برلمان مشلول يُشرعن الفساد.. النائب علي عشال يفضح الثقب الأسود في جسد الدولة اليمنية
يمن مونيتور/ إسطنبول/ خاص:
انتقد النائب البرلماني اليمني علي عشال، بشدة، الأداء الحكومي في قطاعي الكهرباء ومكافحة الفساد، مؤكداً أن قطاع الكهرباء تحوَّل إلى “ثقب أسود” يلتهم الموارد العامة، فيما ساهم الشلل البرلماني في المناطق المحررة في تقويض جهود الرقابة ومكافحة الفساد، معتبراً أن استعادة الدولة والحوكمة هما المفتاح الوحيد لإنهاء حالة التدهور.
تحدث علي عشال في لقاء موسع على “اليمن بودكاست” مع الصحفي أسامة عادل، كاشفاً عن ملفات الفساد العميقة والكبيرة في الدولة اليمنية منذ عقدين، والوضع الحالي للبرلمان والحكومة وملفات الفساد.
أزمة الكهرباء.. “ثقب أسود” يلتهم 37% من الإنفاق العام
وصف عشال الوضع في قطاع الكهرباء بأنه “كارثي”، مؤكداً أن القطاع أصبح يستهلك ما يقرب من 37% من إجمالي الإنفاق العام للدولة، دون أن يقدم خدمة مستدامة للمواطنين.
وأشار إلى أن هذه الأزمة هي نتاج تراكمي لسوء الإدارة والفساد.
وأكد عشال أن شبكة النقل والتوزيع الكهربائي متهالكة وغير مؤهلة، ما يؤدي إلى “فواقد” ضخمة في الطاقة المنتجة. وقد تصل هذه الفواقد إلى 45% من الطاقة في عدن، وتتفاقم لتصل إلى 80% في بعض المحافظات الأخرى، ما يعني أن معظم الطاقة المنتجة تضيع هدراً دون استفادة.
وأشار إلى أن الهدر كان يتم بشكل ممنهج في عقود شراء المشتقات النفطية (ديزل ومازوت) لتشغيل المحطات. واستشهد بالمعالجة الجزئية التي قامت بها الحكومة الحالية عندما فتحت المناقصات، مما وفر ما يقارب 40% من سعر طن الوقود، الذي كان يُشترى في السابق بأسعار مبالغ فيها من “تجار بعينهم”، مما أهدر مئات الملايين من الدولارات.
وقال عشال: “ما يقرب من 40% فارق في السعر [في شراء الوقود] هذا المبلغ يوزع على جملة من المنتفعين والقيادات التي كانت تدفع بالامور بهذا الاتجاه.”
وانتقد عشال إقامة مشاريع مكلفة خارج إشراف وزارة الكهرباء، مثل محطة “الرئيس هادي” في عدن التي كلفت شركة بترومسيلة النفطية بتنفيذها. وأكد أن المحطة لا تعمل بكامل كفاءتها، وأن عصب الاستفادة منها (خطوط النقل) غير مكتمل، مما يمثل إهداراً للمال العام.
الفساد في ظل الشلل البرلماني.. صفقات تحت الطاولة
وحذَّر عشال من أن الشلل الذي أصاب المؤسسة التشريعية في المناطق المحررة هو السبب الرئيسي في تفاقم الفساد والعبث بالثروات، مؤكداً أن هناك جهات نافذة تَعْمَل ضد انعقاد البرلمان للحفاظ على مصالحها.
وأكد عشال أن البرلمان عاجز عن الانعقاد بصفة مستدامة منذ لقاء سيئون في 2019، ملقياً باللوم على “غياب القيادة الراشدة” ووجود “جهات داخلية” ترى في التئام المؤسسات خطراً على مشاريعها.
وقال عشال في”اليمن بودكاست” الذي تابعه “يمن مونيتور”: “هنالك جهات تعتقد أن التئام المؤسسات يأتي ضداً عن مشروعها… قيادة مجلس النواب للاسف الشديد كانت دون المؤمل فيما بذلته من جهد في هذا الاتجاه.”
وأشار إلى أن غياب الرقابة البرلمانية أدى إلى وجود “حكومة أذن من طين والأخرى من عجين”، لا ترد على أسئلة النواب أو مطالبهم بالكشف عن الصفقات. وذكر أمثلة لصفقات مشبوهة تمت دون رقابة، كان أبرزها: محاولة بيع قطاع الاتصالات والبنية التحتية والترددات لشركة أجنبية “NX” في صفقة تمت “تحت الطاولات وفي شقق خاصة” دون تقييم حقيقي أو مراعاة للأمن القومي.
وأشار عشال أيضاً إلى صفقات بيع نفط خام لشركات محددة بخصومات كبيرة دون مراعاة الشفافية والمزايدة العلنية.
وقال: “لم نتلقَّ إجابات [على أسئلة النواب] حتى هذه اللحظة، لأن هنالك حكومة أذن من طين والأخرى من عجين… لأن ليس لديك مؤسسة في البرلمان قادرة على أن تُلزم الجهات الحكومية.”
وشدد على أن الخطر لا يقتصر على البرلمان فحسب، بل يمتد إلى بقية الأجهزة الرقابية للدولة مثل جهاز الرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، التي هي في “حكم المنعدمة”، ما أدى إلى تفشي الفساد في كل مفاصل الدولة من السطو على الأراضي إلى العبث بقطاع الموانئ.
رؤية الحل.. استعادة الدولة والحوكمة الرشيدة
وخلال المقابلة قدم عشال رؤيته لما وصفها بـ “البوصلة الوطنية” للحل في اليمن، مؤكداً أن التفكير في المشاريع الصغيرة أو المكاسب الخاصة يجب أن يؤجّل لحين إنجاز الهدف الأكبر.
وأكد أن “استعادة الدولة” هو الهدف الجامع والبوابة الكبرى لحل كافة المشكلات. وشدد على ضرورة أن تعمل الحكومة على توحيد الجبهة العسكرية وتصحيح المشهد العسكري لمواجهة “مشروع الحوثي الهمجي” الذي لا يؤمن بدولة المواطنة المتساوية.
وقال: “شعار استعادة الدولة يبدأ في البداية أولاً من استعادة الدولة في المناطق المحررة لعملها، التئام مؤسساتها في المناطق المحررة.”
مضيفاً: “اليوم المشكلة اليمنية لم تعد مشكلة يمنية محضة وخالصة… [الحوثي] خصم جاء من مجاهل التاريخ يحدثنا عن أنه مُوكل بحكمنا من إرادة ربانية.”
ويرى عشال أن الحل لا يكمن في حل البرلمان أو إلغاء المؤسسات الدستورية، بل في “إحيائها” وتفعيل دورها الرقابي والقانوني، لأنها تشكل الهيكل الشرعي للدولة الذي يمكن البناء عليه في أي تسوية قادمة.
وحذَّر عشال من القفز بالجنوب نحو خيارات غير ناضجة في ظل الحرب والفوضى. ودعا إلى أن تكون القضية الجنوبية محور “حوار راقٍ” بعد استعادة الدولة، وأن يكون القرار النهائي فيه خاضعاً “لإرادة الشعب” في المحافظات الجنوبية عبر الاحتكام إلى رأيهم.
وقال عشال: “من يريد أن يقفز بالجنوب في الهواء في هذه المرحلة فأخشى أن ينكسر عنق الجميع… المدخل الحقيقي لمعالجة كافة مشكلاتنا… هو أن نستعيد هذه الدولة.”
خلص عشال إلى أن اليمن بحاجة اليوم إلى “قيادة ملهمة” تمتلك الرؤية وتتجرد من المصالح الخاصة، وتعمل على تحديد بوصلة وطنية واضحة، وتُحسن علاقتها باللاعبين الإقليميين والدوليين، لأن المعضلة اليمنية اليوم لم تعد داخلية خالصة بل تحوّلت إلى قضية إقليمية ودولية.



