كأس العالم في حياة مشجع يمني.. مرآة للحرب والسلام

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ الجزيرة الإنجليزية من سعيد البطاطي
قبل أسابيع من انطلاق بطولة كأس العالم لهذا العام، تعطلت البطارية الاحتياطية لعادل محسن، ولم يكن بمقدوره تحمل تكاليف استبدالها، مما يعني أنه سيبقى بلا تيار كهربائي في منزله خلال فترات انقطاع الكهرباء المتكررة والمستمرة.
كما ضربت أزمة نقص الوقود مدينته المكلا، الواقعة شرقي اليمن، ليجد مشقة بالغة في تأمين ما يكفي لدراجته النارية، الأمر الذي حدّ من قدرته على التنقل لمشاهدة المباريات في الخارج.
يعيش عادل حالة من الإحباط؛ فهذا العشاق لكرة القدم، البالغ من العمر 56 عاماً، واظب على متابعة كل بطولات كأس العالم منذ عام 1982، متحدياً الحروب والانهيار الاقتصادي والاضطرابات السياسية. بيد أنه هذا العام لم يعد قادراً على الهروب من الواقع المرير الذي خلفه أكثر من عقد من الحرب والأزمات الاقتصادية في اليمن.
ويقول عادل للجزيرة، بينما يجلس على مقعد خشبي شاخصاً ببصره نحو شاشة عرض عامة عملاقة في ملعب محلي: “أعتقد أن هذه النسخة هي الأسوأ من كأس العالم، إذ قد تفوتني مباريات كثيرة بسبب انقطاع التيار الكهربائي”.
ورغم سداده قيمة الاشتراك في خدمة تلفزيونية محلية تبث المباريات، لم يتمكن عادل من توفير مبلغ 200 دولار اللازم لشراء بطارية احتياطية للمنزل، كما لم تكن لديه القدرة المالية لشراء باقات الإنترنت اللازمة لمشاهدة المباريات بثاً مباشراً عبر هاتفه المحمول. وبناءً على ذلك، شكل الملعب المحلي الخيار الأفضل له لمتابعة كأس العالم 2026.
وقبيل انطلاق المباراة الافتتاحية بين جنوب أفريقيا والمكسيك، دوى صوت المولدات الكهربائية في أرجاء المكان، واشتغل جهاز العرض (البروجكتور) قبل دقائق معدودة من صافرة البداية.
كانت الساحة مظلمة، وأرضيتها مبلطة بصفائح حجرية بالية، حيث جلس رجلان يمضغان القات – وهي أوراق منشطة تستهلك على نطاق واسع في اليمن – متكئين بظهورهما على كتل إسمنتية، فيما استرخى آخرون على منصة مرتفعة يتصفحون هواتفهم المحمولة أثناء المضغ. كانت الحرارة والرطوبة خانقتين، والجميع يتصبب عرقاً.
وسرعان ما دخل عادل في أجواء كأس العالم.
وقال وهو يلقي نظرة على هاتفه المحمول القديم لمراجعة ملاحظات يأمل في استخدامها لاحقاً في تحليل كروي لقناة تلفزيونية محلية أو لوسائل التواصل الاجتماعي: “سيواصل المكسيكيون الهجوم حتى يسجلوا هدفاً”.
ولم يلبث توقعه أن تحقق سريعاً، حيث أحرزت المكسيك هدف الافتتاح. وأوضح قائلاً: “أنا الآن أتابع المباريات بعين المحلل وليس كشخص عادي، وكما ترى، لا يوجد هنا سوى عدد قليل من المتفرجين نظراً لأن كلا الفريقين لا يحظيان بجماهيرية واسعة؛ فاللقاءات التي تجمع المنتخبات الكبرى كالبرازيل، أو المنتخبات العربية، عادة ما تجذب حشوداً غفيرة من المشجعين”.
عشق كرة القدم
في عام 1982، استضافت إسبانيا بطولة كأس العالم لكرة القدم، وذلك بعد سنوات قليلة فقط من دخول التلفزيون لأول مرة إلى المكلا ومدن أخرى في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة، المعروفة باسم اليمن الجنوبي.
كان عادل حينها في الثانية عشرة من عمره، وهو يتذكر بوضوح المكان الذي كان يتجمع فيه مع مشجعين آخرين لمشاهدة المباريات.
ويقول والبسمة ترتسم على محياه: “كانت تلك البطولة بمثابة الحب الأول المحفور في الذاكرة. ورغم أنني كنت مجرد طفل آنذاك، فإنني لا أزال أتذكر أسماء اللاعبين والملاعب التي أقيمت عليها تلك المباريات. كانت البرازيل تمتلك واحداً من أعظم أجيالها الكروية بوجود نجوم مثل زيكو، وفالكاو، وإيدير، وقد قدموا عروضاً خارقة. كما تميزت تلك البطولة باللعب الخشن لمدافعي إيطاليا، لا سيما [كلاوديو] جينتيلي، الذي مرت تكتيكاته العنيفة دون عقاب”.
وجد عادل نفسه مسمراً أمام التلفاز برفقة والده وإخوته يتابعون البطولة معاً. وأضاف: “الأجواء المحيطة بالمباريات كانت عائلية؛ كنا نعشق الرياضة، وكان من لا يملكون أجهزة تلفزيون يتجمعون في منازل جيرانهم للمشاهدة معاً”.
في ذلك الوقت، كانت المباريات تُسجل في عدن، عاصمة اليمن الجنوبي، ثم تُرسل مسجلة على أشرطة عبر الحافلات إلى محطة التلفزيون في المكلا، مما يعني أن المشجعين هناك كانوا يشاهدون المباريات متأخرة يوماً كاملاً. وأردف: “نظراً لأنها كانت البطولة الأولى التي يشهدها الناس عبر التلفزيون، فقد تأثروا بها بشدة واستمتعوا بالمباريات وكأنها تبث حية”.
كرة القدم في زمن الحرب
في يناير 1986، سقط آلاف القتلى والجرحى في عدن إثر اندلاع اقتتال داخلي بين فصائل متناحرة في الحزب الاشتراكي الحاكم. وبعد أشهر، ومع انقشاع غبار المعارك وفرار الجنود المهزومين إلى اليمن الشمالي، أحكم المنتصرون قبضتهم على البلاد. وفي العام نفسه، استضافت المكسيك نهائيات كأس العالم.
كان عادل في السادسة عشرة من عمره، مسمراً أمام التلفاز نفسه وفي الغرفة ذاتها بمنزل عائلته. واستذكر قائلاً: “كنت في المرحلة الثانوية، وتابعت المباريات بتقدير أعمق للعبة وليس كمتفرج عادي؛ تلك البطولة كانت بطولة [دييغو] مارادونا بامتياز”.
بحلول عام 1990، وهو العام الذي توحد فيه شمال اليمن وجنوبه، كان محسن لاعب كرة قدم في العشرين من عمره يلعب كهاوٍ لصالح أندية محلية. وأثناء مشاهدته لكأس العالم في إيطاليا، كان يدرس التكتيكات والمهارات ليطبقها خلال الحصص التدريبية والمباريات في صنعاء، وعدن، والحديدة، وتز.
بيد أن شهر عسل الوحدة لم يدم طويلاً؛ ففي عام 1994 اندلعت الحرب الأهلية، ومع انطلاق كأس العالم في الولايات المتحدة، بث القتال الرعب في أوصال المدن اليمنية.
وقال عادل: “كانت تلك أسوأ نسخة شاهدتها من كأس العالم، بل كانت البطولة الأصعب على الإطلاق لأن الناس كانوا قلقين بشأن الحرب وما ستؤول إليه الأوضاع بعدها. كان الوضع الأمني متزعزعاً، وانقطاع الكهرباء المتكرر زاد من صعوبة متابعة المباريات، فكنت أشاهد مباراة واحدة وتفوتني ثلاث”.
المشاهدة في مواجهة الصعاب
ومع تقدم عادل في السن، عاد ليستقر في دوره كمشاهد للعبة عوضاً عن ممارستها كلاعب.
كما شهد اليمن فترة أقل اضطراباً في أعقاب الحرب الأهلية عام 1994، بعدما خرج الرئيس آنذاك علي عبد الله صالح وقواته ذات الأغلبية الشمالية منتصرين. وتلا ذلك استقرار نسبي، فكانت متابعة بطولات 1998، و2002، و2006، و2010 أمراً يسيراً على عادل.
ولكن بعد ذلك جاءت بطولة كأس العالم 2014 في البرازيل، متزامنة مع انزلاق اليمن بشكل أعمق في أتون عدم الاستقرار، حيث كثف تنظيم القاعدة في جزيرة العرب هجماته، في حين توسع المتمردون الحوثيون خارج معقلهم الشمالي. وقال عادل: “كانت البلاد تدخل أزمة سياسية واقتصادية جديدة”.
وقد نجت المكلا إلى حد كبير من المعارك داخل المدينة خلال الـ 12 عاماً من الحرب التي تلت ذلك – مع بعض الاستثناءات مثل النزاع الذي دار في نهاية عام 2025 بين الحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي. وغالباً ما تقف المشاكل الاقتصادية ونقص الخدمات حائلاً بين عادل والقدرة على مشاهدة رياضته المفضلة.
غير أنه ورغم انقطاع التيار الكهربائي، والضغوط الاقتصادية المتصاعدة، والانتقادات الموجهة من أولئك الذين يرون في الرياضة رفاهية ببلد تعصف به الأزمات، يبقى عادل مصمماً على مواصلة طقسٍ واظب عليه لأكثر من أربعة عقود.
وقال وهو يتحرك على مقعده الخشبي بينما يضيء وهج الشاشة العملاقة وجهه المتصبب عرقاً: “أرى في الرياضة متنفساً من المشقة. يتساءل الناس لماذا نتحدث عن كرة القدم في ظل وجود كل هذه المشاكل؟ ماذا يريدون منا أن نفعل – هل ننتحر؟ إن الرياضة تمنحنا هروباً مؤقتاً من كل المصاعب التي تحيط بنا”.
ولدى عادل توقع بشأن الفائز بلقب هذا العام: فرنسا.



