آراء ومواقف

لماذا تستيقظ ليالي القرية في قلب المدينة؟

 

من يدفعنا للكتابة الذاكرة أم الذكريات أم حس الكتابة عندما يستجيب للحنين والمسافات المرصودة بين انفاس الطفولة وانفاس المنفى.. أم أن الأمر أشبه بمعرفة لماذا يغني الطائر الحبيس؟ بحسب شاعرة أمريكية معاصرة

أحيانا ترتفع المتاريس ما بينك وعملية الكتابة عن شيء ما، وتجد استعدادا بل ورغبة تتملكك لتسطير ما يمور بالذهن، وبما أنني في الوقت الراهن لا أرغب الكتابة في السياسية رغم المناخ المساعد، قررت أن أكتب شيئا مما مضى حيث أجد ذاتي وشغفي

لا أكشف سرا إذا قلت إنني أسير عواطفي تجاه كل شيء، المكان والزمان الجامعة، القرية، الأصدقاء، لا شيء يصبح طي النسيان بالنسبة لي كل شيء يتسلل خفية ليهمس في أذني، أنت لاتزال باقي هنا، آثرك تفاصيلك الصغيرة، شغبك معاندة والدتك حينما كنت ترفض الانصياع للأوامر أو تقوم بمنفعة ما فتدعو عليك وأنت ترد عليها وترفع يدك للسماء وتقول أميين يارب اللهم استجيب لها، لتزيد من ألمها، وحرقتها منك وعليك في نفس الوقت..

عن تلك الأيام التي امتلأ فيها صدري بالغبطة وأنا أرى الطبيعة من حولي وسخائها، عن اللحظات الخريفية الاستثنائية التي تنبض بالحياة وتحبس سكان القرى المعلقة في منازلهم ومخاوفهم من الانزلاقات الجبلية التي تحدث كل موسم بسبب كثرة الأمطار، رغم كل تلك المخاوف كنت أطرب لهدير السيول في المرتفعات وفي السواقي، شيء ما أو قوة خفية، تضعني في مزاج نفسي وجداني بالغة العذوبة، كانت مشاهد آسرة لا تنسى، أستمتع به مثل كالأطفال بالقرية، تاركا لوالدتي وجدتي مخاوفهما وقلقهما على ما سيلحق بـ”الجحار” و “النياح” جراء تلك السيول الهادرة.

قبل سنوات كانت الحياة في الريف تتيح لإنسانه مباهج عديدة، قبل أن تتغير أحوال الجو وتصبح الأمطار نادرة بفعل عوامل مناخية متغيرة ، مياه تخرج من الجبال والوديان، تستطيع أن تسبح في الأراضي الزراعية من غزارة المياه التي كانت تخرج من الأرض، يا لها من سيمفونية وجمال آخذ تحرمك المدينة منه، في القرية أنت جزء من الأرض وفي المدينة أنت معزول هناك حاجز بينكما، الأرصفة وسائل النقل المباني الكبيرة والصغيرة

لا يمكن ابدا أن انسى تلك الليالي التي كنا نتراشق فيها بالطين المبلل وملاحقة الجراد بعد المطر

أفكر في قريتي “المحرورة: التي يحتضنها جبل “حلف” وضاحية الشابي، بحنوٍ كبير،  وعلى قمتها حصن شاهق كان للعثمانيين لا تزال أثارهم باقية، ومخازن الحبوب المنحوتة حول الحصن.. كل تلك الأثار تعرفت عليه حينما كنت راعيا للغنم، ملامح بلادي وناسها مصلوبة على عيوني، أشعر بالفزع حينما يقول لي أخواني أن تلك القرية خلت من ساكنيها تدريجيا بفعل عوامل الحرب وما خلفته من أثار على كل شيء، بعد أن هجروها متوجهين إلى شبوة ومأرب ، حاملين معهم عاداتهم، وتقاليدهم ومناسباتهم الاجتماعية..

أتذكر ذات مساء خريفي استيقظ والدي مذعورا، وهو يرى والدتي تنزف بغزارة، كنت طفلا صغيرا ولكني كبيرا بما يكفي لأدرك خطورة اللحظة وألمها على والدي الرجل الصلب الذي واجه الحياة بمطرقة من حديد كنجار ماهر من جدة إلى أبها السعودية لأكثر من 18 عام، حتى تشبع من الغربة وأقسم لجدتي ذات نهار أن لا يعود لها مهما كان الأمر

قبل أن يتوقف نزيف والدتي، قالت أمي بضع كلماتٍ أدركت مغزاها بعد أن كبرت: إذا مت يا أبني انتبه على اخوانك كانت تخاطبني رغم أن والدي بجانبي كانت تخاطبني ككبير أبنائها، أما والدي فسيعود إلى غربته، ما زلت أتذكر تلك اللحظة التي عشتها للحظات كمسؤول أسرة لا يزال طالبا في المدرسة، لقد وضعتني بكلامها أمام تجربة صعبة، ولقد عملت بها وما زلت حتى الآن، أفكر بإخواني أكثر مما أفكر بنفسي..

ما أريد قوله أنه ورغم كل الأمكنة التي مررت بها استطيع القول أن ليس لجميع الأمكنة النكهة والروح ذاتها، فهناك مكان يجعل العتمة أخف وأنقى وأكثر قرب، لهذا السبب تظل الذاكرة مفتوحة على  أيام الطفولة دائماً حيث القرية والجبل والريف الواسع ، حيث المكان بقيمته الوجدانية في الذاكرة وليس بالقيمة المادية أو الكلفة التي شيد بها

أنا مؤمن اليوم أكثر من أي وقتا مضى أن الأمكنة مثل عصارة الكتب وحكمتها لا تظهر لك مباشرة بعد الانتهاء من قراءتها ولكنها تمتزج بدون وعي منك و بشكل تدريجي بأفكارك وتضيف الكثير على شخصيتك.. فلا يمكنك مثلا القول أن الرواية أو الكتاب الذي قرأته لتوك قد غيرك إلى شخص آخر ، وكذلك هو المكان يترك أثارا لا تمحى ولا تذهب طي النسيان

أحيانا أتلوى على ذاتي مثل نطفة نسيت أن تنمو وأكرر أنا أبن الريف وبطن الجبل، لم أكون محصنا بما يكفي للوقوف في وجه هذا الاغتراب الذي أعيشه للعام السادس عشر على التو الي ابتداء من صنعاء ثم الدوحة حتى انتهى بي المطاف في سويسرا بلد الأرياف الجميلة والفاتنة..

استقريت في سويسرا التي تبدو كسجادة صلاة من نظافتها وجمال انهارها ولطافة إنسانها، وقبلها عملت في الدوحة المدينة الجميلة المغمورة بالضوء والصخب والمباني الشاهقة ولكني كنت وما زلت أفكر بتلك الروح الريفية السافرة، اعيش رفقة والدتي بين الحقول الزراعية والقلوب البيضاء، اسمع أهازيج الفلاحين أيام “التلام” وهم يستعدون للموسم الزراعي بحرث الأراضي وتجديد تربتها وتمتين جوانبها خوفاً من السيول…

للقصة بقية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى