كتابات خاصة

صوم فلانة

سلمان الحميدي

الآن يقولون لنا، إن هذا الصوم سهل، بل ليس صومًا مقارنة بالأيام التي صاموها أيام زمان.

أي جيل لابد أن يبدي تميزه على الجيل الذي يليه حتى بالصوم.

الآن يقولون لنا، إن هذا الصوم سهل، بل ليس صومًا مقارنة بالأيام التي صاموها أيام زمان.
يقولون إنهم كانوا يدوخون ويغمى عليهم، خاصة الذين عاشوا في الغربة. يعملون من ساعات الصبح الأولى، تيبس البلاعيم ويضيع الريق. كانت الشمس غير الشمس، والوقت طويل غير الوقت، والظمأ غير الظمأ، وأصحاب الأعمال لا يرحمون. لا يرحمون الأجراء خاصة في الغربة.
بمجرد الغروب يشربون حتى لا يستطيعون النهوض، تتحول بطونهم إلى بحيرات.
انتظرت آذان المغرب مع أحد المغتربين، قال لي إن ما نفعله “مش صوم”.
الصوم لله وهو يجزي به..
في كتاب الجوع لابن أبي الدنيا، قال إن الآية التي تقول: «كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية»، نزلت في الصوّام، وحسب ما استشهد به ابن رجب الحلبي، في “لطائف المعارف” قال، جاء في التوراة:
«طوبى لمن جوّع نفسه ليوم الشبع الأكبر،
طوبى لمن ظمَّأَ نفسه ليوم الري الأكبر،
طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيبٍ لم يره».
الصوم واحد، ولكن الوقت تغير، وجيل الحليب الصناعي غير جيل الرضاعة الطبيعية، علينا أن نراضي الأولين الذين يبست حلوقهم عندما صاموا.
شخصيًا أتذكر أول يوم صمته في حياتي، كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكان الناس يشيدون ببنات في القرية كن أصغر مني. كن يصمن فقررت أن أصوم.
في ذلك اليوم تسحرت، ولأن النوم يخفف من وطأة الجوع، فقد استيقظت قبل مطلع الشمس على غير الأيام التي مضت، طار النوم، كنت أعد الدقائق دقيقة دقيقة، عندما تدخل في تحدٍ فلا بد أن تعيش متاعبه حتى الرمق الأخير، عندما يكون التحدي الأول تضطرب الهرمونات، تتحرك الخلجات في أعماق المتحدي انتظارًا للحظة الأخيرة: الفوز أو الخسارة.
جعت في الظهيرة، لم أفطر.
«فلانة صامت، فلانة أصغر منك، مو أنت من فلانة».
الآخرون صنعوا لي ندًا، الآخرون هم الجحيم كان سارتر يقول، هل أرادوا لي الجنة.
كرهت فلانة وتمنيت لها الموت، عند العصر.
لم تستطع أمي ولا أبي أن يقنعاني بأن أفطر، رفضت كل وعودهما لي، لابد أن أفوز، من خلفكم أعين شقيقاتي اللواتي يصغرنني بسنة وسنتين، يقلن لي: مو أنت من فلانة؟
كان الوقت نحو المغرب سلحفاة مقيدة..
اطّرحت على الأرض، أصبت بالصفرة، وهي العلامة الممهدة للملاريا عند الريفيين، يتحول الفم إلى علقم.
ضمرت مثل شجرة، ومن بعد المغرب بدأت أنمو مثل إكليل الليل.. هل إكليل الليل شجرة؟
لا أريد أن أسمع المعايرة مرة أخرى، أريد أن أسمع الناس يقولون لأترابي: مو أنت من سلمان؟ بدلًا من: مو أنت من فلانة؟
لم أسمع غير: فلانة صامت أكثر منك؟
سأدخل في تحدٍ آخر لصيام أيام أخرى.
كانت تلك الأيام من أيام الأولين، كلما ذكرت الصوم السهل عشت بذكريات الأيام..
وكلما تحدث الأولون عن صيامهم الشاق حد الإغماء حدثتهم عن اليوم الأول.. وهكذا رأسًا برأس.
المقال خاص بـ(يمن مونيتور) ويمنع إعادة نشره دون الإشارة إلى مصدره الأصلي.
*المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن سياسة “يمن مونيتور
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق