التهديدات السيبرانية الحوثية في مواجهة السيادة الرقمية اليمنية: ماذا تكشف حملة GuardZoo؟
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الجنود أو الأسلحة التقليدية فحسب، بل أصبحت البيانات والمعلومات أحد أهم عناصر القوة والنفوذ. وفي هذا السياق، برز الفضاء السيبراني كساحة صراع موازية، تُستخدم فيها البرمجيات الخبيثة، وحملات التجسس، والهندسة الاجتماعية لتحقيق أهداف استخباراتية وعسكرية وسياسية دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة، وقد ضاعف الذكاء الاصطناعي هذه القدرات ايضا.
وبالنسبة لليمن، فإن مفهوم السيادة الرقمية لم يعد ترفًا فكريًا أو مصطلحًا تقنيًا، بل أصبح أحد مكونات الأمن الوطني، ويعني قدرة الدولة على حماية بياناتها، وبنيتها التحتية الرقمية، واتصالات مؤسساتها، ومعلومات مواطنيها وموظفيها من الاختراق والتجسس والتأثير الخارجي.
وفي ظل الحرب الممتدة، برزت حملة GuardZoo كإحدى أبرز العمليات السيبرانية الموثقة التي استهدفت مستخدمين في اليمن والمنطقة، مقدمة نموذجًا واضحًا لكيفية تحول الهاتف الذكي إلى منصة استخباراتية متنقلة، وما يترتب على ذلك من تحديات تمس السيادة الرقمية للدولة.
حملة GuardZoo عندما يتحول الهاتف إلى منصة استخباراتية
سلطت تقارير فنية صادرة عن شركتي Lookout و Recorded Future الضوء على حملة تجسس إلكتروني عُرفت باسم GuardZoo، اعتمدت على نشر تطبيقات أندرويد مزيفة تحمل أسماء أو وظائف تبدو مشروعة، من بينها تطبيقات خدمية وعسكرية ونسخ مزيفة من تطبيقات التواصل، وتطبيقات دينية، يتم توزيعها عبر روابط مباشرة أو قنوات خارج المتاجر الرسمية.
وبمجرد تثبيت التطبيق، تبدأ البرمجية الخبيثة بجمع كم هائل من البيانات تشمل الموقع الجغرافي، وجهات الاتصال، والرسائل، والصور، والملفات، ومعلومات الجهاز، ثم إرسالها إلى خوادم القيادة والسيطرة (Command and Control – C2). ولا تكمن خطورة هذه البرمجيات في سرقة البيانات فحسب، بل في قدرتها على تحويل الهاتف إلى مصدر استخباراتي متكامل، يسمح ببناء صورة دقيقة عن تحركات المستخدم، وعلاقاته، وبيئة عمله، وأنماط تواصله، وهو ما يمنح منفذي الهجوم قيمة استخباراتية كبيرة عند استهداف شخصيات عسكرية أو إعلامية أو حكومية.
كما أشارت شركة Lookout في أحدث تحليل علني لها إلى أن الحملة كانت لا تزال نشطة حتى مايو 2026م، وهو ما يعكس قدرة القائمين عليها على تطويرها والاستمرار في تشغيلها عبر أساليب توزيع متعددة. وقد ربطت التحليلات الفنية المنشورة حملة GuardZoo بجهات موالية للمليشيات الحوثية، مستندة إلى مؤشرات تقنية، من بينها تشابه في البنية التشغيلية وبعض أساليب العمل مع مجموعات سيبرانية ارتبطت في تقارير استخبارات التهديدات بأنشطة إيرانية. ومع ذلك، فإن من الضروري التمييز بين الإسناد الفني الذي يعتمد على تحليل البرمجيات والبنية التحتية الرقمية، وبين إثبات وجود إدارة مباشرة لكل عملية. ففي عالم الأمن السيبراني تظل عملية الإسناد من أكثر القضايا تعقيدًا، ولذلك تتعامل المؤسسات المتخصصة مع هذه النتائج بوصفها تقييمات استخباراتية تستند إلى الأدلة الفنية المتاحة، لا باعتبارها أحكامًا قطعية.
GuardZoo ليست الحالة الوحيدة بيئة تهديد متطورة
تكشف GuardZoo عن جانب واحد فقط من بيئة التهديدات السيبرانية التي تواجه اليمن والمنطقة. فقد وثقت شركات أمن سيبراني عالمية خلال السنوات الأخيرة حملات تجسس وتصيد إلكتروني استهدفت الشرق الأوسط باستخدام تطبيقات مزيفة، وصفحات تسجيل دخول وهمية، ورسائل تصيد موجهة، وأساليب هندسة اجتماعية متقدمة، ونُنسب عدد من هذه الحملات إلى مجموعات مرتبطة بإيران مثل MuddyWater وAPT35 (Charming Kitten) وغيرها. وهذا ما يعكس تطورًا مستمرًا في بيئة التهديدات الإقليمية، واعتمادها المتزايد على جمع المعلومات والاستخبارات الرقمية كجزء من أدوات الصراع الحديثة.
ومن الأمثلة الأخرى التي تعزز هذا النمط من التهديدات، حملة OilAlpha التي كشفت عنها وحدة Insikt Group التابعة لشركة Recorded Future، حيث استهدفت منظمات إنسانية وصحفيين وجهات عاملة في الشأن اليمني باستخدام تطبيقات أندرويد مزيفة وروابط تصيد تهدف إلى الحصول على معلومات حساسة. وتشير التحليلات الفنية إلى أن الهدف لم يكن التخريب أو تعطيل الأنظمة، بل الحصول على معلومات استخباراتية تتعلق بالاتصالات والملفات ومعلومات الأجهزة والأفراد، وهو ما يعكس اهتمامًا متزايدًا بجمع المعلومات عن الجهات الإنسانية والمدنية باعتبارها مصادر غنية للبيانات الميدانية وشبكات التواصل.
وتوضح هذه الحملات أن الجهات المنفذة لا تركز فقط على استهداف المؤسسات الحكومية أو العسكرية، وإنما توسع نطاق عملياتها ليشمل المنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام والباحثين والناشطين، بما يوفر قاعدة معلومات واسعة يمكن استثمارها في الأغراض الاستخباراتية أو العملياتية.
وتُعد المنظمات الإنسانية هدفًا ذا قيمة استخباراتية عالية، نظرًا لما تمتلكه من معلومات عن المجتمعات المحلية، ومسارات المساعدات، وبيانات المستفيدين، وشبكات الشركاء المحليين والدوليين، إضافة إلى تواصلها المستمر مع جهات حكومية ومنظمات دولية. وبالتالي فإن اختراق هذه الجهات قد يتيح للمهاجمين بناء صورة استخباراتية واسعة تتجاوز البيانات الشخصية لتشمل البيئة الإنسانية والمؤسسية في مناطق النزاع.
الذكاء الاصطناعي كيف قد يغيّر طبيعة التهديدات؟
التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي يدفع كثيرًا من مراكز أبحاث الأمن السيبراني إلى التحذير من إمكانية استفادة الجماعات المسلحة منها مستقبلًا في عمليات التجسس وجمع البيانات وتوظيفها. حيث يمكن لهذه الأدوات أن تُستخدم في تحسين حملات التصيد الاحتيالي، وإنتاج رسائل أكثر إقناعًا، وتحليل كميات ضخمة من البيانات المسروقة، وأتمتة بعض مراحل اكتشاف الثغرات، وإنتاج محتوى مضلل عالي الواقعية مثل الصور والفيديوهات المزيفة (Deepfakes). وهذا الأمر يستوجب الاستعداد له قبل أن يتحول إلى تهديد فعلي. أكدت تقارير حديثة صادرة عن شركات تقنية واستخبارات تهديد دولية مثل جوجل ومايكروسوفت، أن بعض المجموعات السيبرانية المدعومة من إيران بدأت توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز عملياتها السيبرانية والاستخباراتية، لا سيما في مجالات الاستطلاع، وإعداد رسائل التصيد الاحتيالي، وتحليل الثغرات، وإنتاج المحتوى الدعائي، وحملات التأثير الإعلامي.
وفي ضوء العلاقة الوثيقة بين الجماعة الحوثية وإيران، فإن انتقال هذه الخبرات أو الأدوات التقنية إلى الجماعة يمثل احتمالًا واقعيًا ينبغي الاستعداد له ضمن خطط الدفاع السيبراني الوطنية، بما قد يعزز قدرتها على تنفيذ حملات هندسة اجتماعية أكثر إقناعًا، وتحليل البيانات الاستخباراتية بكفاءة أعلى.
السيادة الرقمية خط الدفاع الأول
تكشف هذه التطورات أن حماية السيادة الرقمية اليمنية لم تعد قضية تقنية تخص المختصين وحدهم، بل أصبحت قضية أمن قومي تتطلب رؤية مؤسسية طويلة الأمد. ويشمل ذلك إنشاء فرق وطنية للاستجابة للحوادث السيبرانية، وتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية، ورفع مستوى الوعي الأمني، والاستثمار في تدريب الكوادر الوطنية، وتطوير التشريعات المنظمة للأمن السيبراني.
وفي هذا السياق، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة دفاعية مهمة، إذ يمكن توظيفه في تحليل السجلات الأمنية الضخمة، واكتشاف الأنشطة غير الطبيعية، وتحليل البرمجيات الخبيثة، ورصد مؤشرات الاختراق بصورة أسرع من الأساليب التقليدية، بما يعزز قدرة المؤسسات على اكتشاف الهجمات والاستجابة لها في مراحل مبكرة. وبالنسبة لليمن، حيث تعاني المؤسسات من محدودية الموارد البشرية والتقنية، فإن توظيف حلول الذكاء الاصطناعي الدفاعية قد يسهم في سد جزء من هذه الفجوة، شريطة أن يكون ذلك ضمن إطار وطني واضح يحكمه القانون وبناء القدرات المحلية.
خاتمة
تكشف حملة GuardZoo أن التهديدات السيبرانية لم تعد تقتصر على اختراق الأجهزة أو سرقة البيانات، بل أصبحت تمثل تحديًا مباشرًا للسيادة الرقمية للدول، ولقدرتها على حماية مؤسساتها ومواطنيها في الفضاء الإلكتروني. ورغم أن GuardZoo تعد واحدة من أبرز الحملات الموثقة التي استهدفت اليمن، فإنها ليست سوى مثال على بيئة تهديد أوسع وأكثر تعقيدًا، تتطور باستمرار مع تطور التقنيات الرقمية. ومن هنا، فإن تعزيز الأمن السيبراني، وبناء منظومة وطنية لحماية الفضاء الرقمي، والاستثمار في الكفاءات البشرية، والاستفادة المدروسة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الدفاعية، لم تعد خيارات مؤجلة، بل أصبحت متطلبات أساسية لترسيخ السيادة الرقمية اليمنية وحماية الأمن الوطني في عصر أصبحت فيه البيانات أحد أهم عناصر القوة.
وعند النظر إلى حملات مثل GuardZoo وOilAlpha مجتمعة، يتضح أن التهديد لا يتمثل في برمجية خبيثة بعينها، وإنما في وجود نمط عملياتي يعتمد على جمع البيانات بصورة مستمرة ومنهجية لدعم عمليات استخباراتية طويلة الأمد. وهذا يعكس انتقال الصراع من استهداف الأنظمة إلى استهداف المعلومات ذاتها باعتبارها موردًا استراتيجيًا في النزاعات الحديثة. ما لم تتخذ الحكومة اليمنية الشرعية خطوات عاجلة لحوكمة الأمن السيبراني، فإن هذه الحملات ستظل تمثل نزيفاً صامتاً للأسرار الوطنية والمدنية.
*معاذ الصوفي: خبير وأكاديمي في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي




