فكر وثقافة

ما هو مصير الأدب بعد عصر الجوائز الأدبية؟

مولود بن زادي

قبل أيام هبطت مركبة الفضاء الأمريكية برسيفيرنس على سطح المريخ، في خطوة رائدة للتحقق من وجود حياة سابقة على سطح الكوكب الأحمر تكون قد انقضت قبل ملايين السنين. البحوث العلمية تؤكد أن الكواكب والنجوم المحيطة بعالمنا ـ والمريخ أحدها – تحيا ثم تموت، وأنَّ الشمس تكون قد بلغت منتصف عمرها، وأنها ستموت مثل بقية النجوم في نحو 5 مليارات سنة، فتنطفئ شعلة الحياة على كوكبنا. إنها طبيعة الحياة، فالموت يتربص بكل ما هو موجود، ولا يسلم منه كائن في الوجود. إنه الموت الذي أباد قوى عظمى بحجم الإمبراطورية الرومانية، وأفنى لغات سيّدة في مقام اللاتينية، ومحا عادات وتقاليد وطقوسا.

واليوم تنذرنا البحوث بقرب زوال التلفزيون الذي رافق الإنسان منذ 1927، وموت الكتاب المطبوع، والإعلام الورقي، والقلم وحتى الرواية. ومع ذلك لا نلمح حديثا عن إمكانية موت الجوائز الأدبية، رغم ما تثيره من جدل في الأوساط الأدبية والإعلامية. فهل يحق لنا الحديث عن موت الجوائز الأدبية أيضا؟ وما أسباب ذلك؟ وهل في وسع الأدب والأديب الاستغناء عنها في الأجيال القادمة وكيف يا ترى ستكون حاله بعد نهاية «عصر الجوائز»؟

فضل الجوائز كبير

ليس ثمة من ينكر فضل الجوائز الأدبية على الكاتب، مِن تتويج معنوي ومادي. حتى جون بول سارتر، الذي رفض جائزة بحجم نوبل اعترف أنه تعذب طويلا لتخليه عن استحقاقها المالي المقدر آنذاك بـ 250.000 كرونا الذي كان سيتبرع به للجنة الفصل العنصري الجنوب افريقية في لندن. والجوائز لا تلفت اهتمام القراء نحو العمل المتوّج فحسب، بل أيضا أعمال الفائز الماضية والمستقبلية. وتفتح له أبواب السوق على مصراعيها، ما نلمحه أكثر في المجتمعات الغربية الشغوفة بالقراءة، وحتى إن لم تفز المؤلفات بجوائز، فإنّ مجرد بلوغها القوائم الطويلة والقصيرة، يكفيها لأخذ نصيبها من الضجة الإعلامية واهتمام الجماهير، وزيادة المبيعات، فضلا عن كسب المصداقية والثقة لدى الناشر.

كثرتها تهدد حياتها

لكنّ هذه المحاسن تقرن بمساوئ باتت اليوم تهدد بقاءها. لم يخطئ الكاتب المسرحي الروماني ترنتيوس لما قال «أعتبرها قاعدة للحياة، إن كثُر شيء ما أصبح سيئا». وكثرة الجوائز في عصرنا من المساوئ التي تنقص من قيمتها وتهدد مستقبلها. لقد صار في وسع أي مؤسسة وأي مجلة، بل أي موقع في النت وأي صفحة في منابر التواصل وأي شخص أن يطلق جائزته الأدبية، مع بروز صنف جديد من مسابقات الجوائز، له طابع تجاري استغلالي يستهدف أقلاما بريئة، يطالبها بدفع مبالغ باهظة بالعملة الصعبة للحصول على التكريم المتمثل في شهادة وميدالية بسيطة. وقد وجد هذا النوع من المسابقات ضالته لدى أقلام مبتدئة تحترق رغبة في الفوز بجوائز تلفت الأنظار إليها. بعض المسابقات يمنح أكثر من جائزة في صنف واحد كالرواية، كل سنة، حتى إنّ الجماهير لم تعد تذكر من فاز بماذا ولا تهتم بذلك. فلنتصور معا كيف ستنظر الأجيال البعيدة في المستقبل إلى الكم المتراكم من الجوائز، وهل ستملك الوقت، أو الصبر لفحص القوائم الطويلة لمعرفة الفائزين؟ وما جدوى ذلك إن لم يميز الفائز نفسه عن غيره بأعمال لافتة للاهتمام، خالدة، وأفكار ومواقف رائدة بدلا من مجرد جائزة؟

ليس ثمة من ينكر فضل الجوائز الأدبية على الكاتب، مِن تتويج معنوي ومادي. حتى جون بول سارتر، الذي رفض جائزة بحجم نوبل اعترف أنه تعذب طويلا لتخليه عن استحقاقها المالي المقدر آنذاك بـ 250.000 كرونا الذي كان سيتبرع به للجنة الفصل العنصري الجنوب افريقية في لندن.

غلبة الذاتية والنسبية

يقول الناقد إيمي هوس «على الرغم من تنوع أعضاء لجنة التحكيم، لا يمكن للحكام أبدا تمثيل كل قارئ في الوجود، ولا يمكنهم قراءة كل كتاب في العام. وهنا أكبر مشكلة». ويضيف «لا يمكن أن تكون الجوائز عادلة أبداً: إذ يحتمل أن تختار لجنة مختلفة من الحكام فائزاً مختلفاً. فقد تكون لهم أذواق مختلفة في الصنف؛ وقد تكون لهم ربما تفسيرات مختلفة لما يشكل رواية جيدة».

إن مراجعة أي عمل إبداعي – سواء كان أدباً أو فيلماً أو فناً أو مسرحية، أو موسيقى – تظل دائما مراجعة ذاتية. فإن عرضنا أعمالا أدبية مشاركة في جائزة ما في وقت واحد على لجان مختلفة، لاختلفت النتائج واختلف الفائزون فيها، وهذا دليل واضح على مدى نسبية قرارات لجان التحكيم.

ويبقى الجدل قائما في الأوساط الأدبية والإعلامية في أنحاء العالم عن طريقة اختيار المؤلفات المتأهلة إلى القائمة الطويلة ثم القصيرة، واختيار الفائز أخيرا، وكيف أن لجنة مكونة من خمسة أعضاء فقط تملك حق تحديد أفضل كتاب أدبي في السنة، وهو ما يؤكده بيرت رايت، أمين مهرجان ماونتين تو سي الأدبي عند انتقاده لجنة تحكيم جائزة مان بوكر الدولية: «إن إسناد مهمة اختيار أفضل رواية للعام لخمسة أفراد أمر سخيف إلى حد ما».

تهافت الكُتَّاب

وساهمت الجوائز الأدبية في بروز ظاهرة التسابق. فقد أصبح الفوز بالجائزة هاجسا يطارد الكاتب ـ بمن في ذلك مَن كان شهيرا أو فاز بها من قبل – ويحصر إبداعه في نمط معين من الأعمال الموجهة أساسا لإرضاء لجان التحكيم، بدلا من نفسه والجماهير. وفي غمرة حمى الجائزة، تخلى الشاعر عن شعره لأجل الرواية، التي قد لا يتقن فنونها، وبرز تُجار الرواية ينشرون مؤلفات بالقناطير، لا يتردد اقتباس منها على ألسنة الجماهير، يسابقون الزمن لنشر رواية، أو أكثر كل سنة للمشاركة في مسابقات الجوائز، مكررين أنفسهم حينا وغيرهم أحيانا، ضمن تسابق صار أحد أهم ملامح المشهد الأدبي في هذا العصر، الذي قد تذكره الأجيال القادمة باسم «عصر الجوائز الأدبية».

هيمنة مؤسسات النشر

الجوائز الأدبية لم تغير نظرة ونمط تفكير الكُتَّاب فحسب، بل أيضا الناشرين حيث تغيرت طريقة تعاملهم مع الكُتَّاب. صارت مؤسسة النشر تميل إلى التعامل أكثر مع مؤلفين مؤهلين للفوز بالجوائز، مرشحة أعمالهم للمسابقات سنة بعد سنة على حساب أقلام أخرى، لا تجد سبيلا للمشاركة. ففوز الكاتب بالجائزة يعني بالضرورة فوزها. قالت الروائية البريطانية ديبورا موغاش، إنّ جوائز مثل مان بوكر «قلبت العالم الأدبي رأسا على عقب نتيجة إسراف الناشرين في الاهتمام بها». واليوم تتسابق دور النشر للمشاركة بأكثر من مرشح، مستغلة تعديلات شروط المشاركة التي تسمح لها بأكثر من مؤلف في حال وصول مرشحيها إلى القوائم الطويلة والقصيرة، ما يمنحها فرصا أكبر للفوز بالجائزة، من مؤسسات أخرى لم تحظ بالمشاركة من قبل، أو لم يحظ مرشحها من بلوغ قوائمها الطويلة والقصيرة في مسابقات أحكامها نسبية. وليس من شك في أن العودة إلى النظام السابق، ومنح مؤسسات النشر فرصا متكافئة هو الحل الأنسب والأكثر عدلا، على منوال المسابقات الفنية والرياضية، حيث يتساوى المتنافسون والفرق في كل مسابقة جديدة، ولا يُمنح أحد مزايا عن غيره لأنه بلغ المراحل النهائية في المنافسات السابقة.

وأكدت دراسة قام بها باحثون أكاديميون غربيون أنّ المؤلفات الفائزة بجوائز تخطف الأنظار لكنها لا تنال رضا الجماهير. فقد ذكرت صحيفة «الغارديان» على لسان الباحثة الأكاديمية أماندا شاركي أنه «بعد الفوز بالجائزة، يتزايد جمهور الكتاب بشكل كبير، فتنجذب شريحة أكبر من القراء إلى الكتاب الفائز، ليس لاهتمام شخصي جوهري بالكتاب، وإنما لأنّ الكتاب مرتبط بجائزة فاز بها». وفسرت الأكاديمية هذه الظاهرة بقولها: «القضية هنا هي أن القراء يحسبون الكتاب جيدا لأنه حصل على جائزة، لكن ما هو «جيد» يخضع جزئياً للذوق الفردي، وقد لا يتناسب ذوق القارئ مع ذوق النقاد وغيرهم في لجان التحكيم التي اختارت الفائز بالجائزة».

أدب جوائز

هكذا رغم كل الإيجابيات، فقد ساهمت الجوائز الأدبية في خلق أدب جوائز موجه لإرضاء لجان التحكيم أكثر من الجماهير، فضلا عن تفشي ظاهرة التسابق والكم، وإغراق السوق بالكتب، وزيادة العرض على الطلب، والتكرار على حساب الدقة والجودة والإبداع المميز الجدير بالخلود. ويبقى أكبر خطر يهددها نسبية قرارات لجان التحكيم، حيث تخضع الأحكام للذائقة التي تختلف عن ذائقة الجماهير، مع ضرورة تأكيد عدم وجود تعريف منطقي يقبله العقل للكتاب «الجيد». فما تختاره لجنة ما قد تطرحه لجنة أخرى لاختلاف الذائقة.

ويبقى التساؤل اليوم عن حال الأدب بعد بزوغ فجر عصر جديد يعقب «عصر الجوائز الأدبية»؟ الأيام كفيلة بالرد على ذلك. ما هو مؤكد أنّ الأدب الذي أنجب عمالقة من أمثال شكسبير وفيكتور هوغو وجبران في زمن سابق لعصر الجوائز هذا، قادر على البقاء وإنجاب أعمال مميزة خالدة، بعد رحيل الجوائز الأدبية.

المصدر: القدس العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق