أخبار محليةالأخبار الرئيسيةتقارير

حين كتب القبيلي بالقلم فارتعد الإمام.. كيف أطاحت ثورة سبتمبر بنظام “حظر التعليم”؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من فاطمة حسين

بعد مرور عقود على انطلاقتها، تبرز ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 في اليمن أكثر من مجرد تغيير سياسي، بل كنقطة تحول فكري واجتماعي أعادت للبلاد هويتها وكرامتها المسلوبة، مقتلعاً نظام الإمامة الذي اتخذ من تجهيل المجتمع وحصاره سلاحاً للحفاظ على سلطته المطلقة.

اليوم، وفي ظل المحاولات المستمرة لجماعة الحوثي المدعومة من إيران لإحياء هذا “الحكم الكهنوتي”، تعود الروح التنويرية لثورة سبتمبر لتؤكد أهميتها، مسلطةً الضوء على الجذر الفكري للصراع الحالي بين مشروع الجمهورية والمساواة، ومشروع السلالة والامتيازات.

يناقش باحثون تاريخيون طبيعة “الحكم الكهنوتي”، والروح التي بثتها ثورة سبتمبر/أيلول “المجيدة” وقدرتها على مواجهة الحوثيين.

 

الجذر الفكري للثورة: استعادة الكرامة

ويؤكد الكاتب والباحث اليمني زايد جابر أن أعظم إنجازات ثورة 26 سبتمبر لم تكن إنجازات مادية في المقام الأول، بل كانت تتجلى في إعادة الكرامة لليمنيين وتأكيد حقهم الأصيل في حكم أنفسهم.

ويشدد جابر على أن الثورة كانت تتويجاً لمسار نضالي طويل ضد نظام حكم لم يكتفِ بالبطش وسلب الأموال، بل اعتمد سياسة “التجهيل المتعمد” كاستراتيجية للبقاء.

ويكشف جابر عن تفاصيل هذه السياسة الإمامية، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي كان يتمثل في ضمان طاعة عمياء للناس دون أن يمتلكوا أدوات الوعي. وقد تجسد ذلك في إلغاء الإمام يحيى المدارس التي خلفها الأتراك، بما في ذلك “كلية بلقيس للبنات”، وحصر التعليم المتبقي في “الكتاتيب” التي تركز على أساسيات المذهب الهادوي وطاعة الإمام.

ويروي جابر حادثة تلخص هذا النهج، وهي رد فعل الحسن ابن الإمام يحيى الغاضب على محاولة القاضي عبد الرحمن الإرياني إنشاء مدرسة بسيطة، إذ قال له: “إذا قد القبيلي يخرج القلم من وراء العسيب يكتب ما عبش فائدة لا معنا ولا معكم”. هذه العبارة تكشف جوهر الاستراتيجية الإمامية القائمة على حرمان القبائل وعموم اليمنيين من التعليم لضمان استمرار حكمهم المطلق.

ويرى زايد جابر أن ما قدمته ثورة سبتمبر تجاوز الإنجازات المادية ليطال جوهر الهوية اليمنية، إذ أعادت لهم تعريفاً لذواتهم بأنهم قادرون على حكم أنفسهم.

وأشار إلى أن الحركة الوطنية استلهمت رفضها للنظام من حالة السخط الشعبي المتنامي التي بدأت بانتفاضات قبلية وشعبية مبكرة (مثل انتفاضة الزرانيق والمقاطرة) ضد بطش الإمامة وأخذ أموالهم منذ تولي الإمام يحيى الحكم في 1918.

ولم تكن ثورة سبتمبر/أيلول1962 وليدة اللحظة، بل جاءت بعد تدرج نضالي بدأ في الثلاثينات والأربعينات، مروراً بمحاولات 1948 و1955. وبعد فشل التجارب الماضية، أدركت النخب أن محاولات ترقيع النظام الإمامي فاشلة، حتى فكرة “الإمامة الدستورية” التي طُرحت في 1948، لم تعد مقبولة. ليصبح “إسقاط النظام الإمامي بحد ذاته مكسباً كبيراً”، وتصبح الجمهورية هي “الطريق والبديل”.

الحوثيون: عودة الإمامة “بأقبح صورة”

وفي تحليل لأبعاد ثورة سبتمبر/أيلول المعاصرة، يرى الكاتب والباحث اليمني الدكتور عبد الله القيسي أن ثورة سبتمبر تمثل “ميلاد الكرامة والحرية” لليمنيين وثاني أهم يوم في تاريخ البلاد بعد دخول الإسلام، لما أحدثته من تحول جذري.

ويؤكد القيسي أن جماعة الحوثي تمثل “عودة صريحة لنظام الإمامة، لكن بأقبح صورة”، في محاولة لانتزاع الامتيازات التي أطاحت بها الثورة.

وشدد على أن الجماعة تشن حرباً مفتوحة على الذاكرة الوطنية، لأن ذكرى سبتمبر تمثل “الكابوس الأكبر” لمشروعها السلالي القائم على التمييز.

ولأجل يلفت القيسي إلى سلوك الحوثيين في مناطق سيطرتهم مثل، الاعتقالات الواسعة واعتبار الاحتفاء بسبتمبر أو رفع العلم الجمهوري “جريمة يعاقب عليها”.

وأشار إلى محاولاتها طمس الذكرى عبر تضخيم مناسبة المولد النبوي على نحو غير مسبوق، ليس بدافع ديني بقدر ما هو سعي لخلق بديل عن الأعياد الوطنية.

بعد ستة عقود على قيام ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢،

وشدد القيسي على أن سبتمبر هو يوم المساواة والكرامة لكل اليمنيين، بينما أيام الحوثيين تقوم على احتقار اليمني وتجريده من حقوقه الأساسية.

ووضح أنهم يسابقون الزمن لتغيير المناهج التعليمية بشكل جذري، بالتوازي مع شراء مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بصنعاء، لإيجاد قاعدة اجتماعية واقتصادية تضمن بقاء مشروعهم.

وقال الباحث القيسي إن الهدف الجوهري للحوثيين هو استرجاع الامتيازات السلالية التي سلبتها منهم الثورة.

وحذر من أن جماعة الحوثي تسعى لصناعة “جيل جاهل ومُعبّأ بخطاب طائفي”، بحيث يصبح كل طفل “لُغماً مؤجلاً” لخدمة المشروع السلالي.

حصار الجهل وعصر الانحطاط تحت الكهنوت

ويتفق المحلل والكاتب محمد بالفخر مع ما ذكره الباحث “جابر” واصفاً النظام الجاثم الذي كان يحكم اليمن قبل سبتمبر بأنه نظام من “العصور الوسطى” و”عصور الانحطاط”، حيث فُرض الجهل والحصار على اليمنيين بشكل متعمد.

وأكد بالفخر أن اليمن في ذلك الوقت كان يعيش حالة من “الجهل” في كل مدنه وقراه، ولم يكن فيه منابر علمية، خلافاً للحواضر العربية الأخرى كالقاهرة ودمشق وبغداد التي كانت تمثل “مراكز علمية تنير للناس”.

الإمام أحمد يحي حميد الدين ونجله الإمام البدر آخر من حكموا في النظام البائد

لفت إلى أن اليمن عانت بالفعل من حصار فرضه “هذه الانظمة وهذه الفئات الحاكمة” في الشمال والجنوب: الشمال (الإمامة/الكهنوت): حيث كان الكهنوت يفرض حصاراً فكرياً ويغرق البلاد في عصور الانحطاط. والجنوب (الاستعمار): حيث تم “تجزئته لأكثر من 20 ولاية وسلطنة ومشيخة”، لدرجة أن مساحة حكم بعض هذه الكيانات لم تكن تتجاوز الـ “1000 متر مربع”، ما يشير إلى مستوى التفتيت السياسي الذي عانت منه البلاد.

وقال إن ثورة سبتمبر كانت هي “الانطلاقة” لكسر هذا الحصار وإنهاء حالة التجزئة والجهل التي فُرضت على اليمنيين.

لافتاً إلى أن ثورة سبتمبر لم تكن حدثاً معزولاً، بل كانت تتويجاً لجهد نضالي طويل انطلق من مدينة عدن التي مثلت “حجر الزاوية” للم الشمل والتحضير للثورة ضد نظامين قمعيين في الشمال والجنوب.

وشدد بالفخر على أن دور عدن في احتضان الثوار الأوائل منذ الأربعينات، وكونها منطلقاً لـ “ثورة الأحرار الأولى” عام 1948، يؤكد “واحدية الأرض” اليمنية. فعدن، بـ “حضارتها وتنويرها” ووصول الصحف والمؤثرات الفكرية إليها، أصبحت “ملاذاً” لكل الأحرار اليمنيين، ومدداً مستمراً للثورة بالمال والرجال، في دلالة واضحة على أن قضية التحرر كانت قضية وطنية شاملة وموحدة.

 

سبتمبر.. ذاكرة مواجهة متجددة

رغم مرور أكثر من ستة عقود، ما زالت ثورة سبتمبر حاضرة بقوة في الوعي الشعبي اليمني. فهي ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل روح متجددة في مواجهة محاولات إعادة البلاد إلى عصور الجهل والتمييز. وكما كانت بالأمس علامة فارقة أنهت قرون الاستبداد، فإنها اليوم تظل خط الدفاع الأول أمام مشاريع تسعى لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.

كما أن الثورة تركت إرثاً مهماً يتمثل في فهم العلاقة بين التنوير والتعليم والكرامة الوطنية. فالضباط الأحرار والنخب المستنيرة التي قادت الثورة كانت مثالاً على أن الشعب القادر على التعلم والتفكير النقدي هو الشعب القادر على الدفاع عن نفسه ومصيره. وهذا الإرث يظل حيوياً اليوم، في ظل محاولات الحوثيين فرض جهل جديد وتفكيك الهوية الوطنية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى