فكر وثقافة

مخيّم جباليا: مَهْرُ الطريق من غزّة إلى يافا

محمد جميل خضر

من بين باقي مخيمات قطاع غزّة الثمانية، يحمل مخيم جباليا خصوصياتٍ عَديدة، فهو: أكثرها كثافة سكّانية (أكثر من 113 ألف إنسان فوق مساحة تزيد قليلًا عن كيلو متر مربّع)، أقربها إلى فلسطين التاريخية (كيلومترات قليلة تفصله عن سياج الفصل العنصري)، أقدمها تأسيسًا (تأسّس بعيْد النكبة مباشرةً في عام 1948)، أغزرها تنوّعًا بالنسبة للقاطنين فيه منذ عام 1948 (عام النكبة وتهجير الناس)، بيْن من جاءوا من قريّة سمسم (إحدى قرى غزّة ومسقط رأس الشيخ سليمان عبد القادر (أبو علي) أحد قادة ثورة سنة 1936 ضد الاحتلال البريطاني)، وبين من لجأوا إليه قادمين من يافا، وسكْنة الحلوة (داخل حدود يافا الكبرى)، وبَرْبرة (بين غزّة ويافا)، ونعْليا (جنوب المجدل وشمال بَرْبرة)، واللد، والرملة، والمجْدل (غير مجدل طبريا)، وهِرْبيا (من قرى عسقلان)، ويِبنا (أو يِبنة، جنوب غربي الرملة)، وزرْنوقة (جنوب غربي الرملة، ولعلّ اسمها مأخوذٌ من الكلمة العربية “زرْنوق” التي تعني النهر الصغير، حيث كان يمرّ وادي القَرامة على بعد 2.5 كم غربيّها ليلتقي بوادي الصرَّار، ويكوّنا معًا نهر روبين)، وبئر السبع، ودِمْرة الخصبة ذات التربة الحمراء التي تتبع لواء غزّة، وتبعد عن مساكن بيت حانون حوالي أربعة كيلومترات فقط، ونِجِد (14 كيلومترًا شمال شرقي مدينة غزة، وجنوب غربي بْرير، وشرقيّ بيت حانون، كانت تشتهر بِالزراعة والرَّعي)، وحْليقات (قضاء غزّة، تحيط بها قرى كوكبا وبيت طيما من الشمال، وبْرير من الجنوب، وبيت جِرجا من الغرب، والفالوجة من الشرق، أقيمت على أراضيها مُسْتَعَمَرَة “جلنس”)، ودير اسْنيد (على بعد 12 كيلومترًا شمال شرقي غزّة، كانت محطّة من محطات سكة حديد رفح ـ حيفا بين المجدل وغزّة)، وأسْدود التي يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد على الأقل (جاء في التوراة -يشوع 13: 1-3-47- أن أسدود، أو أزوتس، كانت إحدى مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى).

وشمُ الطريق إلى الوطن

مخيم جباليا الناهض مثل وشمٍ في الذاكرة على شارع رئيسيٍّ كبير يحمل اسم “غزّة ـ يافا”، المخيّم الذي تعرّض في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى مجزرة يندى لها جبين الإنسانية (أو ما تبقّى من تلك الإنسانية) راح ضحيتها مئات الشهداء جلّهم من الأطفال، ومن النساء، ومن العاجزين عن حمل السلاح، يختزن في أزّقته المتورّمة بالحنين وبالغضب حكايات، ويطوي مقابر للغزاة، ويعلّم صغاره أن يعشقوا فلسطين قبل أن يبدّلوا أسنان الحليب.

هو أوّل الانتفاضات، أوّل الغضب، أوّل العبور إلى الوطن السليب، وأوّل الإحصائيات الكبرى حول تعليم الطفولة ألف باء المجد وآيات الكرامة.

استقر في المخيم بداية زهاء 35 ألف فلسطيني من المدن والقرى التي ذكرنا معظمها أعلاه، ليصل اليوم إلى أكثر من الرقم الوارد أعلاه، كوْن إحصائيات تعداد الأحياء في غزّة، تشبه تعداد الشهداء؛ قابلة للزيادة كلّ ثانية ورَمْشة عيْن.

ومن بين وشومٍ كثيرةٍ محفورةٍ فوق جسده، يشعّ وشم الطريق إلى الوطن.

شرارةٌ لا تخبو

قدر مخيم جباليا أن يظل منذ النكبة الكبرى الشرارة التي لا تخبو، فَمِنه اندلعت تلك الشرارة لِتعلن الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) في عام 1987، وتحديدًا في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 1987، عندما ارتكب سائق شاحنة صهيونية في اليوم السابق لذلك التاريخ جريمة دهْسِ عمالٍ فلسطينيين قرب حاجز “إيريز” (الحاجر الذي حُرِّر بِالكامل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023)، فكان أوّل من انتفض ردًّا على تلك المجزرة أطفال مخيم جباليا ورجالها، ممّن تشرّبوا من آبائهم وأجدادهم قصص بلداتهم البعيدة بسبب مرتكزات الواقع الأليم، القريبة في الجغرافيا والحلم والوجدان.

قبل هذا التاريخ بعشرين عامًا وقعت في السابع من يونيو/ حزيران 1967، في مخيم جباليا مجزرة، وشكّلت يومها شرارة مواجهات لم تنقطع منذ أصبح جزءٌ من مدينة جباليا مخيمًا للاجئين الفلسطينيين داخل بلادهم فلسطين. مجزرة ثالثة وقعت في المخيم في عام 1968. مجازر تلتها مجازر على طريق النصر والتحرير، ظلّت تشكّل في كل مرّة شرارة غضب، أو شرارة مواجهة مباشرة بمختلفِ ما تيسّر بين أيدي أطفال المخيم وشبابِهِ من أدوات لهذه المواجهة، أو تلك: حجر، شجر، رمل، مقلاع، صيحة، مظاهرة حتى أسلاك السياج، نظرة قهر مترافقة مع توعّد متّقد، وصولًا إلى أسلحة المواجهة المحصونة هذه الأيام بِحُسْنِ الإعداد، الممْهورة بخبرةٍ وإرادةٍ وتصميمٍ يريد أن يسطّر، وحدَه، من دون معونة من أحد، مفردات حقِّ تقرير المصير.

في ساحة بركة أبو راشد (الساحة الرئيسية في المخيم) تجمّع طلبة مدرسة الفالوجة، وكثير من طلبة باقي مدارس المخيّم، عبروا شارع العوجة، وصولًا إلى ساحة المواجهة، وهناك، كما يروي ماهر المقيّد، أحد شهود تلك الانتفاضة وأحد نشطائها، استشهد أوّل شهداء انتفاضة الحجارة: الشهيد الفتى الطفل حاتم السيسي (16 عامًا)، ليتحوّل الأمر من مجرّد تظاهرة طلابية احتجاجية على قتل العمّال، إلى هبّة شعبية جارفة، أعادت لِقضية فلسطين وهجَها الذي كاد يذْوي في الفترة التي أعقبت خروج الثورة الفلسطينية من لبنان في عام 1982.

 

بعد ذلك، صار لتلك الانتفاضة قيادتها الموحّدة، كما شكّلت الانتفاضة الأولى العامل الرئيسيّ، بتحوّل حركة حماس على يد مؤسسها الشيخ الشهيد أحمد ياسين، من مجرّد حركة دعوية، إلى فصيل فلسطيني مقاوم جديد. عند مفترقِ طرقٍ ليس بعيد عن مخيم جباليا يشمخُ نُصُب مكتوب عليه أسماء قيادات الانتفاضة الأولى بعد أن تحولوا إلى شهداء، واسم ذلك النُصُب هو: “صرح كوكبة الشهداء الستة”: أحمد أبو بطيحان، جمال عبد النبي، أنور المقوسي، عبد الحكيم شمّالي، مجدي عبيد، وناهض عودة.

وليس بعيدًا عن جباليا ومخيّمها، وتحديدًا قرب معبرِ المِنطار شرقيّ غزّة، حفر الطفل الشهيد فارس عودة (14 عامًا) بدمه أيقونة خالدة، عندما جعل العالم يرى كيف يمكن أن يواجه الطفل الفلسطيني الدبابة بحجرٍ، وكيف يبني هذا الحجر من أرضنا سقف السماء.

بين رفح في أقصى جنوب قطاع غزّة، وبيت حانون في أقصى شمالها، تتجلى مدينة جباليا بوصفها شوكة في حلق الاحتلال، وأمّا مخيم جباليا فهو نصل هذه الشوكة، عظمها الصلب العصيّ على الانكسار، الذي يواصل مدّ النضال الفلسطيني بالشرّر كلما كاد يخفت وقود شرارِه، فالوقود ليس هو فقط الذي تعزّه الشقيقة مصر عن أهلها في غزّة، بل قد يكون الوقود مادة أخرى غير تلك المُستخرجةِ من نفطِ العروبة الصامت!

جدرانُه تَهاني

الملْمح الأول اللافت لمن يدخل مخيم جباليا للمرّة الأولى هو حجم الكتابة المهول على حيطانه، على كل جدرانه الحديثة منها والقديمة، المصبوبة بِكرم المال، أو المرفوعة كيفما اتّفق لها أن تُرفع. وأمّا الأمر الجدير بالانتباه والدهشة أن معظم الكتابات على حيطانه هي عبارات تهنئة بعرسٍ، أو مباركة للعريس، وأحيانًا، ولكن قليلة، للعريس وللعروس: “العريس القادم علاء”، أو “فرحة العريس محمد… عقبال عند أحمد”، “تهنئة خاصة من أهل الحي؛ عائلة جمعة، أبو عودة، أبو حبّاب، أبو العمرين، الفيري، شلايل، أبو عوكل، شتات، قوّاس، أحمد، أبو عميرة، الطناني، التلولي ومحسن”، “تهنئة من نسيب العريس أدهم أبو العبد، عبد يوسف ألف مبارك”، “تهنئة من أبناء عم أويس”، “تهنئة لِدلال ويوسف ونسايب العريس”، “ألف مبروك للعريس مصعب، نرحب بالقادمين إلى عرسنا”. وعلى الحائط المقابل لتهنئة مصعب، تهنئة أخرى له تقول: “أفراح آل عبيد، والد العريس أبو مصعب يبارك له، وأعمام وأقارب العريس يباركون له”، “تهنئة من عائلة أبو نصر في الوطن والشّتات”.

وعلى حيطانه أسماء أهله: “نادر أبو عزّت، محمد أبو أحمد، أبو الحسن”، وعلى جدار آخر: “أبو إلياس… أبو خضر”، وهلمّ جرًّا. وعلى حيطانه رسومات لِبيوت جميلة وطيور وديعة وأمل يكبر. رسمة أخرى هي عبارة عن رأس قلب باللون الأحمر، وفي داخله كلمة حبّي. وفي أحايين كثيرة يوقّع من خطّط المباركة، أو كتب بعض أسماء أهل المخيّم ووجهائه، أو رسم لوحة/ فكرة ما، اسمه، مثل الرسّام “حمّودة”، الذي وقّع اسمه على كثير من جداريات التهنئة المنتشرة على امتداد أزقّة المخيم وحاراته وشوارعه.

قليلة هي الكتابات الجدارية في مخيم جباليا التي تحمل دلالات سياسية، مثل عبارة: “نحن أبناء الفتح” على أحد حيطانِهِ، ولعلَّ كاتبها يعلن، عبرَها، انتماءَه لحركة فتح.

(ملاحظة: هذه الكتابات التقطتُّها من سلسلة برامجيّة عنوانها “من المخيم” خُصّصت أربع حلقات منها لِمخيّم جباليا، وكون البرنامج من إنتاج تلفزيون فلسطين الرسميّ، فقد يكون اختيار الأزقّة والحارات التي حرص الإعداد أن يجري التصوير فيها ممّا تحمل حيطانها هذه العبارات من دون غيرها، وقد تكون حيطان المخيّم جميعها هذه حالها، ولكن كان لا بدّ من إيراد هذه الملاحظة من باب الأمانة المهنية).

مراجيح المسرّات

في المخيم مراجيح، وهل تحلو المراجيح لغير أطفال المخيّم؟ ففي غدوّها ورواحِها ينبض الأطفال بالأغاني الفلسطينية الطالعة من خزّان قهرٍ وأشواقٍ ومواقيتِ عودة لا بد أن تجيء.

وفيه عائلات وأُسر تنحدر أصولها من المدن والبلدات المذكورة في مستهل الكتابة عنه: الجربوع، الهرش، الدبس، المصري، الأعرج، من يافا وحدها. في أزقّته يجد الصغار مساحة يلعبون فيها مهما بلغ ضيقها، فهي مع الآمال تتّسع، والفلسطيني ينقّي، عادة، أنفاس الحياة من بين كل زَوان الألم.

لا يمكن القول إن في المخيم سمات عمارةٍ ما؛ فكما هي حال مخيم شاتيلا في بيروت، وكما هي حال كثير من مخيمات اللجوء الفلسطينيّ، فإن أبرز ملامح عمارة مخيم جباليا هي عمارة الأزقّة التي تكاد تستند بعضها على/ إلى بعضها. عمارةُ تجاورِ البيت الحجر المسقوف بالإسمنت، مع بيت سقفه من (الشينكو)، وتجاورِ أبواب خشبية منقوشة بلمسة جمالية لافتة، مع أبواب مصنوعة من حديد ينخره الصدأ، أو حتى من قطع قماشية عُلِّقت على مداخل بيوت كثيرة في المخيم لتقوم مقام الأبواب.

حبال الغسيل تحاذي الجدران المتلاصقة. المسافة في بعض زقاق المخيم بين الجدار والجدار الذي يقابله لا تتعدى المتر الواحد، وربما أقل من ذلك كثيرًا.

أمّا جباليا المدينة التي يحمل المخيّم اسمها، فإن اسمها مأخوذٌ من العلوّ والارْتفاع، وأجْبل القوم أي ساروا إلى الجبل، وأجبل أي إذا صادف جبلًا من الرّمل. وسميت جباليا نسبة إلى سكانها الجبليّة، ومن المدن المقاربة لاسمها: جبْلة في اليمن، وجبْلة في سورية.

في جباليا جبل من الرمل، يقول الراوي العليم إن رمل جباليا ورمل مخيمها، تحوّل إلى رمال متحرّكة غرق فيها كل معتدٍ أثيم. راوٍ آخر يرى ما لا نراه، ويؤكد أنه رأى في ما يرى المستيقظون، الذين جافى النوم جفونهم، أطفالًا لهم أجنحة ملوّنة بالأحمر والأخضر والأبيض والأسود، يحلّقون فوق الكوكب الملعون، ويعيدون تشكيل جغرافيّته السياسيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة من جديد.

لبعض الطرق في العالم رسوم عبور، وأمّا طريق غزّة ـ يافا فله مَهْر، وهو أقدس من أي رسم عبور؛ مهرٌ يعرفه أبناء مخيّم جباليا، وباقي مخيّمات غزّة، حقّ المعرفة، ويواصلون دفعه بدمائهم على امتداد ثمانية عقود ماضية، ومن دون تذمّرٍ يتساءلون: أما صار يكفي أيها الطريق الطويل، المفروش بالأكاليل؟

المصدر: ضفة ثالثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى