آراء ومواقف

من الشطار والعيارين إلى المجلس الانتقالي: مآل الفوضى واحد

فتحي بخضر

لم يخرج الشطار والعيارون من رحم فكرة كبرى، ولا حملوا لواء رسالة تتجاوز ذواتهم، بل نهضوا من هوامش المدن حين تراخت قبضة الدولة، وتصدعت الجدران التي تفصل النظام عن الفوضى. كانوا أبناء الأزقة الضيقة والحارات المضطربة، حيث يختلط الفقر بالمغامرة، والحاجة بالعدوان، وحيث يجد الساقطون من المجتمع في الفتنة سلماً للصعود.

الشُّطّار والعيّارون جماعات سوقية نشأت في حواضر الدولة العباسية خلال فترات الاضطراب السياسي وضعف السلطة المركزية.

في صفحات المؤرخين القدماء لا يظهر العيارون فرساناً شعبيين بقدر ما يظهرون ظلاً ثقيلاً يهبط على المدن كلما غابت السلطة. كانوا، في وصف كثير من تلك المصادر، رعاعاً وأوباشاً وسفلةً يتقنون فن اقتناص اللحظة المرتبكة، فإذا اشتعلت الخصومات بين الأمراء خرجوا من جحور الفوضى، ينهبون الأسواق، ويقتحمون الدور، ويفرضون على الناس خفارات وإتاوات لا يسندها قانون ولا يردعها ضمير.

لم يكن سلاحهم القوة وحدها، بل الحيلة أيضاً. فالشطارة عندهم لم تكن ذكاءً نبيلاً، وإنما دهاءً يتغذى على الخداع، وقدرة على الالتفاف على القيم والأعراف كما يلتف اللص على غفلة صاحبه. عاشوا على هامش الفضيلة، واتخذوا من الفوضى مهنة، ومن اضطراب الأحوال موسماً للرزق والسلطة.

لم يقدمهم أكثر المؤرخين بوصفهم حركة احتجاج اجتماعي، بل بوصفهم من السوقة والرعاع وأهل الفساد. ومن النماذج الدالة على ذلك:

● يصفهم أبو الحسن المسعودي في بعض إشاراته بأنهم من عوام الناس الذين يستغلون اضطراب الأحوال للسطو والنهب وإثارة الفتن.

● ويذكر ابن الجوزي في حوادث بغداد أن العيارين كانوا إذا ضعفت قبضة الدولة «نهبوا الأسواق والدور»، وأن الناس كانوا يخافونهم كما يخافون اللصوص وقطاع الطرق.

● أما ابن الأثير فيورد أخباراً متكررة عن استيلائهم على الأحياء والأسواق وإحراقهم الممتلكات وفرض الإتاوات على السكان، خصوصاً في فترات الصراع بين البويهيين والسلاجقة.

● ويصفهم الخطيب البغدادي ضمن حديثه عن اضطرابات بغداد بأنهم من «العامة والسفلة» الذين كانوا يستغلون الفتن لتحقيق المكاسب والنهب.

وفي البيئات التي التصقوا بها ازدهرت ثقافة المجون والعبث الحضري، واختلطت أخبارهم بمجالس اللهو والشراب، وبحكايات المخنثين والندماء والمتكسبين بالحيلة. وتسرّبت إلى تلك الأجواء صور من الانحلال الذي عرفته بعض الحواضر العباسية، بما فيها التغزل بالمردان والغلمان في الأدب والأخبار والنوادر، وإن لم تكن هذه الظاهرة وقفاً عليهم وحدهم، بل جزءاً من مناخ أوسع أصاب بعض طبقات المجتمع الحضري يومذاك.

كانوا أشبه بما يطفو على سطح الماء الآسن حين يركد، لا يصنعون الأزمة بقدر ما يكشفونها، ولا يبنون واقعاً جديداً بقدر ما يقتاتون على تصدع الواقع القائم. لذلك لم تتركهم كتب التاريخ في صورة أبطال، بل أبقتهم في الغالب مثالاً على الوجه السفلي للمدينة حين تفقد توازنها، وجه السوقية حين تتجرد من الحياء، والحيلة حين تنفصل عن الأخلاق، والقوة حين تتحول من حماية المجتمع إلى افتراسه.

ومن الأوصاف التي تكررت في المصادر التراثية عند الحديث عنهم:

● السفلة.

● الرعاع.

● أهل الفساد.

●أوباش العامة.

●اللصوص وقطاع الطرق.

● أهل الشر والفتنة.

وهكذا بقي اسم الشطار والعيارين في الذاكرة التراثية عنواناً لمرحلة كانت فيها الفوضى ترتدي هيئة جماعة، وكان الانفلات الأخلاقي يجد له موطئ قدم بين أنقاض السلطة المتداعية.

لا يستحضر تاريخ الشطار والعيارين لمجرد أنهم مارسوا السلب أو عاشوا على هامش المدن، بل لأنهم مثلوا ظاهرة تنمو كلما ضعفت الدولة وتراجعت هيبة القانون. كانوا قوة تستمد نفوذها من السلاح ومن قدرتها على فرض الأمر الواقع، وتعيش على الفراغ الذي تتركه المؤسسات حين تعجز عن أداء وظائفها.

أرى أن أوجه الشبه بين ظاهرة الشطار والعيارين مع ظاهرة المجلس الانتقالي الجنوبي لا تبدو بعيدة. فما فعله أولئك يفعله هؤلاء، فبدلاً من الاحتكام الكامل إلى مؤسسات الدولة، برزت مراكز قوى مسلحة تفرض حضورها على الأرض، وانتشرت شكاوى من الجبايات والنقاط العسكرية والتدخلات الخارجة عن الأطر القانونية، فيما ظلت قضايا عديدة تثير تساؤلات حول المحاسبة وقدرة القانون على الوصول إلى أصحاب النفوذ.

وكما لم يكن العيارون يبنون دولة بقدر ما كانوا يستفيدون من ضعفها وغيابها، أرى أن استمرار النفوذ المسلح الذي استمرأه الانتقالي خارج المؤسسة الرسمية كرس حالة الهشاشة بدلا من معالجتها حتى تحول المجلس إلى حارس الهشاشة والمستفيد الأول منها. الخطر دائماً لا يكمن في أفراد بعينهم بقدر ما يكمن في البيئة التي تسمح بنشوء مراكز قوة تتقدم على القانون وتصبح أقوى من آليات الرقابة والمساءلة.

لا أجد في المقارنة بين الشطار والعيارين وبين المجلس الانتقالي أي قدر من المبالغة. فالمسألة ليست تشابهاً في بعض التفاصيل، بل تشابه في الوظيفة والدور والبيئة التي أنتجت الظاهرتين. ففي الحالتين نحن أمام قوى تنمو في فراغ الدولة، وعاجزة عن أن تغدو دولة، وتستمد نفوذها من السلاح أكثر مما تستمده من القانون، وتعيش على اختلال المؤسسات أكثر مما تعيش على قوة المؤسسات.

لقد كان الشطار والعيارون أبناء الفوضى في عصرهم، وكانوا يزدهرون كلما ضعفت الدولة وتراجعت هيبتها. والمجلس الانتقالي، في تقديري، ليس سوى التعبير المعاصر عن الظاهرة ذاتها. قد تختلف الشعارات، وقد تتغير الرايات، لكن الجوهر يبقى واحداً حين تتحول الجبايات إلى مورد استراتيجي، والنقاط المسلحة إلى أدوات سيطرة، ويصبح الأمر الواقع أقوى من سلطة القانون.

فالأسماء تتبدل، والوجوه تتغير، لكن الفوضى تظل ولّادة ولا تكف عن إنجاب أبنائها. وإذا كان التاريخ قد عرفهم يوماً باسم الشطار والعيارين، فإنه يعرفهم اليوم باسم آخر قد يكون هو المجلس الانتقالي للجنوب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى