بعد جلسة التوبيخ والاعتقالات.. الأمم المتحدة تخلع عباءة صنعاء هل تكتب نهاية “سلطة الأمر الواقع”؟

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
نقلت الأمم المتحدة مقر منسقها المقيم في اليمن إلى عدن، بعد أكثر من أسبوعين على احتجاز ما لا يقل عن 21 موظفا أمميا في العاصمة صنعاء وجلسة توبيخ لمسؤوليها. وهي أحدث ضربة في عزلة الحوثيين الدولية ونتيجة مباشرة لسلوكهم العدواني مع المنظمات الدولية والتي ستنعكس سلباً على صلتهم بالعالم الخارجي.
هذا التحول ليس مجرد خطوة إدارية، بل هو رسالة واضحة من الأمم المتحدة بشأن البيئة الأمنية والقيود المفروضة على عملها في صنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وقال مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن، الثلاثاء، إن موقع المكتب تغير إلى عدن، لكن المنسق المقيم سيواصل تنفيذ مهامه في جميع أنحاء البلاد.
وأضاف البيان أن “المنسق المقيم يحافظ على تواجده في صنعاء وسيسافر في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك إلى صنعاء”.
وصرحت الأمم المتحدة سابقًا بأن الحوثيين داهموا مقرها في صنعاء في 31 أغسطس/آب واحتجزوا موظفين أمميين، عقب غارة إسرائيلية أسفرت عن مقتل رئيس وزراء الحكومة التي يسيطر عليها الحوثيون وعدد من الوزراء الآخرين. وأكدت وزارة الخارجية الخاضعة لسيطرة الحوثيين وغير المعترف بها دولياً أن الحصانات القانونية لمسؤولي الأمم المتحدة لا ينبغي أن تحمي أنشطة التجسس.
قبل أيام من إعلان نقل المكتب إلى عدن قال مسؤول في وزارة خارجية الحوثيين إن قيادة الحركة استدعت منسق الأمم المتحدة لجلسة توبيخ في مقرها في صنعاء، واتهمت وكالة الأمم المتحدة بالعمل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل بالتجسس.

جلسة توبيخ للمنسق الأممي
وقال المسؤول إن “جوليان هارنيس” جلس أمام إسماعيل المتوكل وبجواره صورة زعيم الحوثيين، “كمراهق ارتكب عملاً كبيراً ويستمع للتوبيخ من ولي أمره “المتوكل” الذي اتهمه بالتواطؤ مع استهداف المواطنين في حي التحرير وسط صنعاء بعدم تحريكها أي بيان، والعمل مع الأمريكيين والإسرائيليين لتأزيم الوضع الإنساني”.
وقال المسؤول الحوثي لـ”هارنيس” إن بيانات الأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الدولي ومجلس الأمن قامت على أساس تغذية راجعة من “هارنيس” ومكتب المنسق الأممي في صنعاء. وهي بيانات إدانة واضحة لسلوك الحوثيين في التعامل مع المنظمات الدولية.
تحدث لمسؤول لـ”يمن مونيتور” شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الموضوع.
ويوم الثلاثاء استدعى الحوثيون ممثلي يونيسف وبرنامج الغذاء العالمي الذين طلبوا بسرعة عودة تنفيذ المشاريع الإنسانية في مناطق سيطرتهم مع الالتزام الكامل بشروط الجماعة بما في ذلك كشوفات التوزيع وعدم التجاهل مع الشروط.
ويوم الثلاثاء، قال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في بيان إن التصعيد الأخير من جانب الحوثيين “لا يُطاق”، مضيفًا: “إن الاحتجاز التعسفي لموظفي برنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة، والاقتحام القسري لمكاتب الأمم المتحدة، وتدمير الممتلكات ومصادرتها، والإجراءات القسرية ضد الموظفين المحليين، أمور غير مقبولة، وقد أضرّت بشدة بقدرة برنامج الأغذية العالمي ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الأخرى على الوصول إلى المجتمعات الضعيفة في شمال اليمن”. ودعا إلى إطلاق سراح جميع عمال الإغاثة.
وقال مسؤول إغاثة في صنعاء إن الحوثيين يتعاملون مع منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى كمكاتب تنفيذية تابعة لسلطة الجماعة وليس كشركاء ومنظمات إغاثة لوضع “هم سبب رئيسي في ترديه حتى قبل الحرب الإسرائيلية على غزة”.

تأثير القرار على الحوثيين
نقل مقر المنسق المقيم إلى عدن يمثل ضربة قوية ومباشرة لصورة الحوثيين، وله أبعاد متعددة على كيفية نظر المجتمع الدولي إليهم، فمن ناحية تزيد عزلتهم الدولية مع تآكل مشروعية إدارتهم لمناطق سيطرتهم من قِبل الأمم المتحدة التي قاومت ضغوطاً من الحكومة المعترف بها دولياً ودول إقليمية لنقل مقراتها إلى عدن طوال السنوات الماضية.
فرغم عدم اعتراف المجتمع الدولي بسلطة الحوثيين في صنعاء، إلا أن وجود مكاتب وموظفين أمميين رفيعي المستوى في العاصمة كان يمنحهم نوعاً من الشرعية “العملية” أو “الواقعية”. هذا القرار يسحب هذا الغطاء، ويجعل من صنعاء مركزاً أقل أهمية في الخريطة الدبلوماسية والإنسانية الدولية.
جاء قرار نقل مقر المنسق المقيم بعد احتجاز موظفين أمميين، وهو ما يؤكد المخاوف المستمرة لدى المنظمات الدولية بشأن القيود الأمنية والمضايقات التي يواجهها موظفوها في مناطق سيطرة الحوثيين. هذا الإجراء يرسل رسالة واضحة إلى المنظمات الأخرى بأن العمل في صنعاء أصبح محفوفًا بالمخاطر، وقد يؤدي إلى انسحاب جزئي أو كلي لبعضها.
ينقض رواية “الدولة الموازية” التي لطالما أصر الحوثيون على ترسيخها. فخلال السنوات الماضية سعى الحوثيون لإظهار أنهم سلطة مستقرة قادرة على التعامل مع المجتمع الدولي. هذا القرار يقوض هذه الرواية، ويؤكد أنهم لا يزالون طرفاً غير موثوق به وغير قادر على توفير بيئة عمل آمنة ومستقرة للمنظمات الدولية التي تقدم المساعدة للسكان الذين يعيشون تحت سلطتهم.
هذا القرار يعزز من مكانة عدن كمركز للعمل الإنساني والدبلوماسي، ويدعم بشكل غير مباشر الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وتنفذ شروط البنك المركزي ومطالب الحكومة بأن تمر أموال المساعدات عبر البنك المركزي اليمني مما يساعد العملة الوطنية. في نفس الوقت يؤدي إلى تحويل المزيد من الاهتمام والموارد نحو الجنوب.

أبعاد القرار على العمل الإنساني في اليمن
التحول إلى عدن يترك آثاراً عميقة على العمل الإنساني، خاصة في المناطق الشمالية الأكثر احتياجاً؛ وقال “توم فليتشر” وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إن اليمن أصبح ثالث أكثر بلد يعاني من انعدام الأمن الغذائي في العالم، حيث يُتوقع أن ينضم مليون شخص إضافي إلى قائمة من يعانون من الجوع الشديد، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 17 مليون يمني قبل فبراير/شباط المقبل ومعظم هؤلاء في مناطق الحوثيين.
وحسب مسؤولي إغاثة ناقشهم “يمن مونيتور” في صنعاء فإن نقل مقر المنسق المقيم التابع للأمم المتحدة إلى عدن يفرض تحديات كبيرة على تنسيق العمليات الإنسانية في اليمن. سيزيد هذا القرار من تعقيد إدارة وتوزيع المساعدات، حيث أن المسافة الجغرافية والسياسية بين عدن وصنعاء ستخلق حواجز إضافية. على الرغم من تأكيد الأمم المتحدة على استمرار المنسق المقيم في السفر إلى صنعاء، إلا أن هذا التباعد قد يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرارات وإعاقة الاستجابة السريعة للأزمات.
بسبب نقل المقر، قد تضطر الأمم المتحدة إلى الاعتماد بشكل أكبر على الشركاء المحليين في المناطق الشمالية. هذا الاعتماد المتزايد يرفع من المخاطر المرتبطة بسلامة وأمن المساعدات نفسها، كما يزيد من احتمالية فرض الحوثيين لقيود إضافية على هذه المنظمات المحلية، وتخضع هذه المنظمات لتحكم من الحوثيين ويستجوب مدراءها بانتظام حول أعمالها ومشاريعها وارتباطاتها وتشوه سمعتها باعتبارها أداة “جاسوسية” للخارج.
وقال مسؤول إغاثة مرتبط ببرامج الأمم المتحدة: إن وجود المقر في صنعاء كان يسهل على الأمم المتحدة مراقبة توزيع المساعدات وتقييم الاحتياجات بشكل مباشر، لكن نقل المقر يضعف من قدرة المنظمة على متابعة العمليات في المناطق الشمالية بشكل فعال، مما قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات الوصول وتوزيع المساعدات.
وتحدث المسؤولون في هذا التقرير شريطة عدم الكشف عن هويتهم لحساسية الموضوع وخشية انتقام الحوثيين.
قرار الأمم المتحدة بنقل مقر منسقها المقيم إلى عدن لا يقتصر على كونه تحولاً إدارياً، بل يمثل نقطة فاصلة في علاقة المجتمع الدولي مع سلطة الحوثيين. فهو يعكس نفاد صبر المنظمات الأممية إزاء القيود والانتهاكات التي جعلت صنعاء بيئة طاردة، ويضع الحوثيين أمام عزلة أوسع وفقدان آخر أوراق المشروعية الواقعية التي طالما تمسكوا بها.
وفي المقابل، يعزز القرار من موقع عدن كمركز دبلوماسي وإنساني رئيسي، بما يحمله ذلك من انعكاسات على مسار الأزمة اليمنية وتوازناتها الداخلية والخارجية، خصوصاً مع اشتداد التحديات الإنسانية التي لا تزال تثقل كاهل ملايين اليمنيين.




