آراء ومواقف

الشيخ حمد بن خليفة.. رجلٌ سعى لحقن الدماء وبقيت مواقفه في الذاكرة

 رضوان حبيش

 

يرحل القادة، لكن تبقى أعمالهم ومواقفهم حاضرة في ذاكرة الشعوب. وبرحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقدت دولة قطر قائدًا كان له دور بارز في نهضتها الحديثة، كما فقدت المنطقة العربية شخصية لعبت أدوارًا متعددة في تقريب وجهات النظر والسعي إلى حل عدد من الأزمات العربية.

قد يختلف الناس في تقييم بعض السياسات والمواقف، وهذا أمر طبيعي، لكن الإنصاف يقتضي أن تُذكر المواقف كما هي، وأن يُنسب الفضل لأهله، بعيدًا عن التعصب أو الإنكار.

وبالنسبة لي، فإن الحديث عن الشيخ حمد ليس مجرد قراءة في التاريخ، بل هو استحضار لمرحلة عشت جزءًا منها عن قرب، خاصة فيما يتعلق بالجهود التي بذلتها دولة قطر لإيقاف الحرب في محافظة صعدة، عندما رعت اتفاق الدوحة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي.

أتذكر تلك الأيام جيدًا، فقد كنت من ضمن المرافقين لجدي، الشيخ عبده حسين حبيش رحمه الله، الذي كان مكلفًا ضمن اللجنة التي نزلت لمتابعة تنفيذ الاتفاق. وكان جدي من أبرز مشايخ اليمن ومراغة قبائل بكيل، وعُرف بحكمته وإصلاحه بين الناس، حتى إن كثيرًا من القضايا الاجتماعية والقبلية التي استعصت على مؤسسات الدولة آنذاك، كان يُستعان به لحلها، لما يتمتع به من قبول واحترام واسع بين القبائل. وقد انتقل إلى رحمة الله قبل أشهر قليلة، بعد أن أمضى حياته في خدمة مجتمعه والإصلاح بين الناس، رغم بعض التحفظات على بعض المواقف، كما هو حال أغلب مشايخ اليمن في ظل ظروف اللاحرب واللاسلم التي تعيشها البلاد.

ومن خلال تلك المهمة، لمست حجم الاهتمام الذي كان يوليه الأمير الوالد الشيخ حمد لليمن. لم يكن ينظر إلى الأزمة باعتبارها شأنًا سياسيًا فحسب، بل كان حريصًا على حقن الدماء، والحفاظ على وحدة اليمن واستقراره، وكان يؤمن بأن الحوار هو الطريق الوحيد الذي يجنب الشعوب ويلات الحروب.

وما زلت أتذكر جيدًا حديثه الذي قال فيه: “نحن مع اليمن، وأي مشاكل في اليمن فنحن حاضرون دائمًا للمساهمة في حلها إذا طلب منا ذلك، وهم إلى الآن لم يرفضوا.”** كانت كلمات خرجت من قائد يحمل حرصًا صادقًا على اليمن، ويؤمن بأن وحدة اليمن واستقراره مسؤولية تستحق بذل كل جهد ممكن من أجل الحفاظ عليها، وأن الحوار بين اليمنيين هو الطريق الأمثل لتجاوز الخلافات وحقن الدماء.

وقد جاء اتفاق الدوحة متضمنًا خمسة بنود رئيسية هدفت إلى وقف القتال، وتهيئة الأجواء لعودة الحياة الطبيعية، قبل أن يُضاف إليه بند سادس ينص على عدم الاعتداء على أراضي المملكة العربية السعودية، في خطوة هدفت إلى حماية أمن المنطقة ومنع اتساع دائرة الصراع.

ولا تزال عبارة سمعتها في تلك المرحلة راسخة في ذهني، عندما أكد الشيخ حمد أن قطر مع اليمن في مشاكله ما دام اليمنيون يريدون ذلك، ولن تفرض نفسها عليهم. كانت كلمات تحمل احترامًا لإرادة اليمنيين، وتعكس رغبة صادقة في أن يكون الدور القطري عاملًا للمّ الشمل لا سببًا في زيادة الانقسام.

صحيح أن اتفاق الدوحة لم يكتب له النجاح الكامل، وعادت الحرب بعد ذلك، لكن التاريخ لا يقف عند النتائج فقط، بل يسجل أيضًا المحاولات الصادقة التي بُذلت لإيقاف نزيف الدم. ومن الإنصاف أن يقال إن قطر، في عهد الشيخ حمد، بذلت جهدًا واضحًا في سبيل ذلك.

وليس اليمن وحده من شهد حضور الدبلوماسية القطرية، فقد كان لقطر أدوار في عدد من الملفات العربية والدولية. وقد يختلف الناس في تقييم تلك الأدوار؛ فمنهم من يراها ناجحة، ومنهم من يتحفظ عليها أو ينتقدها، لكن لا يمكن إنكار أن قطر كانت حاضرة في محاولات الوساطة والسعي إلى تقريب وجهات النظر في أكثر من أزمة.

واليوم، تواصل دولة قطر مسيرتها بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي حافظ على نهج البناء والتنمية، وعزز مكانة بلاده إقليميًا ودوليًا. ومن وجهة نظري، فإن ما يجمع سموه مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، من تعاون وتفاهم في كثير من الملفات يمثل عنصرًا مهمًا لاستقرار المنطقة، وأراهم معًا صمام أمان للمنطقة العربية والإسلامية في هذه المرحلة التي تتطلب الحكمة وتغليب لغة الحوار على لغة الصراع.

وفي الختام، فإن الرجال يرحلون، لكن المواقف الصادقة تبقى، والتاريخ لا ينسى من سعى إلى الإصلاح وإطفاء نيران الفتن. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، ورحم الله جدي، وكل من حمل هم الإصلاح وخدمة الناس، وحفظ الله دولة قطر أميرًا وحكومةً وشعبًا، وحفظ المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة قيادةً وشعبًا، وحفظ اليمن وسائر أوطاننا العربية والإسلامية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار ووحدة الصف.

إنا لله وإنا إليه راجعون

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى