من كابوس الإمامة إلى قمع الحوثيين.. 26 سبتمبر صوت الحرية في وجدان اليمنيين
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من علياء جلال
مع اقتراب الذكرى الـ63 لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، تعيش مدينة تعز ومدن يمنية أخرى أجواء احتفالية غير مسبوقة تعكس عمق الارتباط بروح الثورة وقيم الجمهورية.
فقد تزينت الشوارع والساحات بالأعلام الوطنية وصور رموز الثورة وشعاراتها، فيما نظمت المدارس والمراكز الثقافية ورشًا للأطفال والشباب للتعريف بتاريخ الثورة، وشاركت النساء في تنظيف الأحياء وتزيينها، لتغدو المناسبة احتفالًا جامعًا لكل فئات المجتمع.
يقول الكاتب والمحلل السياسي عبدالواسع الفاتكي إن مدينة تعز تثبت في كل عام وفاءها لثورة سبتمبر الخالدة، وتعيش أجواء احتفالية عارمة تجسد ارتباط أبنائها بالمبادئ الوطنية لهذه الثورة.
ويضيف في حديثه لـ”يمن مونيتور” أن هذه المظاهر الشعبية والاحتفاء المبكر بالذكرى تحمل رسالة قوية للشعب وللكهنوت معًا، مؤكداً أن اليمنيين ما زالوا متمسكين بسبتمبر رغم محاولات الحوثيين قمع هذه الاحتفالات واستبدالها بفعالياتهم السلالية.
ويشير الفاتكي إلى أن الاحتفاء يتجلى بوضوح في المهرجانات المدرسية والإذاعات الصباحية، حيث يقدم الطلاب عروضًا كشفية وفقرات فنية وأناشيد ثورية، بينما تتنافس الجامعات والكليات في تنظيم الفعاليات والكرنفالات الوطنية التي تحوّل تعز إلى ساحة احتفال مفتوحة.
ويؤكد أن شهر سبتمبر يشكّل مصدر قلق دائم للحوثيين، إذ يذكّر اليمنيين بالثورة التي أسقطت الحكم الإمامي السلالي، وهو النظام الذي تمثل الجماعة امتداده المعاصر.
ويرى أن هذه الفعاليات الشعبية تعكس خوف المليشيات من الذاكرة الوطنية، حيث يعبّر اليمنيون بطرق شتى عن رفض المشروع السلالي، سواء عبر رفع الأعلام الوطنية أو افتتاح الأعراس بالنشيد الجمهوري.
ويضيف أن حلول سبتمبر يدفع الحوثيين إلى استنفار أجهزتهم الأمنية والعسكرية، وفرض إجراءات مشددة تشمل منع التجمعات والانتشار العسكري الكثيف واعتقال الصحفيين والناشطين والمواطنين لمجرد الاشتباه بنيتهم الاحتفاء بالثورة.
ويختم الفاتكي حديثه بالتأكيد أن اليمنيين يجددون العهد لآبائهم وأجدادهم الذين ضحوا من أجل الحرية والجمهورية، وأنهم كما أسقطوا الإمامة في ستينيات القرن الماضي، سيسقطون نسختها الحوثية اليوم، فمشروع الحوثي إلى زوال بينما تبقى ثورة سبتمبر خالدة في وجدان الشعب حتى تتحقق أهدافها كاملة.
نظام بائد
قبل اندلاع ثورة 26 سبتمبر، كان اليمن يعيش عزلة شبه كاملة، مع نسبة أمية تجاوزت 90%، وعدد محدود من المدارس، وغياب شبه كلي للبنية التحتية والخدمات الصحية.
كان نظام “الإمام” يفرض قيودًا صارمة على التجمعات والاحتفالات، تصل أحيانًا إلى الاعتقال والعقوبات التعسفية التي مارستها أسرة حميد الدين بحق الشعب.
وكانت الاحتفالات الوطنية شبه معدومة، والثقافة والمناسبات الاجتماعية خاضعة لرقابة مشددة، حيث عاش المواطنون في خوف دائم من السلطة، وهو ما تكرره اليوم المليشيا الحوثية في مناطق سيطرتها.
ميلاد الجمهورية
مع فجر السادس والعشرين من سبتمبر 1962، انطلقت الثورة ضد أسرة حميد الدين، وتمت الإطاحة بالإمام محمد البدر وإعلان الجمهورية العربية اليمنية. مثّلت تلك اللحظة ميلاد الجمهورية التي انتظرها اليمنيون لعقود.
أطلقت الثورة مسار بناء الدولة الحديثة؛ حيث تأسس الجيش، وافتُتحت المدارس، وأُنشئت الجامعة الوطنية في مطلع السبعينيات. كما منحت الثورة الشعب حق الاحتفاء بالمناسبات الوطنية بحرية، في تحول جذري مقارنة بعهود القمع الإمامي.
الوعي الثوري في تعز
يحضر الوعي الثوري اليوم بقوة في أحياء تعز، حيث يشارك الشباب والنساء والأطفال في التحضيرات. في شارع جمال، يقول محمد أمين: “نحن نشارك لنذكّر أنفسنا وأطفالنا بأهمية الجمهورية، ونريد أن يعرف الجيل الجديد كيف منحنا سبتمبر الحرية والكرامة.”
وفي حي صالة الثقافة، تؤكد شيماء محمد أنهم ينظمون ورشًا تعليمية للأطفال ويعدّون لوحات فنية ليتعلموا قيم الحرية والدفاع عنها، مشددة على أن “سبتمبر ليس مجرد تاريخ بل درس للأجيال”.
وتتزين الشوارع بالأعلام والرسوم الجدارية وتعلو الأناشيد الوطنية، بينما ينظر المشاركون إلى هذه الأنشطة كوسيلة لتعزيز الوعي الشعبي وحماية مكتسبات الجمهورية.
وبرغم الأوضاع السياسية المضطربة، تبقى ثورة 26 سبتمبر علامة فارقة في التاريخ اليمني، ودليلًا على أن إرادة الشعوب قادرة على كسر قيود الاستبداد.
موسم قمع
في المقابل، يقول أحد المواطنين في صنعاء ـ فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية ـ إن ذكرى 26 سبتمبر تمثل لحظة فارقة في تاريخ اليمن، لكنها في مناطق سيطرة الحوثيين تتحول إلى موسم قمع وملاحقة. ففي الوقت الذي تحتفل فيه المدن المحررة بالفعاليات الجماهيرية، تفرض الجماعة حصارًا أمنيًا يمنع حتى رفع العلم الوطني.
وقد شهدت صنعاء وإب وذمار حملات اعتقالات واسعة طالت طلابًا ومعلمين وناشطين وصحفيين لمجرد التعبير عن فرحتهم بالذكرى أو نشر منشورات عنها على وسائل التواصل.
ووثقت منظمات حقوقية عشرات حالات الاختطاف والإخفاء القسري، في مشهد يكشف خوف الجماعة من رمزية هذه الثورة.
كما امتد القمع إلى قطاع التعليم، حيث مُنعت الأنشطة الاحتفالية، ونشرت الدوريات المسلحة في الشوارع لإخماد أي مظاهر شعبية. وهو ما يوضح بجلاء عداء الحوثيين لثورة سبتمبر وسعيهم لطمس الهوية الوطنية واستبدالها بخطابهم الأيديولوجي.
وبرغم كل ذلك، تبقى ثورة 26 سبتمبر حاضرة في وجدان اليمنيين، صوتًا للحرية ورمزًا لمقاومة الاستبداد، وتذكيرًا دائمًا بأن الثورة لا يمكن حبسها خلف جدران الخوف.




