قراءة في “عقيدة الاستقرار” السعودية.. عبد الرحمن الراشد يفكك شفرة التحولات الكبرى في الملف اليمني

يمن مونيتور/ نيوم/ خاص:
قدم الكاتب والمحلل السياسي السعودي عبد الرحمن الراشد، يوم الجمعة، قراءة استراتيجية شاملة حول مستقبل اليمن والمنطقة خلال مؤتمر “الاستثمار بحر”، متناولاً التحولات الجذرية في موازين القوى الميدانية والسياسية في اليمن.
واستهل الراشد طرحه بالتأكيد على أن المنطقة تمر بمرحلة مفصلية قد تكون الأخطر منذ عام 2003، معتبراً أن استقرار اليمن يمثل ركيزة أساسية للأمن القومي الإقليمي وللمشاريع التنموية الكبرى التي تقودها المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030، وهو ما يتطلب إنهاء حالة التشظي السياسي والعسكري التي طال أمدها.
إعادة هيكلة المعسكر الشرعي وإنهاء الازدواجية السياسية
يرى الراشد في قراءته التي تابعها “يمن مونيتور” أن تعدد الكيانات السياسية والعسكرية داخل معسكر الحكومة المعترف بها دولياً كان العائق الأبرز أمام تحقيق تقدم ملموس في الأزمة، موضحاً أن وجود المجلس الانتقالي ككيان مستقل تسبب في إضعاف الموقف العام.
وأكد الراشد في حديثه أن “وجود الانتقالي ككيان سياسي مستقل عن بقية اليمن، وفي ظل وجود الحكومة الشرعية، جعل يمنيين في معسكر واحد يقاتلون بعضهم البعض، وهذا كان يسبب قلاقل كثيرة”، مشدداً على أن هذه الحالة من “الفوضى على الهامش” استنزفت طاقات الدولة وعرقلت مهام الرئيس الشرعي الذي يحظى باعتراف دولي استثنائي.
واتسم حديث الراشد بالصراحة السياسية، حيث اعتبر أن التغييرات الأخيرة في الجنوب اليمني لم تكن “إقصاءً” بقدر ما كانت “تصحيحاً لمسار عسكري وسياسي خاطئ” أعاق استعادة الدولة لسنوات.
وفيما يخص التطورات الميدانية الأخيرة في المحافظات الشرقية، اعتبر الراشد أن التحركات التي استهدفت مناطق كحضرموت مثلت تجاوزاً للأمن القومي، واصفاً إياها بأنها “خط أحمر” لم يكن من الممكن للمملكة التغاضي عنها.
وأوضح في هذا السياق أن “دخول حضرموت كان زي دخول قوات أخرى ووضع حدودها على حدود دول أخرى، وأي دولة لا يمكن أن تقبل وضع قوات على حدودها”، مشيراً إلى أن العملية الحالية نجحت في إعادة توحيد الجغرافيا اليمنية لتصبح المساحة التي تعادل “ضعف مساحة سوريا مرتين” تحت قيادة شرعية واحدة لأول مرة منذ سنوات.
وأشار إلى أن الهدف النهائي هو إنهاء حالة “الشرذمة” وضمان أمن الممرات المائية الحيوية، وهو ما ينسجم مع الرغبة الدولية في تأمين سلاسل الإمداد العالمية التي يمثل البحر الأحمر شريانها الرئيسي.
- حصري- سقطرى.. ماذا وجد الفنيون السعوديون عقب “الطرد المفاجئ للإمارات”؟
- لماذا تراهن مصر على الشراكة الأمنية مع السعودية الآن؟
عولمة الأزمة الحوثية واستراتيجية تجفيف المنابع
انتقل الراشد لتحليل وضع جماعة الحوثي، واضعاً إياها في سياق دولي يتجاوز الصراع المحلي، حيث أكد أن “الحوثي قضية دولية صار الآن”، رابطاً استمرار تهديداته بأمن الممرات المائية الحيوية التي تهم القوى الكبرى.
وأشار إلى أن الجماعة تمتلك طبيعة عقائدية تجعلها تختلف عن النماذج السياسية الأخرى، مما يتطلب استراتيجية تعامل مغايرة تعتمد على الضغط الشامل وتغيير قواعد اللعبة الإقليمية التي تمد الجماعة بأسباب البقاء، خاصة في ظل انهيار نفوذ الوكلاء الآخرين في المنطقة.
وكشف الراشد عن تحول حاسم في الجانب الاقتصادي والعسكري للمواجهة، مبيناً أنه “لأول مرة منذ بدء الحرب، يتم تطبيق حصار حقيقي وكامل ومطبق” على الحركة الحوثية، وهو ما أدى بحسب شهادات مختصين يمنيين إلى “تجفيف منابع موارد الحوثي المالية تماماً” خلال الأشهر الأربعة الماضية.
وأكد الراشد أن “وضع الحوثي هو الأسهل في التغيير من وضع النظام في إيران”، رغم اعترافه بأن تحرير صنعاء يحتاج إلى وقت وتنسيق عسكري واسع نظراً لتحصيناتها.
يعتبر الراشد أن المنطقة تعيش حالياً المرحلة الأكثر خطورة منذ عام 2003، واصفاً المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران بأنها “الجولة الثانية” الحاسمة. ويرى أن الضغوط الحالية تتركز على ثلاثة مطالب رئيسية لا تستطيع طهران التخلي عنها بسهولة: التخصيب، البرنامج الباليستي، والوكلاء الإقليميين. ومع ذلك، فإن “اللعبة الكبرى” الحقيقية تكمن في قطاع الطاقة، وتحديداً الغاز، حيث تبرز إيران كثاني أغنى دولة في العالم من حيث الاحتياطي، بينما مبيعاتها الحالية تضعها في ذيل القائمة العالمية.
الاستقرار اليمني كشرط أساسي للازدهار الاقتصادي الإقليمي
في المحور الختامي، ربط الراشد بين المسار السياسي لليمن وبين الطموحات الاقتصادية للمملكة والمنطقة، مؤكداً أن السعودية في العقد الأخير تركز على “مشروع اقتصادي وتنموي وليس مشروعاً سياسياً”. وقال إنه لا يمكن للمملكة تحقيق مشاريع رؤية 2030 دون “بيئة محيطة مستقرة”، واليمن يمثل الركن الأساسي في هذا الاستقرار الجغرافي.
وأوضح أن هذا التحول الكبير نحو التنمية لا يمكن أن يكتمل في ظل اضطرابات محيطة، حيث “لا تستطيع دول المنطقة بما فيها المملكة أن يكون عندها مشروع اقتصادي ناجح من دون ما تكون المنطقة ناجحة أيضاً ومزدهرة”، مما يجعل من إنهاء الحرب اليمنية ضرورة استراتيجية تخدم رؤية 2030.
وأكد الراشد أن مصلحة الدول الخليجية تكمن في وجود يمن مستقر وموحد يكون شريكاً في الرخاء المستقبلي، مشيراً إلى أن التغيير في اليمن أو إيران يمثل “تغيّر قواعد اللعبة (Game Changer)”- تحولات جذرية- سيعيد تشكيل ملامح الأربعين سنة القادمة.
وختم حديثه بالتأكيد على أن الهدف النهائي للتحركات الحالية هو خلق بيئة جاذبة للاستثمار وضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بإنهاء وجود الميليشيات المسلحة والكيانات الموازية التي تهدد سلاسل الإمداد العالمية وتعيق مسيرة التنمية في شبه الجزيرة العربية.



