آراء ومواقف

فبراير الثورة.. جردة حساب

من يقول إن اليمن كانت في غنى عن الثورة والمطالبة بالحرية والكرامة والدولة المنشودة هو أحد المستفيدين من النظام والثروة، ومصلحته مرتبطة ببقاء السلطة آنذاك، أما الذين لا ناقة لهم ولا جمل فهم حالة ميئوس منها، خسروا الشيء الكبير والأساسي في كينونة الإنسان، شعور أن تدافع عن حقك في التحرر واختيار ما تريد والمطالبة بالعيش في ظل نظام عادل مدني المواطنة فيه الأساس لكل شيء، وفي كلا الحالتين هم ينظرون للحظة الثورة من منظور الدكتاتور، وهم على كل حال يستمتعون في ظل هذا الوضع السادي، المستقبل فيه أسود ومجهول.

أنجزت ثورة فبراير ما هو مطلوب منها وزيادة، كلحظة غضب واحتجاج آنية، هدفها اخضاع النظام الدكتاتوري وإفشال مشروعه التوريثي، وفكفكة المعقد وتجاوز الخطوط الحمراء، أسقطت النظام وراحت لاستحقاقات المرحلة التي بعده، ومن يحملونها وزر اليوم عليهم أن يخجلوا، فلسنا نحن من سلم البلد لإيران، بل نحن اليوم في مهمة معالجة الكارثة التي جلبوها للوطن، وكأن أربعين عاما لم تكن كافية، وعليهم أن يدركوا أنه لم يكن مهمة الثورة تحقيق الرخاء وإنجاز المشاريع النهضوية، وإن كان هذا أحد الأهداف السامية، لكنه هدف مركزي ستنجزه السياسة والتعددية حين تبدأ بتحقيق البرامج الأساسية والمشاريع المرتبطة، بعد أن تتمكن الثورة من إعادة تأسيس الدولة والنظام السياسي بطريقة صحية تصون الثروة والسلطة وتؤهل الشعب للنهوض لاختيار وصناعة ما يريده ويتمناه.

كان أهم مهمة لثورة فبراير هو إيقاظ الشعب من غفوته التي طالت، واعادة تعريف مهمته التي خدرها النظام وحرفها، كانت رسالة لأن نقوم بدورنا في معالجة المشاكل وتصويب المرحلة، أشارت ثورة فبراير لجذور المشكلة كما ينبغي، وعرت النظام وكشفته أمام الجميع، وراحت تحاول وسط حقل من الألغام، جمعت الفرقاء وأنجزت الوثيقة التاريخية للدستور، ثم ذهبنا نغالب الألم ونسمو على الجراح، إلى أن أبى القوم ورفضوا إلا هدم المعبد على الجميع، المعبد الذي كنا قد بدأنا نصلي فيه آمنين.

لم تكن الثورة في مهمة لحلحة المشاكل، وإن كان هذا أحد أقدس مهامها، لكنها شخصتها جيدا، ووضعتها في اطارها وحددتها، تلك مهمة أولى، ثم تلاها المهمة الأهم المتمثلة في الجلوس على طاولة الحوار لصياغة الاتفاقيات وبناء الجسور وتعبيد الطريق نحو المستقبل، ثم كان، إلى أن جاء النظام الماكر، وفجأة قلب الطاولة على الجميع بما فيهم نفسه، ولم يستسلم حتى حرقها على الجميع.

ثم إنه في الحقيقة لم تكن دولة المرحوم علي صالح دولة نظامية بمعناها المتعارف عليه، بقدر ما كانت أشبه بحديقة خلفية، كان نظامًا هشا ومنتهي الصلاحية فعليا، أفشل ما تم الإتفاق عليه عدة مرات، وراح يصور البلد كما لو أن من فيها خطرا على الحضارات والتطور والتقدم، وهو ما أثبت هذا النظام الرخو أنه يعيق اللحاق بالمستقبل، لذا كان مهمة الثورة هو إصابة هذه السلطة المختلة وإرباكها وجعلها تفقد السيطرة على لملمة نفسها، وهو ما تم.

في الخلاصة، أكتفي بنقل ما كتبه الكاتب اللامع “محمد المياحي”، ولعل هذا يكفي للختام:

“انتهى النظام السابق للأبد، وما تزال فبراير وشبابها يقفون لحراسة مستقبلهم، ولا يمكن تأسيس أي نظام مستقبل بمعزل عن القيم التي بشرت بها فبراير.. حتى خصوم الثورة باتوا مسكونين بقيمها بشكل لا شعوري، قيم الحرية والعدالة والتنوع الخلاق، دولة ترعى الخير العام وتصون الحقوق والحريات وتضمن التنافس الحر للجميع.

يحاكمون فبراير من منطلق أطماعهم الشخصية، يريدونها أن تنجز لهم ما لم يتمكن صالح من تحقيقه طوال عقود، هذا نقاش يشوش مفهوم الثورة ويطالبها بما لا تملك تحقيقه بل ولم تتمكن بعد من السلطة كي تفعله. كما يحجب حقيقة النظام المعاق الذي ثارت عليه، إنهم يحرفون النقاش ليتملصوا من فداحة ما صنعوه خلال عقود؛ لقد أهدروا فرصة كبيرة لبناء الدولة وأضاعوا سنين طويلة من حياة الشعب عبثًا، واليوم يحملون فبراير المسؤولية فيما هي تكابد لإصلاح كارثة حكمهم وما يزالوا لا يشعرون بالخجل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق