أخبار محليةاخترنا لكمالأخبار الرئيسيةتقارير

بين النزوح والطموح.. طلاب الثانوية في مأرب يستعدون لعبور بوابة المستقبل

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من عبدالله العطار

مع اقتراب موعد اختبارات الثانوية العامة بقسميها العلمي والأدبي للعام الدراسي 2025-2026، تشهد محافظة مأرب حراكاً تربوياً مكثفاً استعداداً لهذا الاستحقاق التعليمي الذي يمثل محطة مفصلية في حياة آلاف الطلاب والطالبات، وخطوة حاسمة نحو مستقبلهم الأكاديمي والمهني.

وفي وقت استكملت فيه الجهات التربوية مختلف الترتيبات الفنية والإدارية الخاصة بسير العملية الاختبارية، يستعد نحو سبعة آلاف طالب وطالبة لخوض الاختبارات في 33 مركزاً اختبارياً موزعة على مديريات المحافظة، وسط ظروف استثنائية تجعل من النجاح أكثر من مجرد تفوق دراسي، بل قصة صمود وإرادة في مواجهة تحديات الحرب والنزوح.

وتكتسب اختبارات هذا العام أهمية مضاعفة في مأرب، التي تحولت خلال سنوات الصراع إلى أكبر حاضنة للنازحين في اليمن، إذ يشكل الطلاب النازحون النسبة الأكبر من المتقدمين للاختبارات، بعد سنوات من الدراسة في بيئات متغيرة وظروف معيشية واقتصادية معقدة.

استعدادات مكثفة

أنهت اللجنة الفرعية للاختبارات بمحافظة مأرب كافة الترتيبات المتعلقة بسير العملية الاختبارية، بما في ذلك تجهيز القاعات، وتوزيع المراقبين، واعتماد رؤساء المراكز، والتأكد من جاهزية المتطلبات اللوجستية اللازمة لإنجاح الاختبارات.

وأكد نائب مدير مكتب التربية والتعليم رئيس اللجنة الفرعية للاختبارات بالمحافظة، عبدالعزيز الباكري، أن عدد المراكز الاختبارية بلغ 33 مركزاً، منها 32 مركزاً للقسم العلمي ومركز واحد للقسم الأدبي، مشيراً إلى أن الاختبارات ستنطلق وفق خطة تنظيمية متكاملة تهدف إلى توفير بيئة مناسبة للطلاب وضمان الالتزام باللوائح والتعليمات المنظمة للعملية الاختبارية.

من جانبه، أوضح مدير التعليم ورئيس اللجنة الفنية بفرع لجنة الاختبارات في مأرب، أحمد العبادي، أن الاستعدادات بدأت مبكراً بالتنسيق مع السلطات المحلية والأجهزة الأمنية لضمان سير الاختبارات بصورة طبيعية وآمنة، لافتاً إلى أن المحافظة حرصت على التوسع في إنشاء المراكز الاختبارية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، خصوصاً من أبناء الأسر النازحة.

وقال العبادي: “نسعى إلى توفير أجواء مستقرة تساعد الطلاب على التركيز وتحقيق نتائج تعكس حجم الجهود التي بذلوها طوال العام الدراسي، رغم الظروف الصعبة التي يواجهها كثير منهم”.

النازحون.. رحلة دراسة وسط المعاناة

داخل أحد الأحياء السكنية بمدينة مأرب، يجلس الطالب النازح محمد، القادم من محافظة الجوف، بين دفاتره وأوراقه الدراسية مستعداً للأيام الأخيرة قبل الاختبارات.

يقول محمد لـ”يمن مونيتور”: “لم تكن الدراسة سهلة بالنسبة لنا، فنحن نعيش ظروف نزوح منذ سنوات، لكننا تمسكنا بالتعليم لأنه الطريق الوحيد نحو مستقبل أفضل”.

ويضيف أن التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة أثّرا على حياة الكثير من الطلاب، إلا أن الإصرار على مواصلة التعليم كان أقوى من تلك الصعوبات.

أما الطالبة أمل، النازحة من محافظة صنعاء، فترى أن اختبارات الثانوية العامة تمثل نقطة تحول مهمة في مسار حياتها.

وتقول: “نحلم بالالتحاق بالجامعة وتحقيق طموحاتنا رغم كل ما مررنا به. نحتاج فقط إلى فرصة عادلة لنثبت قدراتنا ونحقق أحلامنا”.

أولياء الأمور.. بين القلق والأمل

ومع اقتراب موعد الاختبارات، يعيش أولياء الأمور حالة من الترقب والاهتمام المتزايد، إدراكاً منهم لأهمية هذه المرحلة في رسم مستقبل أبنائهم.

ويقول عبدالله صالح، والد أحد الطلاب المتقدمين للاختبارات: “الثانوية العامة ليست مجرد امتحانات، بل حصاد سنوات طويلة من الجهد والتعب والدراسة. نأمل أن تكون الأسئلة مناسبة وأن تتوفر للطلاب الأجواء التي تساعدهم على التركيز وتقديم أفضل ما لديهم”.

ويضيف أن كثيراً من الأسر النازحة واجهت خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة، بدءاً من فقدان مصادر الدخل وانتهاء بصعوبة توفير المستلزمات التعليمية، إلا أن أبناءها واصلوا طريقهم بإصرار لافت.

من جهتها، تؤكد أم أحمد، وهي والدة طالبة في القسم العلمي، أن الأسرة بأكملها تعيش هذه الأيام حالة من الاستنفار لدعم ابنتها نفسياً ومعنوياً.

وتقول: “أكثر ما يحتاجه الطلاب في هذه المرحلة هو الهدوء والثقة بالنفس. نحاول قدر الإمكان تخفيف الضغوط عنهم وتشجيعهم على التركيز وعدم الخوف من الاختبارات”.

جهود تربوية ومجتمعية

ويرى تربويون أن مأرب نجحت خلال السنوات الماضية في استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب النازحين والحفاظ على استمرارية العملية التعليمية رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب.

ويؤكد مدير إدارة التربية بمدينة مأرب، محمد مارش، أن المحافظة أصبحت نموذجاً للصمود التعليمي، مشيراً إلى أن المدارس والمعلمين بذلوا جهوداً استثنائية لضمان استمرار التعليم لمئات الآلاف من الطلاب.

ويقول لـ”يمن مونيتور”: “نحن لا نتحدث فقط عن اختبارات، بل عن جيل كامل يواجه ظروفاً قاسية ويصر على مواصلة التعليم. نجاح هؤلاء الطلاب يمثل انتصاراً للإرادة قبل أن يكون نجاحاً أكاديمياً”.

كما كثفت المدارس خلال الأسابيع الأخيرة برامج المراجعة النهائية ودروس التقوية، إلى جانب تقديم الإرشادات المتعلقة بإدارة الوقت والتعامل مع الاختبارات وتخفيف التوتر المصاحب لها.

مسؤولية وطنية

ويؤكد مختصون أن نجاح اختبارات الثانوية العامة يتطلب تكاتف مختلف الجهات الرسمية والمجتمعية، بدءاً من الأسرة والمدرسة، وصولاً إلى الأجهزة المعنية بتوفير الأمن والخدمات الأساسية.

ويشيرون إلى أن التعليم ظل أحد أهم القطاعات القادرة على حماية الأجيال من تداعيات الحرب والنزوح، وأن دعم الطلاب في هذه المرحلة يمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل البلاد.

وفي مأرب، لا تبدو اختبارات الثانوية العامة مجرد موعد سنوي يتكرر مع نهاية كل عام دراسي، بل قصة جديدة من قصص الطموح التي تكتبها المحافظة كل يوم. فخلف كل مقعد اختبار يقف طالب يحمل حلماً مؤجلاً، وأسرة تراهن على الغد، ومعلم آمن بأن التعليم قادر على الانتصار على ظروف الحرب.

وبين دفاتر المراجعة وأوراق الامتحانات، يواصل آلاف الطلاب والطالبات رسم ملامح مستقبلهم بثقة وإصرار، مؤمنين بأن الطريق إلى الحياة يبدأ من قاعة الاختبار، وأن الأمل، مهما اشتدت الظروف، يظل أقوى من كل التحديات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى