أخبار محليةاخترنا لكمالأخبار الرئيسيةتراجم وتحليلات

عسكرة الحدود.. شبكات “اقتصاد الحرب” وتشكيل الجغرافيا السياسية لليمن

يمن مونيتور/ ترجمة خاصة:

خلصت دراسة جديدة إلى أن العسكرة المتزايدة للحدود اليمنية ستشكل الجغرافيا السياسية لليمن على المدى الطويل، ورجحت استمرار اتجاه عسكرة الحدود في اليمن بعد انتهاء الصراع الحالي الذي بدأ مع سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في 2014 وتدخل التحالف العربي بعد ذلك بستة أشهر.

دراسة كتبها الباحث اليمني “أحمد ناجي” ونشرت في كتاب للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية بعنوان “من أمراء الحرب إلى أمراء الدولة، الجماعات المسلحة ومسارات السلطة في ليبيا واليمن“.

وخلص ناجي في دراسته التي عنونها “اليمن: عسكرة الحدود تعزز شبكات التهريب” إلى أن العسكرة المتزايدة للحدود اليمنية ليست ديناميكية مؤقتة سببتها الحرب المستمرة. في الواقع، إنها عملية ستشكل الجغرافيا السياسية لليمن على المدى الطويل. أمن الحدود هو الشاغل الأكبر للسعوديين وهو الموضوع الرئيسي لمحادثاتهم مع الحوثيين خلال جولات التفاوض المختلفة.

وقال ناجي إن أفكار إنشاء منطقة حدودية عازلة أو بناء حواجز حدودية من بين الحلول التي يقترحها السعوديون لمنع أي تهديد محتمل. وبغض النظر عن التدابير الحدودية التي يمكن الاتفاق عليها في المستقبل، من المرجح أن يزداد اتجاه عسكرة الحدود في اليمن بعد الصراع.

يشير في الجانب الآخر إلى أن “الإمارات ستواصل دعم وكلائها على الحدود البحرية الجنوبية والغربية من أجل مراقبة طرق الشحن البحري، ومنع الجماعات المسلحة الأخرى في اليمن من الوصول إلى هذه المناطق. على الجبهة الشرقية، ستظل عمان قلقة من تنامي الوجود العسكري السعودي بالقرب من حدودها، وهذا سيدفعها لزيادة دعمها لقبائل المهرة، وجعل محافظة المهرة النائية ساحة منافسة بين البلدين الجارين”.

وتقول الدراسة إنه “مع استمرار القتال في المناطق الداخلية بين الجهات المحلية وانعدام الثقة الذي يثني اليمنيين عن التحرك نحو أي تسوية سياسية، من الواضح أن الفتنة والقتال سيتسعان فقط في السنوات المقبلة. لهذا السبب، لا تزال اليمن مجزأة في أطراف كثيرة دون مركز واحد موحد، كما أن العسكرة المتزايدة لحدودها تعزز شبكات التهريب، بسبب الدور الاقتصادي الذي تلعبه الجماعات المسلحة”.

ينشر يمن مونيتور ترجمة لهذه الورقة:

اليمن: عسكرة الحدود تعزز شبكات التهريب

أحمد ناجي، باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت،

كان سقوط العاصمة صنعاء في أيدي حركة أنصار الله (المعروفة باسم الحوثيين) في سبتمبر 2014 بمثابة تغيير لقواعد اللعبة في اليمن. حولت التوترات السياسية بعد انتفاضة 2011 إلى حرب مفتوحة. تعزز هذا التحول بعد ستة أشهر، عندما بدأ التحالف بقيادة السعودية عملياته العسكرية في البلاد. وبهدف استعادة الحكومة الشرعية، أعلن التحالف أن عملياته كانت لدحر جماعة الحوثي في اليمن. ومع ذلك، فإن سياسات التحالف منذ ذلك الحين تركز على هدف ضمني آخر وهو السيطرة على الحدود البرية والبحرية لليمن ومنع الجماعات المسلحة المناهضة للتحالف من الوصول إلى هذه المناطق الاستراتيجية. لهذا السبب، ازدادت أهمية الحدود اليمنية، خاصة بعد أن بدأت الجهات الإقليمية في زرع العديد من الجماعات المسلحة في هذه المناطق.

مع دخول الحرب عامها الثامن، يخبر تخطيط مشهد الحرب الكثير عن أولويات الأطراف المعنية. بصرف النظر عن التصنيف التقليدي للأراضي اليمنية، يمكن تقسيم اليمن إلى قسمين رئيسيين؛ الأول هو الأحزمة الحدودية، التي أصبحت مسرحًا لنزاعات طويلة الأمد ونقاط محورية لمختلف الجماعات المسلحة. والثاني هو المناطق الداخلية التي تعتبر أقل أهمية من الناحية الاستراتيجية ما لم تكن قريبة من الأحزمة الحدودية. يعكس هذا التحول حقيقة أن: اليمن لم يعد قضية تهم اليمنيين فقط، بل قضية أمنية لدول الجوار.

من جهة أخرى، ساهمت عسكرة الحدود في ظهور البلدات الحدودية التي كانت قبل الحرب مدنًا مهمشة. حيث أدت المصالح الإقليمية المعروضة في هذه المجالات إلى خلق حركة اقتصادية مصاحبة للديناميكيات العسكرية. ودفعت حركة التجارة العسكرية العديد من الأفراد إلى الانتقال إلى هذه المدن الحدودية، خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في المناطق الحضرية. وهناك العديد من الأمثلة لمدن حدودية ظهرت حديثًا في مناطق مختلفة، مثل المهرة على الحدود اليمنية العمانية، والمخا على الحدود البحرية اليمنية الغربية، وعبس بالقرب من الحدود اليمنية السعودية. فمن الناحية الاقتصادية، أصبحت كل تلك المدن أكثر نشاطًا في زمن الحرب.

ومع ذلك، فإن التحول العسكري والاقتصادي في المناطق الحدودية قد قوبل بالأنشطة الاقتصادية غير القانونية التي لطالما ميزت هذه المناطق. وتشمل هذه الأنشطة الاتجار بالبشر وتهريب البضائع، والتي كانت موجودة بالفعل في هذه المناطق في حقبة ما قبل الحرب. ومن المفارقات أن العسكرة المكثفة للأراضي الحدودية لم تكن قادرة على القضاء على هذه الأنشطة. على العكس من ذلك، تشير روايات شهود عيان من سكان هذه المناطق إلى زيادة مطردة في التهريب ووجود أكبر لشبكات التهريب المحترفة. ويتسق هذا مع زيادة مشاركة العديد من الجماعات المسلحة في هذه الأنشطة، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي. واليوم أصبحت حدود اليمن بؤر تشكيلات عسكرية وجبهات قتالية بين الجماعات المتحاربة. وتنقسم هذه الجبهات الحدودية إلى عدة مناطق. لإلقاء نظرة فاحصة على هذه المناطق، تسلط الأقسام التالية الضوء على كل حدود، وفحص خريطة التحكم واستكشاف الديناميكيات الاقتصادية العسكرية.

الجماعات المسلحة في اليمن: مراقبة الحدود.. الشبكات الاقتصادية وشبكات التهريب -الجيش السعودي وأدواته (الأخضر)؛ الحوثيون المدعومون من إيران (الأصفر)؛ الجماعات المسلحة التابعة للإمارات والمجلس الانتقالي وسلفيين (الأحمر)؛ والجماعات الموالية لسلطنة عمان في المهرة (البرتقالي)؛ حراس الجمهورية والسلفيين -مدعومين من السعودية والإمارات (الأسود)

الحدود الشمالية الغربية

تبرز الحدود الشمالية الغربية لليمن، الممتدة من مديرية خب والشعف شمال شرق محافظة الجوف إلى ساحل ميدي غرب محافظة حجة، كواحدة من أكثر المناطق عسكرة على جانبي الحدود. حيث تعتمد المملكة العربية السعودية على مزيج من عدة وحدات عسكرية، بما في ذلك قوات حرس الحدود السعودية، معززة بوحدات عسكرية إضافية. بالإضافة إلى ذلك، فقد اعتمدت على سكان المناطق الحدودية أو ما يسمى بالمجاهدين، الذين كانت السعودية تعول عليهم باستمرار لمعالجة انعدام الأمن ومكافحة التهريب في هذه المناطق. ومع اشتداد القتال في المناطق المتاخمة لجيزان ونجران، دعمت السعودية المنطقة الخامسة من الجيش الحكومي اليمني المعترف به دوليًا للقتال في هذه المناطق الحدودية.

إلى جانب ذلك، نشر التحالف بقيادة السعودية مئات الجنود السودانيين الذين انضموا إلى قوات التحالف العربي للقتال في المعارك الحدودية. علاوة على ذلك، لضمان مستوى أعلى من الأمن وتقليل عدد الخسائر في صفوف قواتها، قام السعوديون بتجنيد واسع النطاق من اليمن لتعزيز الجبهة الحدودية الجنوبية. هؤلاء المقاتلون الجدد يعملون مباشرة تحت القيادة العسكرية السعودية دون تنسيق مع الحكومة اليمنية. وفي محاولة لجلب مجندين من مجتمعات غير زيدية، استهدفت حملة التوظيف السعودية الشباب من محافظة تعز. بينما لا يزال عدد هذه القوات المجندة حديثًا غير معروف، تشير بعض الإحصائيات الصحفية إلى أنها قد تصل إلى 60 ألف مجند.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يعتبر هذا الجزء من الحدود -من منظور أمني حساساً للغاية -نظرًا لتعقيده الجغرافي الكبير. وتعتبر أرضاً خصبة للاختلالات الأمنية وأنشطة التهريب. وفشلت المحاولات السعودية المنتظمة لمكافحة الأنشطة الحدودية غير القانونية قبل الحرب إلى حد كبير في تحقيق هدفها. ويرجع ذلك جزئيًا إلى التوسع الطائفي للحوثيين على الجانب الآخر من الحدود، نظرًا لوجود عشرات الآلاف من أتباع الطائفتين الزيدية والإسماعيلية، وهما من المعتقدات الشيعية. فيما السعودية لا تريد أن ترى أي نوع من النفوذ الحوثي داخل أراضيها؛ ففي حروب صعدة (2004-2010) بين الأخيرة والحكومة اليمنية، ساعد السعوديون القوات الحكومية.

على الجانب الآخر، دفعت جماعة الحوثي آلاف المقاتلين إلى الجبهات الحدودية في حجة وصعدة. حيث يركز المحرك الرئيسي لحملات التجنيد على الدفاع عن المناطق الحدودية. وتعتمد الجماعة على القوات العسكرية التي انضمت إليها عندما سيطرت على صنعاء أواخر 2014 ومقاتليها “اللجان الشعبية”. ويتواجد الحوثيون بكثافة في هذه المناطق الحدودية لأسباب ثلاثة رئيسية. أولاً، هذه المناطق هي المعقل الرئيسي للجماعة ومركز حاضناتها الاجتماعية، حيث وقعت جولات الصراع الست للجماعة مع الحكومة اليمنية، التي انتهت عام 2010، في هذه المناطق، ولم يرغبوا في خسارتها لصالح السعوديين أو الحكومة اليمنية.

ثانيًا، تقدم جماعة الحوثي “الدفاع عن الأراضي الحدودية” كرمز لحملة التجنيد العسكري بين المجتمعات اليمنية المختلفة، باستخدام السرد التاريخي للمظالم التي يشعر بها العديد من اليمنيين تجاه الاتفاقات الحدودية المبرمة بين اليمن والمملكة العربية السعودية (خاصة معاهدة جدة) عام 2000: هذه الحجة تسهل على الحوثيين إقناع الأفراد بالانضمام إليهم. أما السبب الأخير فهو اقتصادي بحت، إذ إن الحفاظ على طرق التهريب تحت سيطرة مقاتلي الحوثيين يوفر موردًا ماليًا جيدًا للجماعة. حيث أصبحت العديد من الدوريات الحدودية نقاطًا محورية لتهريب الأسلحة والمخدرات والمهاجرين إلى السعودية، وهي عمليات ذات عائدات اقتصادية كبيرة.

 

الحدود الشمالية الشرقية

تمتد الأراضي الحدودية الشمالية الشرقية من خب وشعف في الجوف إلى رماح بالقرب من الحدود السعودية العمانية وتسيطر عليها الحكومة المعترف بها دوليًا المدعومة من السعودية. وهي تشمل أكبر المناطق الصحراوية في البلاد. على الرغم من عدم وجود مواجهات عسكرية في هذه المنطقة، إلا أن هناك درجة من العسكرة، حيث تُستخدم هذه المناطق كخطوط إمداد عسكرية للقوات السعودية والوكلاء داخل اليمن. كما تتلقى معظم القوات التي جندتها السعودية للقتال على الجبهات الحدودية بعض التدريبات في المعسكرات الواقعة في هذه المنطقة.

في بعض خطوط المواجهة الحدودية، شكلت السعودية سلسلة من الألوية العسكرية تحت إشرافها المباشر. معظم هذه الكتائب يقودها سلفيون ما زالوا موالين بصدق للمملكة السعودية. إضافة إلى ذلك، يشمل الشريط الحدودي الشمالي الشرقي معبر الوديعة وهو المعبر الوحيد -الذي يعمل- بين اليمن والسعودية بعد أن قررت الأخيرة إغلاق المعبر في محافظتي الجوف وحجة. جدير بالذكر أن خريطة السيطرة في هذه المنطقة بدأت تتغير مؤخرًا، بعد التغيرات السياسية داخل قيادة الحكومة اليمنية، بعد عزل الرئيس عبد ربه منصور هادي واستبداله في أبريل 2022 بمجلس قيادة رئاسي مكون من ثمانية أعضاء (المجلس الرئاسي)، ضم المجلس المشكل حديثًا ممثلي جميع الجماعات في المعسكر المناهض للحوثيين.

لكن إطلاق المجلس الرئاسي دفع السعودية والإمارات إلى إعادة ترتيب المشهد العسكري على الأرض فيما يسمى بالمناطق المحررة. ويشمل ذلك عزل العديد من القادة العسكريين الموالين لحزب التجمع اليمني للإصلاح، وتعيين القادة التابعين للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذين يطالبون بقدر أكبر من الحكم الذاتي للمناطق الجنوبية، أو حتى الانفصال عن الشمال. وأدت إعادة الترتيب إلى مواجهات عسكرية اندلعت في شبوة بين بعض القوات الحكومية وقوات دفاع شبوة المدعومة من المجلس الانتقالي الجنوبي وكتائب العمالقة. على الجانب الآخر، عززت السعودية قواتها المتمركزة بالقرب من معبر الوديعة الحدودي لمواجهة أي توترات عسكرية أو أمنية محتملة قد تنشأ.

على الرغم من أن المناطق الحدودية الشمالية الشرقية لا تشهد حاليًا أي مواجهات عسكرية، إلا أن الوضع الأمني لا يزال هشًا، وتعتبر هذه المناطق واحدة من بؤر شبكات التهريب، مع وجود العديد من الطرق على جانبي الحدود. علاوة على ذلك، يتواصل تدفق المهاجرين الأفارقة من إثيوبيا والصومال عبر السواحل الجنوبية لليمن نحو هذه المناطق الحدودية، حيث يلتقي المهاجرون بالمهربين الذين يساعدونهم في عبور الحدود. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من المهاجرين يفضلون البقاء في المدن القريبة من الحدود مثل حضرموت ومأرب والجوف، حيث يمكنهم الوصول إلى المعلومات التي تساعدهم على تقليل المخاطر عند تهريبهم عبر الحدود. وبينما يفضل آلاف المهاجرين الجانب الغربي من الحدود للوصول إلى وجهتهم النهائية في السعودية، يفضل البعض الآخر الجانب الشمالي الشرقي بسبب غياب المواجهات العسكرية، مما يجعل عملية الهجرة أقل خطورة.

 

الحدود الشرقية

في ضوء بعدها عن مناطق النزاع، ظلت الحدود اليمنية العمانية مستقرة نسبيًا خلال السنوات الثلاث الأولى من الصراع. لكن في نوفمبر 2017، شهدت محافظة المهرة وصول أولى القوات العسكرية السعودية إلى أراضيها وعند انتشارها، سيطرت القوات السعودية مع وحدات عسكرية محلية أخرى مدعومة سعوديًا على المؤسسات الحيوية في المحافظة، بما في ذلك مطار الغيضة وميناء نشطون والمعسكرات العسكرية الساحلية وغيرها. أدى ذلك إلى اندلاع شرارة المقاومة بين قبائل المهرة، الذين اعتبروا هذه التحركات محاولة سعودية لتقويض استقرار الحدود وفرض المزيد من القيود عليها.

من ناحية أخرى، دفع الوجود العسكري السعودي المكثف في المهرة سلطنة عمان إلى الابتعاد عن الموقف المحايد الذي اتخذته منذ بدء الحملة العسكرية للتحالف في عام 2015. وكوسيلة لإظهار استيائها من انتشار القوات بقيادة السعودية. بدأت السلطنة في دعم قبائل المهرة التي رفضت الوجود العسكري السعودي والإماراتي في المحافظة. بالنظر إلى الروابط الاجتماعية والثقافية على طول الحدود العمانية اليمنية، تعاملت عُمان مع القبائل المهرية كخط دفاع أول منذ تمرد ظفار الذي انتهى في عام 1976. ومن أجل إظهار معارضتها، نظمت قبائل المهرة اعتصامًا مفتوحًا في مدينة الغيضة مطالبة القوات السعودية بمغادرة المحافظة وتسليم المؤسسات والمناصب العامة للسلطات المحلية. إلا أن الاعتصامات السلمية رافقها حالة من العسكرة المستمرة، خاصة بعد أن نشرت السعودية مزيدًا من القوات في جميع مديريات المحافظة تقريبًا، والتي تتمركز قواتها حاليًا في ست مناطق عسكرية وعشرات نقاط التفتيش المنتشرة.

وبحسب التحالف بقيادة السعودية، فإن الانتشار الأمني هو خطوة لحماية المهرة من الجماعات الإرهابية. بالإضافة إلى ذلك، يسعى الوجود العسكري في المهرة إلى مكافحة عمليات التهريب في المحافظة، والتي ازدادت منذ اندلاع الحرب. ويدعي التحالف أن المهرة هي إحدى النقاط الرئيسية التي يستخدمها الحوثيون لتهريب الأسلحة والصواريخ. ومع ذلك، لا يمكن فصل عسكرة الحدود اليمنية العمانية عن التوترات الخفية بين الرياض ومسقط، خاصة بعد رفض الأخيرة الانضمام إلى حملة التحالف وحافظت على علاقات جيدة مع جماعة الحوثي.

في الواقع، يعتبر التهريب ظاهرة متجذرة في المهرة ونشاط اقتصادي مهم، خاصة في المناطق الساحلية. ومع ذلك، فإن العديد من المواد المهربة هي سلع مشروعة مثل الوقود والسيارات والمواد الغذائية. يسهل موقع المهرة النائي وضعف الحكومة المركزية هذه الأنشطة الاقتصادية. أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية، خلال السنوات الثلاث الماضية، تفكيك عدد من عمليات التهريب المرتبطة بالحوثيين، والتي نشرت بعض تفاصيلها وتشمل نقل أسلحة أو مواد تستخدم في أغراض عسكرية. واتهم التحالف بشكل ضمني وصريح الكيانات القبلية المدعومة من عمان في المهرة بمثل هذه الأنشطة. ونفى المهريون هذا الاتهام ووصفوا هذه المزاعم بأنها ورقة توت لتبرير عسكرة المهرة.

اليوم، أصبحت الحدود العمانية اليمنية منطقة عسكرية، تشهد توترات منتظمة بين القوات السعودية ورجال القبائل المسلحة التي ترعاها عمان. وعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي يسود المحافظة حاليًا، فإن التغييرات العسكرية والسياسية في اليمن يمكن أن تتصاعد في أي لحظة على هذه الجبهة.

 

الحدود البحرية الجنوبية

على عكس المناطق الحدودية الأخرى، فإن المناطق الحدودية البحرية الجنوبية لها ديناميكيات مختلفة. إنها منطقة ذات أولوية بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي يتمركز وكلائها هناك بشكل مكثف. والقوات العسكرية والأمنية المدعومة من الإمارات والمنتشرة على الساحل لا مركزية حيث تسيطر قوات النخبة الحضرمية على ساحل حضرموت، فيما تسيطر قوات دفاع شبوة، الاسم الجديد لقوات النخبة الشبوانية، على جميع أحياء محافظة شبوة الساحلية، خاصة بعد إخراج القوات الحكومية المناوئة للإمارات من هذه المواقع. فيما تهيمن الأحزمة الأمنية وقوات الأمن الأخرى التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على باقي المناطق الساحلية.

مع أكثر من 1000 كيلومتر من الخط الساحلي الممتد من المهرة إلى عدن، فإن الحدود البحرية الجنوبية هي أكثر طرق دخول البضائع المهربة شيوعًا من البحر. وعادة ما يعتمد المهربون على قوارب صغيرة ومتوسطة الحجم لنقل البضائع المهربة. علاوة على ذلك، تعد هذه المنطقة البوابة الرئيسية لموجات المهاجرين القادمين بانتظام إلى اليمن من القرن الأفريقي. وأصبح التهريب موردًا اقتصاديًا لسكان المناطق الساحلية، خاصةً مع تلاشي الفرص الاقتصادية منذ بداية الحرب في عام 2014. وتتم إدارة معظم أنشطة التهريب في هذه المناطق من خلال شبكات التهريب المنظمة ولها علاقات متبادلة واسعة النطاق مع الجماعات اليمنية المتصارعة؛ يحدث هذا على الرغم من عملية العسكرة في هذه المناطق.

ولا تقتصر عسكرة الحدود على المناطق الساحلية، بل تمتد إلى الجزر اليمنية في خليج عدن، التي شهدت خلال السنوات الماضية سباقًا عسكريًا بين الإمارات والسعودية. أصبح أرخبيل سقطرى مسرحًا للعديد من التوترات العسكرية 53 منذ عام 2018 وبداية عام 2020؛ اندلعت اشتباكات مسلحة بين قوات حكومة هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي والتشكيلات العسكرية المدعومة من الإمارات، وانتهت بتولي الأخيرة السلطة المحلية في الجزيرة. واليوم، تستضيف الجزيرة قوات عسكرية سعودية يتراوح عددها بين 2000 و2500. لكن محافظ المحافظة (حاكم الجزيرة) وقد جعل هذا الجزيرة جزءًا من دائرة نفوذ الإمارات في المنطقة.

 

الحدود البحرية الغربية

يعتبر الساحل الغربي، الذي يمتد من منطقة ذي باب في تعز إلى مديرية التحيتا بمحافظة الحديدة، من أكثر طرق التهريب نشاطًا نظرًا لقربه من القرن الأفريقي. إنها المنطقة الأكثر استراتيجية من بين جميع المناطق الحدودية اليمنية. ويشمل مضيق باب المندب، وهو رقبة ضيقة من المياه تفصل البحر الأحمر عن المحيط الهندي. يتدفق حوالي 4.8 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية عبر المضيق، مع اتجاه حوالي 2.8 مليون برميل شمالًا باتجاه أوروبا، ويتجه 2 مليون آخر في الاتجاه المعاكس.

منذ بدء عملياته العسكرية، كان التركيز الرئيسي للتحالف الذي تقوده السعودية على إبقاء هذه المنطقة الحدودية خارج نفوذ جماعة الحوثي. كانت المعركة الأولى التي خاضها التحالف في منتصف عام 2015 بالقرب من عدن، بهدف إعادة الحوثيين إلى المحافظات الداخلية، حيث كان دعم التحالف للسكان المحليين الذين يقاتلون الحوثيين أقل حماسًا. بعد هزيمة الحوثيين في عدن، واصلت القوات بقيادة قوات العمالقة المدعومة من التحالف، وكتائب المقاومة التهامية، وقوات أخرى باتجاه الساحل الغربي حتى وصلت إلى الحديدة منتصف عام 2018، قبل أن تتدخل الأمم المتحدة وتوقف الأعمال العدائية من خلال اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018. أدى إلى انقسام الحديدة بين الطرفين المتحاربين، قبل أن يقرر التحالف في أواخر عام 2021 الانسحاب من مناطق واسعة وإعادة نشر قواته في مواقع أخرى.

طارق صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح، كسر الاتفاق مع جماعة الحوثي بعد انهيار التحالف بين الحوثيين و”صالح”، الذي ثار على الجماعة قبل مقتله في ديسمبر / كانون الأول 2017. هذا التحول دفع طارق للانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية. وبهدف الاستفادة من إرث عمه، دعم التحالف طارق صالح في إنشاء قوة عسكرية جديدة تسمى “حراس الجمهورية”، والتي أصبحت القوة الرئيسية التي تؤمن الحدود البحرية الغربية، بما في ذلك مضيق باب المندب. وتتمركز القوات في مدينة المخا وتسيطر على عدة مواقع في المنطقة المجاورة. وتقدر الإحصاءات غير الرسمية عدد هذه القوات بنحو 30 ألف مقاتل، منهم مع بعض التشكيلات العسكرية الأخرى للتحالف الموجودة في نفس المناطق.

على مدار العقود الماضية عُرف الساحل الغربي لليمن بأنه أحد أكثر طرق التهريب شيوعًا في البلاد. مع تفكك الدولة الصومالية في التسعينيات، كانت شبكات التهريب نشطة للغاية قبالة الساحل الصومالي، اُستخدمت السواحل اليمنية أيضًا في أنشطتهم. تقوم الشبكات هذه بتهريب كل شيء تقريبًا بما في ذلك المخدرات والسموم الزراعية المحظورة والأسلحة وغيرها. ونظرًا للانتشار العسكري على طول الساحل الغربي، تقلص نشاط التهريب في بعض المناطق، لكن شبكات التهريب بدأت بالاعتماد على طرق جديدة خارج المناطق التقليدية لمواصلة أنشطتها.

على الجانب الآخر من الساحل الغربي تتمركز قوات الحوثي. ومنذ معركة الحديدة عام 2018، عزز الحوثيون الأراضي الساحلية الغربية بآلاف المقاتلين لمنع أي تقدم من القوات المدعومة من التحالف. يسيطر الحوثيون اليوم على معظم الحدود البحرية للحديدة ويديرون ميناء الحديدة الرئيسي بجانب ميناء الصليف البحري. علاوة على ذلك، تتيح هذه المناطق لجماعة الحوثي الوصول إلى البحر الأحمر، والذي من خلاله يتمكن التنظيم من تلقي الدعم الذي يحتاجه. في السنوات السبع الماضية، أشارت العديد من التقارير إلى أن الحوثيين يحصلون على عدد متزايد من الأسلحة من الإيرانيين عبر هذه الطرق الساحلية. بالإضافة إلى ذلك، يستخدم الحوثيون هذا المدخل البحري لتوسيع أنشطتهم العسكرية في البحر الأحمر.

خلاصة،

العسكرة المتزايدة للحدود في اليمن ليست ديناميكية مؤقتة سببتها الحرب المستمرة. في الواقع، إنها عملية ستشكل الجغرافيا السياسية لليمن على المدى الطويل. أمن الحدود هو الشاغل الأكبر للسعوديين وهو الموضوع الرئيسي لمحادثاتهم مع الحوثيين خلال جولات التفاوض المختلفة. تعتبر أفكار إنشاء منطقة حدودية عازلة أو بناء حواجز حدودية من بين الحلول التي يقترحها السعوديون لمنع أي تهديد محتمل. بغض النظر عن التدابير الحدودية التي يمكن الاتفاق عليها في المستقبل، من المرجح أن يزداد اتجاه عسكرة الحدود في اليمن بعد الصراع.

على الجانب الآخر، ستواصل الإمارات دعم وكلائها على الحدود البحرية الجنوبية والغربية من أجل مراقبة طرق الشحن البحري، ومنع الجماعات المسلحة الأخرى في اليمن من الوصول إلى هذه المناطق. على الجبهة الشرقية، ستظل عمان قلقة من تنامي الوجود العسكري السعودي بالقرب من حدودها، وهذا سيدفعها لزيادة دعمها لقبائل المهرة، وجعل محافظة المهرة النائية ساحة منافسة بين البلدين الجارين.

مع استمرار القتال في المناطق الداخلية بين الجهات المحلية وانعدام الثقة الذي يثني اليمنيين عن التحرك نحو أي تسوية سياسية، من الواضح أن الفتنة والقتال سيتسعان فقط في السنوات المقبلة. لهذا السبب، لا تزال اليمن مجزأة في أطراف كثيرة دون مركز واحد موحد، كما أن العسكرة المتزايدة لحدودها تعزز شبكات التهريب، بسبب الدور الاقتصادي الذي تلعبه الجماعات المسلحة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى