خيارات طهران تضيق مع تصاعد تهديدات ترامب
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
يضع الإنذار الذي وجهه الرئيس ترامب لإيران، والذي يخيرها فيه بين التفاوض للتخلي عن برنامجها النووي أو مواجهة هجوم محتمل، طهران أمام معضلة جسيمة؛ إذ يهدد كلا المسارين بوضع النظام، المنهك أصلاً، في موقف أكثر خطورة وهشاشة.
إن قراراً بوقف تخصيب اليورانيوم، وهو مطلب أمريكي رئيسي، سيمثل تراجعاً علنياً مهيناً عن أولوية وطنية قصوى للمرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، فإن رفض هذا المطلب يرجح بشكل متزايد أن يدفع ترامب لإصدار أوامر بشن ضربات عسكرية، مما سيكشف بشكل أكبر عن مواطن ضعف الحكومة.
وفي كلتا الحالتين، يواجه النظام أخطر التهديدات الخارجية لبقائه منذ عقود، وذلك بعد احتجاجات عارمة اندلعت جراء أزمات اقتصادية عميقة، ووصلت إلى حد من الشدة لم يتمكن النظام من كبحه إلا عبر حملة قمع دموية.
وفي هذا السياق، قال آلان آير، الدبلوماسي الأمريكي السابق رفيع المستوى والمتخصص في الشأن الإيراني، والذي يعمل حالياً في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: “إن استراتيجيتهم الحالية تقتصر على كسب الوقت”. وأضاف: “إن رؤيتهم الاستراتيجية الشاملة تقوم على عدم تقديم تنازلات حين تكون في موقف ضعف، لأن ذلك من شأنه أن يغري الطرف الآخر بمزيد من العدوان”.
وكان ترامب قد صرح يوم الأربعاء بأن “أسطولاً ضخماً” يتحرك “بسرعة، وقوة هائلة، وحماس، وتصميم”، مؤكداً أنه “جاهز ومستعد وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وعنف إذا لزم الأمر”. وتشمل التعزيزات التي أرسلها البنتاغون إلى المنطقة حاملة طائرات مع ثلاث مدمرات للصواريخ الموجهة، وطائرات حربية، وأنظمة دفاع صاروخي.
وقد واجهت إيران موقفاً مشابهاً قبل عام من الآن، حين شنت إسرائيل ضربات محدودة أدت إلى إضعاف الدفاعات الجوية للبلاد، وفتكت بحليفتيها؛ ميليشيا حزب الله وحركة حماس. وفي ذلك الوقت، كان ترامب المنتخب حديثاً يهدد باتخاذ إجراء عسكري إذا لم تقدم طهران تنازلات بشأن برنامجها النووي.
بيد أن الضغوط هذه المرة تبدو أكثر وطأة؛ فقد ترنح النظام تحت وطأة حرب يونيو التي استمرت 12 يوماً، وتداعيات تشديد العقوبات على صادراته النفطية في الخريف الماضي. وفي الأشهر التي تلت ذلك، ارتفع سقف المطالب الأمريكية للتوصل إلى حل تفاوضي.
وإلى جانب الإصرار على وقف إيران لتخصيب الوقود النووي محلياً وتسليم مخزونها من اليورانيوم، أشار المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، إلى ضرورة قبول طهران بفرض قيود على ترسانتها من الصواريخ الباليستية، والتخلي عن دعمها للميليشيات في المنطقة.
من جهتها، رفضت إيران بعض شروط واشنطن؛ حيث صرح مسؤول إيراني رفيع بأن طهران لن تساوم على حقها في مواصلة التخصيب للأغراض المدنية، أو على الاحتفاظ بترسانتها الصاروخية التي تعتبرها ضرورية للدفاع عن نفسها.
ويرى بعض المحللين أنه حتى لو عرضت الولايات المتحدة تخفيف العقوبات التي سحقت الاقتصاد الإيراني مقابل قبول قيود على البرنامج النووي، فسيكون من الصعب على النظام قبول ذلك، نظراً لأن خامنئي قد جعل من البرنامج النووي رمزاً لتحدي إيران للغرب.
وفي هذا الصدد، قال داني سيترينوفيتش، ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق والباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: “المرشد الأعلى قادر على تقديم تنازلات، لكنها لا يمكن أن تمس الركائز الأساسية للنظام؛ مما يعني أنه لن يتخلى عن بناء القدرات الصاروخية، ولن يتوقف عن دعم الوكلاء، ولن يتنازل عن التخصيب”.
ويبدي المسؤولون الإيرانيون حذراً شديداً من تقديم تنازلات لترامب، مستشهدين بقراره الانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015، والهجوم الإسرائيلي المفاجئ في يونيو، والذي وقع قبل أيام فقط من الموعد المقرر لاجتماع الولايات المتحدة وإيران في جولة محادثات أخرى.
ورفض مسؤول في البيت الأبيض التعليق على المفاوضات، لكنه ذكر أن ترامب يشعر بالرضا لقرار إيران إلغاء خطط لإعدام أكثر من 800 شخص، و”يأمل في استمرار هذا التوجه”. بيد أن مدعي عام طهران، علي صالحي، فنّد ادعاء الرئيس بشأن تعليق عمليات الإعدام الأسبوع الماضي، قائلاً: “ترامب يتحدث دائماً بالكثير من الهراء”.
وفي محاولة لردع أي هجوم، يهدد المسؤولون الإيرانيون برد انتقامي واسع النطاق ضد القواعد والسفن الحربية الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل. إلا أن تنفيذ هذا التهديد يمثل في حد ذاته استراتيجية محفوفة بالمخاطر، تتطلب الكشف عن القوة الحقيقية لترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة، مما قد يستدعي مزيداً من التصعيد من جانب ترامب.
وأكد المسؤول الإيراني الرفيع أن بلاده لن يكون أمامها خيار سوى اعتبار أي هجوم أمريكي، سواء كان محدوداً أم لا، تهديداً وجودياً، والرد عليه بأقصى قوة ممكنة.
وقد يختار ترامب أيضاً استراتيجية تشديد الضغوط الاقتصادية على الاقتصاد الإيراني المترنح، وهو ما قد يشمل محاولة خنق صادرات طهران النفطية من خلال اعتراض ناقلات ما يعرف بـ “أسطول الظل”.
واعتبر سيترينوفيتش أن المراهنة على تصفية خامنئي أو توقع انقلاب أعضاء آخرين في النظام ضده تحت الضغط الأمريكي هو “أمل ضعيف”، نظراً للتماسك الذي تبديه القيادة الإيرانية في القمة.
ورغم كل النكسات التي مني بها النظام، لا توجد مؤشرات تذكر على مواجهته لانهيار وشيك، مثل حدوث انقسامات داخل القيادة أو انشقاقات في صفوف كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، المنظمة شبه العسكرية الوثيقة الصلة بخامنئي. وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن يوم الخميس عزمه إدراج الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية على خلفية قمع طهران للاحتجاجات.
واختتم سيترينوفيتش قائلاً: “لا يزالون يتمتعون بالتماسك، والنظام لا يزال يؤدي مهامه. إذا شعروا أن هذه الحرب تهدف إلى الإطاحة بالنظام، فإنها لن تسقطه؛ لأن تحقيق ذلك يتطلب وقتاً، وليس لدى ترامب أي نية لاستثمار هذا الوقت”.
المصدر: وول ستريت جورنال (عدد 30/1/2026) الصفحة 7




