كتابات خاصة

عن جماليات وروعة الريف اليمني

عندما تصعد الجبال الريفية في فصل الصيف ترى ما كنت تحلم أن تراه من الجمال الرباني الطبيعي الذي يكسو الجبال ويملأ التلال وتفيض به الأودية.

هناك في الريف حيث البراءة والجمال، حيث النقاء والصفاء، حيث يجتمع الاجتهاد والسعي للحصول على حياة خالية من الاحتياج للآخرين من بني البشر.

لاشك أنك إذا زرت الريف سترى المزارعين بين أراضيهم منذ الصباح ولا يمكن لهم أن يتركوها حتى يأتيهم الليل، وهنا فقط تعرف معنى الولاء الحقيقي للأرض.

إن المزارعين يحبون أراضيهم كما يحبون أمهاتهم ويعاملون المحاصيل الزراعية كما يعاملون أطفالهم تمامًا، يخشون أن تصاب محاصيلهم بالظمأ أو أن تتكاثر حولها البثور والشوائب التي يمكن أن تعيقها عن النمو ولهذا تجد المزارعين لا يكادون يفارقون أراضيهم إلا ساعات باليوم وهي التي تقضى بأخذ قسط من الراحة وعادة ما يستريح المزارع تحت الأشجار وارفة الظلال يحتسي فنجان قهوته ويأكل كسرة من الفطير البلدي المحضر على الحطب.

إنه لشعور جميل حينما تجد هذا الولاء للأرض من قبل أهلها لكن الشعور الأجمل حقيقة تجده عندما تكون بين المزارعين تسمع لأهازيجهم الزراعية المفعمة بالبراءة والحيوية والنشاط.

تلك الأهازيج جميلة إلى حد بعيد، فلو تعمقت وغصت في معانيها لذهبت بك إلى عالم خالٍ تمامًا من بلاء السياسة وما تجره من ويلات للبلاد وساكنيها، وإنها لذات نظام فريد من نوعه فلكل موسم أهازيجه الخاصة وترانيمه التي تميزه عن الموسم الآخر ولا يمكن لأحدهم أن يخلط الحابل بالنابل فيستخدم أهازيج الموسم الآخر بالموسم المعاش لأنه سيقابل بالضحك والسخرية فذاك في وجة نظرهم يعد ضربًا من الغباء والتساهل.

للصباح هناك أهازيج خاصة ولوقت الأصيل أيضًا ما يخصه من تلكم الأهازيج، فأهازيج الصباح عادة ماتكون مفعمة بالاستبشار وطلب رضى الله تعالى للمزاع ووالديه والحث على السعي وطلب الرزق، وبها إشارة إلى أن الكسالى لايجنون شيئًا من كسلهم ذاك إلا التعب والمرض.

وعادة ما تكون مليئة بالتغزل بربات البيوت النشيطات اللاتي يفقن مبكرًا ويقمن بإعداد وجبة الفطور المفضلة لدى المزارع وهي ( الفتة المغمورة بالسمن البلدي) والتغزل بالمرأة التي لاتبدي تضجرًا تجاه زوجها إن طلب منها شيئًا ما مثل قولهم: ( واصباح اللي تُبكر سالية ماهيش ضجر).

ولأهازيج الأصيل ووقت الرواح مذاق خاص، فهي تشنف الأسماع وتتطرب لها القلوب مليئة بآيات التفاؤل ودواعي الاهتمام؛ إذ لا يمكن لأحدهم أن يرضى بمغادرة مزرعته إلا وقد أنهى المهام الموكل عليه إنجازه في ذلك اليوم، ومنها مايكون فيه التغزل بوقت الغروب وتلك اللحظات الجميلة في منظرها الفريد.

عمومًا إن في حياة المزارعين نقاء لا يوجد في غيرها، وولاء وطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى