فكر وثقافة

عمارة صنعاء: قبسٌ من اليمن السعيد في دروب التجديد

يمن مونيتور/  ضفة ثالثة

بِنماذج من خط المُسْند (الخط العربي الجنوبي القديم)، مخرّمةً، أو مُوَلْجَمَةً، فوق واجهات البيوت، ومعشّقة حول النوافذ، بألوان الفن الإسلامي وزخارفه، وبروحٍ قديمةٍ قابلةٍ للتّجدد، وبنزعةٍ صديقةٍ خضراء، وبإشعاعات سحرٍ فوق رؤوس الجبال، تواصل العمارة في صنعاء أشجانَ زهوٍ كان، شامخةً بوصفها التمثيل الأبهى لِعمارة اليمن السعيد.

حتى بدو اليمن وأهل وَبَرهِم لم يقبلوا، في ذلك الزمان البعيد الثريّ، أن تكون بيوتهم خيامًا مثل بدو الأرض أجمعين، فَصنعوها من الدّيباج، فإذا بالحرير يحيطهم مثل سياج الدّعة المُشتهاة، ويسْتوي تحت راحات أجسادهم مثل الحمَل الوديع.

ليس من دون سببٍ، إذًا، أن يقول الشاعر والمخرج الإيطاليّ بيير باولو بازوليني (1922 ـ 1975)، قبل 51 عامًا، كلمته الحق في بهاء عمارة اليمن، وخصوصية صنعاء، صاحبةُ الحصّة الأبْلغ من كل هذا البهاء: “من الناحية المعمارية، اليمن هو أجمل بلد في العالم. وصنعاء هي البندقية على الرمال”.

ولا عفو الخاطر، أو مجاملة عابرة، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم “اليونيسكو” في عام 1986 مدينة صنعاء القديمة (مدينة سام، كما كان اسمها)، ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، باعتبارها تمثّل “تحفةً عبقريةً خلّاقة من صُنع الإنسان”.

(مِن فات قديمة)

يقول المثل المصريّ (مِن فات قديمة تاه عن جديده)، وهنالك من يختصره بالآتي: (مِن فات قديمة تاه). ولعل هذا المثل ينطبق بشكلٍ مؤسف على واقع العمارة اليمنية هذه الأيام، وإدارة معظم تمثيلاتها المعاصرة الظهر للعمارة اليمنية القديمة. ففي حين كانت العمارة اليمنية القديمة، بمفرداتها التصميمية والتخطيطية، تحمل وعيًا بيئيًا ناضجًا، كما يجمع معظم أصحاب الاختصاص، لا يقل شأنًا عن مختلف طروحات الفكر البيئي المعاصر، فإن العمارة اليمنية المتعيّنة أيامنا هذه تفتقد لتلك السمة المهمة. يعني أن العمارة اليمنية كانت خضراء قبل مئات السنين من إطلاق هذا المصطلح، وهي اليوم تتشح بألوان شتّى ليس الأخضر من بينها، ناهيك عن لون الدم والدمار الذي أصاب قلب عمارة صنعاء النابض.

تفيد وثائق تاريخية أن سكان الحارات في صنعاء القديمة كانوا يزرعون الخضروات التي يحتاجونها للغذاء

فإضافة إلى القصف الجويّ الذي وصل خلال عام 2017 إلى جامع قبّة البكيرية العثماني، الذي يعد من أهم المساجد في صنعاء، ودمّر بعض المباني التراثية القديمة (يوجد في صنعاء 11 ألف مبنى تراثي، أو قديم، أو عريق)، فإن أمطار عام 2020 وَفيضاناته، كان لها آثار مدمرة مضاعفة، حرّكت جهات أممية، وجعلتها تدعم عمليات حصر الدمار وإحصائه، لإنقاذ معالم تاريخية كبرى، مثل الجامع الكبير، الذي يعد ثالث جامع في الإسلام، بعد جامع طيبة، والمسجد النبوي الشريف، كما أن هنالك عددًا من المباني تنتمي إلى حقب سياسية متعددة، وإلى أنظمة حكم ودول تعاقبت على صنعاء، سواء في فترة الدولة السبئية، أو الاحتلال الفارسي، أو الحبشي.

صنعاء الخضراء

في العودة إلى معالم عمارة صنعاء القديمة، وبالتالي عموم اليمن، فإنها عمارة كانت تحرص على وجود المتنفّسات الحضرية، حيث تفيد وثائق تاريخية أن سكان الحارات في صنعاء القديمة كانوا يزرعون الخضروات التي يحتاجونها للغذاء، ويؤسسون لأجلها البساتين، أو المقاشم (اشتق اسم “المقاشم” من الفجل، الذي يسمى باللهجة العامية الصنعانية “القُشمي”، والمقصود بها المزارع الصغيرة التي تتوسط الأحياء السكنية في المدينة القديمة، وتزرع فيها محاصيل زراعية تُستهلك يوميًا على الموائد اليمنية، مثل: الفجل، البقدونس، الجرجير، البصل، وغيرها).

“تشير أبحاث المسح الميداني إلى أن المساحات الخضراء في صنعاء القديمة تشكل نسبة خُمس إجمالي مساحة المدينة القديمة”

في هذا السياق، تشير أبحاث المسح الميداني إلى أن المساحات الخضراء في صنعاء القديمة تشكل نسبة خُمس إجمالي مساحة المدينة القديمة، إذ كان يوجد لكل حيٍّ مساحة خضراء واسعة تخصّه.

عمارة صنعاء الخضراء بدأت قبل زهاء 1000 عام، وآلاف المباني الباقية حتى يومنا هذا بوصفها شاهدةً وشهيدة، شُيّدت بمواد طبيعية محلية من الحجر والطين (وأحيانًا المَدَر: قطع الطوب اليابس)، والطوب، والخشب، ومادة النّورة (مادةُ بِناء كيميائيةٍ تُستخدم في صنع الملاط والشّيد والطّلاء)، وهي مواد طبيعية غير ملوِّثة للبيئة، حتى في حال هدم المنزل، فلن تكون مضرة بالبيئة، أو الصحة.

وفقًا لِدراسة أعدها الباحثان: الدكتور عبد المنطلب علي، أستاذ العمارة والتحكم البيئي في جامعة أسيوط، والباحثة سميرة الشاوش، المدرسة المساعدة في كلية الهندسة في جامعة صنعاء؛ فقد اعتمد قدامى المعماريين اليمنيين في تشكيل مدينة صنعاء القديمة وبنائها، على أسس ومبادئ بيئية وظيفية، وتقنيات محددة، تراعي البيئة على نحو مستدام ومدهش، أهمها التوجّه المعماري للانفتاح إلى الخارج بدلًا عن الداخل.

تقول الدراسة: “شيدت منازل صنعاء القديمة قبل قرون، وفق أسس علمية في التصميم البيئي، بحيث تقاوم تأثيرات المناخ والعزل الحراري وعوامل التعرية”. إلى أن تقول: “شيدت بيوت صنعاء بحيث تؤمن المتانة والثبات للمباني، إذ تكمن الميزة الفريدة في تصميم المنازل بكونها صُممت كي تتبع حركة الشمس والهواء للحصول على إضاءة جيدة وتهوية طبيعية”.

وبحسب الدراسة، اعتمد المعماريون اليمنيون عند بناء منازل صنعاء على أسلوب البناء العمودي بارتفاع من أربعة إلى ستة طوابق مدمّجة بالشكل المكعّب.

ولعل الأمر المدهش في هذا السياق أن معظم منازل صنعاء القديمة تم تشييدها باتجاه الجنوب، من أجل جذب أكبر كمية ممكنة من الإشعاع الشمسي خلال فترة الشتاء.

ولنا أن نتخيّل أن مدينة يعود زهو عمارتها إلى ألف عام ماضية، راعت خلال تشييد مجدها، تخطيط المدينة وتصميم مختلف عناصرها، باتباع أهم التطبيقات البيئية المعاصرة، الخضراء والمُستدام منها على وجه الخصوص.

وبحسب الكاتب اليمني الزميل محمد الحكيمي في مقال له نشره موقع “حلم أخضر” بتاريخ 20 فبراير/ شباط 2020، فإن التخطيط والنسيج العمراني للمدينة القديمة “جعل معظم البيوت والقصور مطلّة من الاتجاهات جميعها على بساتين منتشرة في معظم الأحياء السكنية، التي تتميز باحتوائها على الأشجار المحلية والمزروعات التي تجعل منها حدائق خضراء طوال السنة”.

طريقة تشييد لمّاحة ركّزت على إيجاد فضاءات ومساحات خضراء واسعة في أطراف حارات المدينة ووسطها (توجد في صنعاء القديمة قرابة 69 حارة، وهو ما تفتقده أحياء العاصمة هذه الأيام).

طريقة بناء صنعاء القديمة أوجدت معالجات معمارية وتخطيطية أدت إلى جعل المدينة تبدو مثل كائن حي

مساحات خضراء تعمل كمرشحات طبيعية لتنقية الهواء من الأتربة والغبار. كما تساعد على رفع نسبة الرطوبة وإيجاد الظلال.

ما تقدم يجعلنا نستنتج أن لهذه المساحات الخضراء في صنعاء القديمة وظائف بيئية واقتصادية، فهي تعمل على تنقية الهواء، وتخفيف درجة الحرارة، وتبريد الطقس، ورفع نسبة الرطوبة، وامتصاص أشعة الشمس المباشرة.

صنعاء الفريدة

على امتداد وادٍ جبليٍّ يرتفع عن سطح البحر 2200 متر، بأكثر من 100 مسجد قديم، و21 حمّامًا بخاريًّا وعثمانيًا، وآلاف البيوت الطينية، والمساكن البُرجية متعددة الطبقات، ومنازل الآجر القديمة، تزهو صنعاء، منذ 2500 عام بفرادتِها، دامجةً العمارة بالبيئة والطبيعة، صانعة فارقًا فذًّا يشهقُ بصلواتِ الصّلابة الطالعة من وجدان الناس هناك.

كل هذا وغيره يجعلنا نقول بالفم الملآن: إن صنعاء القديمة تميزت بنمطٍ عمراني متفرّد، تمخّض عنه نسيج عضوي لمدينةٍ نتج عنها تراثٌ عمرانيّ، كان له القدرة على تلبية متطلبات قاطنيها واحتياجاتهم كافة، بما في ذلك المتطلبات البيئية.

ولعلّنا هنا نشير إلى دراسة علمية نشرتها مجلة جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء، في أغسطس/ آب 2010، تخلُص إلى أن طريقة بناء صنعاء القديمة أوجدت معالجات معمارية وتخطيطية، أدت إلى جعل المدينة تبدو مثل كائن حي، يأخذ من بيئته ويعطيها دون ضرر، أو ضرار.

تخطيطٌ تلقائيٌّ عضويٌّ ميّز المباني العالية بِالوحدة، والواجهات بِالتجانس.

في بحثها المعنوَن “مقومات الاستدامة بِالتجمعات والمباني السكنية في عمارة مدينة صنعاء القديمة واستخدامها في العمارة الحديثة”، المنشور عام 2017، في مجلة جامعة العلوم والتكنولوجيا اليمنية (مجلد 22، عدد1)، تقول الباحثة والأكاديمية سميرة صالح الشاويش حول فرادة المدينة الجبلية: “إن صنعاء القديمة هي إحدى المدن التقليدية الفريدة التي ظهرت في سلسلة الجبال الوسطى في الجمهورية اليمنية، وأثبتت الدراسات والأبحاث العديدة نجاحها في التعاطي مع بيئتها بنواحٍ تخطيطية ومعمارية كثيرة، الأمر الذي أسهم في بقائها حتى يومنا هذا كَمدينة آهلةٍ بالسكان، يشعر ساكِنوها بِالرضى والرّاحة، وتشهد عمارتها على أنها تحتوي فكرًا مستدامًا”.

عمارةٌ وعاداتٌ وسُلوك

تقول المهندسة حنان غالي في بحثها المشتقّ من رسالتها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة دمشق، والمنشور عام 2013، في مجلة “جامعة دمشق للعلوم الهندسية” (المجلد التاسع والعشرون، العدد الأول) تحت عنوان “الفكر التصميمي لِعمارة السكن في صنعاء بين التقليد والمُعاصرة”، إن اليمن “قدّمت على صعيد العمارة، كغيرِها من البلدان العربية والإسلامية، نماذج نوعية من الحلول الذكية والمعالجات البيئية ذات الفوائد الاقتصادية والاجتماعية”، رائيةً أن الاتجاهات الفكرية التعبيرية والتشكيلية لهذه الحلول، “عكست فكر الإنسان اليمني وَرغباته ومتطلباته في اختيار عناصر معمارية مناسبة، تعبّر عن عاداته وتقاليده وسلوكه، ويمكنه السكن فيها بطمأنينةٍ وانسجامٍ وسلام”. تلك النماذج أسهمت، بِحسب غالي، في إظهار التوافق البيئي بين المسكن والمحيط الخارجي، وعمل مِعمارُها على “خلق توافقٍ بين الظروف الطبيعية والمُناخية، كالعِناية بِتحقيق متطلبات الراحة الحرارية والنفسية، واستخدام عناصر معمارية مناسبة لذلك كالمشربيّات والقمريّات، وَالعناية بأشكالِ النوافذ وأحجامها، والاعتماد في البناء على المواد الطبيعية المحلية كالحجرِ والطّين والخشب واستغلالِها بكفاءةٍ عاليةٍ لتحسينِ نوعيةِ البيئةِ الداخلية للسّكن، فضلًا عن الاقتصاد في مساحة الفراغات الداخلية، من خلال تحقيق المرونة التصميمية وإمْكانية التوسّع الرأسي، واستخدامِ الفراغات في أكثر من وظيفةٍ لِتوفير احتياجات الأُسْرة الواحدة الكبيرة والممتدة”.

ما شكّل الحافز الأهم عند غالي لِتشرع في أطروحتِها التي أشرفت عليها أستاذة عمارة سورية (ندى قصيباتي)، وأستاذ عمارة يمني (محمد العلفي)، هو ملاحظتها أن أهل اليمن المعاصرين لم يعودوا يراعون كل تلك القيم والمعاني خلال تشييدهِم منازلهم وَعموم مبانيهِم. غالي تذهب إلى أن المساكن الحالية “غير متناسبة مع الجانب الثقافي المتمثّل بالسلوك الإنساني للمجتمع اليمني وعاداته وتقاليده، فضلًا عن ظهور مشكلات أخرى بيئية واقتصادية واجتماعية، مرتبطة بالناحيتيْن المعمارية والعمرانية”.

قبسٌ قديمٌ مُتجدِّد

بِتخطيطٍ مُتضام، ونسيجٍ عضويّ، وتوسّعٍ رأسيّ، وتنوّعِ عقودٍ بين الحجريّ الصغير والصخريّ الكبير، وممرّاتٍ وأزقّةٍ متعرّجة تُشتّت مساراتِ الرياح، وترفض أن تكون أنفاقًا لها، تَلُوح صنعاء بِجموحها المُسنديّ البلقيسيّ الأصيل. قبسٌ قديمٌ لا بدّ أن يمرّ عليه ماء المسرّات (لتعامل صنعاء القديمة مع الماء وقنواته حكاية هندسية أخرى)، كي يذوب الظمأُ داخلَ عروقِ مساقطِ الزمان البعيد، وتشعّ الواجهات الطّوبية والحجريةُ بألوانِ سُمّاقها وبليغِ عتاقتِها، وكيْ يتسابق البازلت (صخرٌ ناريٌّ طفحيٌّ اندفاعيٌّ أسودُ اللون) والبُلْق (حِجارةٌ باليَمنِ تُضيءُ ما وراءَها كالزُّجاجِ) والرّخام والأحجارُ الجيريّة وَباقي مواد البناء، راكضينَ ليتربَّعَ كلٌّ في مكانِهِ، ومكانتِهِ القابِلة للتّجدد في ميادينَ ليس فيها رصاص، لا شيء سوى فاتحة الخلاص.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى