود المعنوي: حفظ حريته وحقه في الاختيار وحقه في التدين، وحماية عرضه، وحفظ، وحقه في المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. ولا يقهر بدون حق ولا يكره ولا يستبد به ولا يفترى عليه أو يشوه بسمعته. ويدخل فيها حقوقه النفسية فلا تنتهك بما يؤدي لاختلال نفسيته.

ويدخل في مقصد حفظ الوجود المادي: حفظ حقوقه المالية، وعدم أخذ ماله أو محاربة رزقة أو الاخلال بوظيفته.

وهذه الحقوق هي الأساسية التي شرع للإنسان أن يدافع عن نفسه ضد منتهكيها، فمن اعتدى عليه قاتله، فإن قتل دفاعا عن دمه فهو شهيد، وإن قتل دفاعا عن ماله فهو شهيد، وإن قتل دفاعا عن حريته وكرامته فهو شهيد، وإن قتل دفاعا عن اختياره لدينه فهو شهيد. أي شاهد على قاتله يوم القيامة، وشاهد على قضيته في الدنيا.

ولا يحق للإنسان أن يعتدي بنفسه على تلك الحقوق، فلا يزهق نفسه ولا يحرق ماله ولا يشق على نفسه ويحملها فوق طاقتها، ولا يتناول مع يمرضه، ولا يتلف عضوا من أعضائه، ولكن إن حصل ذلك منه، فإنها من الآثام لا المفاسد، والعقوبات الدنيوية شرعت لأجل المفاسد، أما الآثام فحسابها عند الله إن لم يتب.

هذه المقاصد الثلاثة هي مقاصد الشريعة، والشريعة هنا هي ما عدا العقائد والشعائر، لأن تلك أحكام تعبدية تندرج ضمن حق الله، وهي عائدة للدائرة الخاصة للمسلم، أما مقاصد التشريع فإنها تنظم حياته المعاملاتية مع غيره.

وهذه المقاصد الثلاثة هي ما أشارت له الروايات الكثيرة بحرمة انتهاكها، وقد عنوان مسلم في صحيحه باباً باسم “باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال”.  فروي عن النبي عليه السلام قوله: (كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ، دمُهُ، ومالُهُ، وعِرضُهُ). فـ (دمه) إشارة لحفظ الوجود الحسي، و(ماله) إشارة لحفظ الوجود المادي، و(عرضه) إشارة لوجوده المعنوي. وروىَ عن النبي عليه السلام قوله: (من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد، ومن قاتل دون دمه فهو شهيد، ومن قاتل دون أهله فهو شهيد). فـ (دون ماله) إشارة للدفاع عن وجوده المادي، و(دون دمه) إشارة للدفاع عن وجوده الحسي، و(دون دِينِه) إشارة لحفظ وجوده المعنوي، والمعنى هنا دفاعاً عن حريته في اختيار دينه ضد من يريد فتنته عن دينه بالقوة.

سنجد هذه المقاصد الثلاثة هي ثمرة استقراء أحكام الشريعة، ولذا كانت تتكرر كثيراً في كتابات الفقهاء والأصوليين قديماً وحديثاً، من أقصى مدارس التشدد حتى أكثرها انفتاحاً. فالفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي: “من المحال أن يراعى الله عزَّ وجلَّ مصلحة خلقه في مبدئهم ومعادهم ومعاشهم، ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية، إذ هي أهم، فكانت بالمراعاة أولى، ولأنها أيضًا من مصلحة معاشهم إذ بها صيانة أموالهم ودمائهم وأعراضهم فلا معاش لهم بدونها فوجب القول بأنه راعاها لهم، وإذا ثبت رعايته إياها لم يجز إهمالها لها بوجه من الوجوه، فإن وافقها النص والإجماع وغيرهما من أدلة الشرع فلا كلام، وإن خالفها دليل شرعي وُفِّقَ بينه وبينها بما ذكرناه من تخصيصه بها، وتقديمها بطريق البيان”(4 ).  وابن القيم يقول: ” فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس، بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال”(5).

…………………………….

(1) البرهان في أصول الفقه 2/179.

(2) شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل ص 160.

(3) المستصفى ص 174.

(4) التعيين في شرح الأربعين ص 246.

(5) إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/338.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى