أخبار محليةالأخبار الرئيسية

سباق التموضع البديل.. محافظو جنوب اليمن يؤسسون شرعياتهم المستقلة على أنقاض “الانتقالي”

يمن مونيتور/ وحدة الرصد والتحليل/ خاص

تشهد المحافظات الجنوبية في اليمن حراكاً سياسياً متسارعاً في محاولة لإعادة رسم خارطة النفوذ محلياً، مدفوعاً ببروز رغبة لافتة لدى محافظي المحافظات لتزعم الكيانات والأطر السياسية التوافقية الموسعة.
في مطلع يناير/كانون الثاني 2026، شهدت الساحة اليمنية تطوراً دراماتيكياً تمثل في إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي بكافة هيئاته وأجهزته. هذا الإعلان، الذي وصفه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بأنه “قرار شجاع وحكيم”، جاء لينهي سنوات من محاولة المجلس احتكار تمثيل المحافظات الجنوبية وفرض مشروع الانفصال بقوة السلاح بدعم إماراتي.

خارطة الكيانات الجديدة — سباق المحافظين لملء الفراغ
مع زوال قبضة المجلس الانتقالي، سارع محافظو المحافظات الجنوبية إلى استغلال الفراغ لتأسيس أطر سياسية ومجتمعية جديدة. يتزامن هذا الحراك مع الإعلان عن استضافة المملكة العربية السعودية لحوار “جنوبي-جنوبي” مرتقب في الرياض، مما غذّى حالة الاستقطاب وأشعل الرغبة في صياغة مخرجات استباقية. فقد اعتبر المحافظون أن بقاءهم على رأس السلطة المحلية فقط يحرمهم من أي مشاركة في الحوار، فعملوا على الالتفاف عبر ترؤس مكونات سياسية مجتمعية تقدم نفسها كشريك محلي أقدر وأوسع تمثيلاً لجغرافيتها.

1. مؤتمر شبوة الشامل

تأسس مطلع عام 202 برئاسة محافظ شبوة الشيخ عوض محمد بن الوزير، بهدف معلن هو توحيد الكلمة ورص الصف الشبواني. وصرح سالم البابكري، الوكيل المساعد للمحافظة، أن المؤتمر يهدف لإنهاء “حالة التشتت والتشرذم التي أضرت بمصالح المحافظة خلال السنوات الماضية”.
ومع ذلك، واجه المؤتمر اتهامات واسعة بالسعي لاحتكار التمثيل السياسي وتهميش المكونات الفاعلة، حيث أعلن حلف أبناء وقبائل شبوة تبرؤه منه، ووصل هذا الصراع إلى ذروته في أبريل 2026، عندما منعت السلطة المحلية “مجلس شبوة الوطني” من افتتاح مقره الرئيسي في العاصمة عتق، واشترط المحافظ التوقيع على وثيقة “مؤتمر شبوة الشامل” كشرط أساسي للسماح للمجلس بمزاولة نشاطه. وأثار هذا الإجراء تنديداً واسعاً من الأحزاب السياسية التي اعتبرت الخطوة محاولة لإعادة إنتاج الفكرة الشمولية الشبيهة بنهج الانتقالي المنحل.
يكشف هذا الرفض الواسع عن إشكالية جوهرية: أن محافظ شبوة يحاول تكرار نمط الاحتكار الذي مارسه الانتقالي، لكن على نطاق محافظة واحدة بدلاً من جنوب اليمن كله.

2- المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات الحضرمية

برز هذا الكيان بدعم ورئاسة سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، حيث عُقد أول لقاء موسع له في سيئون في 13 مايو/آيار 2026 لمناقشة مسودة مشروع التأسيس. يقول إن المجلس يهدف إلى توحيد الرؤى وتنسيق الجهود، وبناء كيان حضرمي شامل يستوعب مختلف القوى والفعاليات مع ضمان مشاركة الشباب والمرأة، وتقديم رؤية حضرمية موحدة في مسار الحوار الجنوبي-الجنوبي.
لكن هذا الكيان الحكومي البيروقراطي اصطدم برفض قاطع من “حلف قبائل حضرموت”29. وهاجم متحدث باسم الحلف المجلس التنسيقي معتبراً أن انفراد الخنبشي بتأسيسه قد أفرغ مفهوم التنسيق التوافقي من مضمونه الحقيقي، مؤكداً أن الكيان الجديد لا يملك رؤية أو مشروعاً وطنياً واضحاً يخدم تطلعات الحضارم.
ويتداخل هذا الاستقطاب مع وجود “مجلس حضرموت الوطني” الفيدرالي الذي تأسس في الرياض في يونيو/حزيران 2023 ويطالب بإقليم حكم ذاتي لحضرموت في إطار الدولة اليمنية.

3- المجلس التنسيقي التوافقي في أبين

عقب قرار الرئيس رشاد العليمي في 13 مارس/آذار 2026 بتعيين الأكاديمي والسياسي الدكتور مختار بن الخضر الرباش الهيثمي محافظاً لأبين خلفاً لأبي بكر حسين، سارع المحافظ الجديد إلى معالجة ترسبات الصراع القديم. وترأس الرباش، الذي يحمل دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن32، اجتماع اللجنة التحضيرية لـ “المجلس التنسيقي التوافقي”. وحرص المحافظ على التأكيد بأن هذا المجلس ليس حزباً سياسياً بل منصة وطنية جامعة تضم المشايخ والقبائل والشباب والمرأة لضمان تمثيل قوي للمحافظة في الترتيبات السياسية القادمة وحوار الرياض.
وفي خطوة عملية لتعزيز النزاهة والحوكمة كأولوية قصوى، قدم المحافظ الرباش بياناً بذمته المالية لهيئة مكافحة الفساد في عدن. كما التقى برئيس الوزراء شايع محسن الزنداني لتأمين الدعم الحكومي لتحسين أداء الإدارات المحلية ومحاربة الفساد المالي والإداري بما يسهم في إرساء دعائم السلم الأهلي بالمحافظة.

4- مجالس العاصمة عدن

دخلت عدن مرحلة انتقالية حساسة عقب إعفاء المحافظ السابق أحمد لملس وإحالته للتحقيق في يناير/كانون الثاني 2026، وتعيين القيادي الإداري السابق عبد الرحمن شيخ اليافعي محافظاً للمدينة. ومنذ ذلك الوقت شهدت عدن تحركات تنظيمية مكثفة بدعم من المحافظ عبد الرحمن شيخ. ظهر “مشروع عدن الوطني” برئاسة محمد هشام باشراحيل لتعزيز الحوار والشراكة بين مختلف المكونات السياسية والمجتمعية.
كما أُعلن عن تأسيس “مجلس عدن الاتحادي” في فبراير/شباط 2026 خلال أمسية رمضانية، الذي يتبنى مشروع “إقليم عدن الاقتصادي الإداري السيادي المستقل” كرؤية اتحادية إدارية حديثة. وأشار وزير الدولة أكرم العامري إلى أهمية هذا المجلس في “تعزيز وإبراز صوت عدن وأبنائها، وتبني استحقاقاتها السياسية والخدمية بعيداً عن الصراعات السياسية”.

الدلالات الاستراتيجية

كشف سقوط وهم الممثل الشرعي الوحيد للجنوب عن حقيقة أن الهوية الجنوبية ليست كتلة صماء، بل تتكون من هويات مناطقية متعددة تبحث عن مصالحها محافظاتها الذاتية. وهو ما دفع المحافظين للتحرك سريعاً لملء الفراغ ومنع انتقال السيطرة إلى قوى خارجية أو حربية تقليدية، مستبدلين فكرة “التمثيل الجنوبي الواحد” بـ “التمثيل المحلي المستقل لكل محافظة”.
وغذّى الإعلان عن استضافة المملكة العربية السعودية لحوار “جنوبي – جنوبي” مرتقب في العاصمة الرياض حالة الاستقطاب الراهنة، والسعي لصياغة مخرجات استباقية من قبل المكونات؛ حيث اعتبر المحافظون أن بقاءهم على رأس السلطة المحلية ابقائهم في الإدارة التنفيذية فيما تتمثل المحافظات عبر مكونات أخرى ليسوا موجودين فيها وتقديم أنفسهم للإقليم كشريك محلي أقدر وأوسع تمثيلاً لجغرافيته، مما يضمن لهم حجز مقاعد متقدمة على طاولة أي تسوية مستقبلية مقبلة. إذ أن المكونات الشعبية والمجتمعية تحمل طابع الديمومة التي لا تزول بزوال المنصب التنفيذي.
كما يشير هذا السباق إلى تحوّل جوهري في الاستراتيجية السعودية في مقاربة ملف الجنوب اليمني من كبح المجلس الانتقالي عسكرياً إلى إعادة صياغة المشهد السياسي عبر “الحوار الجنوبي-الجنوبي”. وتهدف الرياض من ذلك إلى احتواء الكيانات المناطقية الناشئة وتأطيرها كركائز لتسويةٍ شاملة، مستثمرةً التعددية المحلية لضمان استقرارٍ دائم يحمي مصالحها الأمنية والجيوسياسية.
تدرك الرياض أن فرض حل موحد من الأعلى لن ينجح، وأن الطريق الوحيد لاستقرار دائم يمر عبر استيعاب التعددية المناطقية وتحويلها إلى قوة موحدة. بهذا المعنى، فإن ظهور هذه الكيانات ليس فشلاً للمسار السياسي، بل نجاح نسبي للاستراتيجية السعودية في إعادة صياغة المشهد.
في المقابل، يكشف هذا الحراك عن أزمة حادة في الأحزاب السياسية الوطنية التقليدية، التي تجد نفسها مهمشة لصالح الكيانات المناطقية المدعومة من السلطات المحلية. وهذا التهميش يضعف العمل السياسي المؤسسي العابر للمناطق، ويجعل بناء دولة وطنية موحدة أمراً أكثر تعقيداً.

نقطة تحول لا عودة عنها

سباق التموضع البديل الذي يشهده جنوب اليمن يمثل نقطة تحول حقيقية لا عودة عنها. الأحادية السياسية التي فرضها الانتقالي قد انهارت، والتعددية المناطقية قد حلت محلها. هذا التحول يحمل في طياته فرصاً وتهديدات متساوية. الفرصة تكمن في إمكانية بناء نظام سياسي أكثر تمثيلاً وشمولاً. التهديد يكمن في احتمالية التشرذم والصراعات المحلية.
نجاح هذا الانتقال يعتمد على ثلاثة عوامل أساسية. أولاً، قدرة الرعاية السعودية على إدارة هذه التعددية بحكمة. ثانياً، قدرة الكيانات الجديدة على تجاوز الطموحات الانفصالية والعمل من أجل مصلحة مشتركة ضمن اليمن الموحد. ثالثاً، قدرة الحكومة الشرعية على استيعاب هذه الكيانات في مشروع وطني موحد.
إذا نجح هذا الانتقال، فقد نشهد استقراراً نسبياً في جنوب اليمن وتحسناً في فرص التسوية الشاملة في الوطن الكبير. أما إذا فشل، فقد نشهد تشرذماً دائماً وضعفاً مستمراً للحكومة الشرعية. الخطوات القادمة ستكون حاسمة في تحديد أي من هذه السيناريوهات سيتحقق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى