نفير قبلي وتأهب عسكري وإسناد دولي.. لماذا تؤجل الحكومة معركة استعادة الدولة؟

يمن مونيتور/وحدة التقارير/من عميد المهيوبي
تشهد اليمن تطورات متسارعة تتصاعد معها المؤشرات العسكرية والسياسية ضد جماعة الحوثيين، في ظل تحركات لرفع الجاهزية القتالية للقوات الحكومية، وحشد قبلي متزايد في عدد من المناطق، بالتزامن مع تصعيد في الخطاب الرسمي للحكومة والتحالف، على خلفية تطورات إقليمية مرتبطة بالنفوذ الإيراني والملف اليمني.
ويُعد هذا التصعيد العسكري الأول من نوعه على مستوى البلاد منذ أكثر من أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي فرضته الهدنة الأممية في أبريل/نيسان 2022.
بداية التصعيد
جاء هذا التصعيد نتيجة سلسلة من الأحداث التي شهدتها اليمن، بدأت بقضية ميرا صدام حسين، التي لجأت إلى الشيخ حمد بن فدغم لاستعادة منزلها الذي تقول إنه سُلب من قبل القيادي الحوثي وتاجر السلاح فارس مناع. وتطورت القضية لاحقًا إلى مطارح قبلية دعا إليها الشيخ فدغم عقب خروجه وميرا صدام حسين من احتجاز الحوثيين.
وتتخذ “مطارح الكرامة” من منطقة الريان بمحافظة الجوف مقرًا لها، وتشهد توافدًا مستمرًا للقبائل اليمنية من مختلف المحافظات، استجابة لدعوة أطلقها رئيس ملتقى قبائل دهم، الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، دفاعًا عن الأعراف القبلية ورفضًا لانتهاكات الحوثيين.
تصعيد متبادل
بعد تصاعد الصوت المعارض في أوساط القبائل اليمنية، وتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، سارع زعيم الجماعة، عبدالملك الحوثي، إلى إعلان الجاهزية القتالية واستنفار القبائل الواقعة تحت سيطرته، في رد فعل على مطارح القبائل اليمنية في الجوف.
وبدأت قوات الجماعة بالتحرك وشن هجوم ميداني على مواقع القوات الحكومية جنوب الحديدة، دون تحقيق أي تقدم يُذكر، كما حاولت استهداف مطارح الجوف بطائرة مسيّرة، أسقطها رجال القبائل فوق المطارح قبل تنفيذ أي هجوم.
ومضت الجماعة في التصعيد باستقبال طائرة نقل إيرانية في مطار صنعاء، لنقل قيادات حوثية للمشاركة في تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي قُتل في بداية الهجمات الأمريكية على إيران خلال مارس/آذار من العام الجاري.
وتمثل الرحلة الإيرانية إلى مطار صنعاء تحديًا مباشرًا لقرارات مجلس الأمن ونظام العقوبات الدولية، بحسب الحكومة اليمنية، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إبلاغ سفراء الدول الراعية للعملية السياسية بأن الطائرة أقلّت خبراء وعناصر مرتبطة بتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، مطالبًا بتحقيق دولي في حمولتها.
وفي المقابل، قالت جماعة الحوثيين إنها تصدت لطائرات حربية سعودية حاولت منع الطائرة من الهبوط، ولوّحت باستهداف مطارات ومنشآت سعودية إذا تكرر ما وصفته بانتهاك الأجواء اليمنية.
وجاء الرد الحوثي في وقت وجهت فيه الحكومة القيادات العسكرية برفع مستوى الجاهزية في مختلف الجبهات، وتعزيز التنسيق العملياتي واللوجستي استعدادًا لأي تطورات ميدانية، بالتزامن مع دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي جميع مكونات الدولة والأحزاب إلى توحيد الصفوف والاصطفاف خلف مشروع الدولة، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التنسيق ووحدة القرار.
تأييد دولي
توعد تحالف دعم الشرعية، في بيان، بالتصدي لأي تهديد لأمن المملكة ووحدة اليمن وشعبه وسيادته بكل حزم وبقوة غير مسبوقة.
كما صدرت مواقف دولية مساندة للشرعية، أبرزها من بريطانيا، التي أدانت عبر سفارتها في اليمن التصعيد الحوثي، ودعت إلى خفض التوتر. كما أعرب السفير الروسي، خلال لقائه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، عن دعم بلاده الكامل لوحدة اليمن وشرعيته الدستورية المعترف بها دوليًا، مشددًا على ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل للقضية اليمنية.
أبواب الحرب نصف مفتوحة
ورغم هذه التطورات، لا تزال الحكومة تتجنب الإعلان عن أي عملية عسكرية واسعة، الأمر الذي يدفع مراقبين إلى الاعتقاد بأن قرار الحرب لم يعد مرتبطًا بالقدرات العسكرية وحدها، وإنما بحسابات سياسية وإقليمية أكثر تعقيدًا.
ويرى المحلل الاستراتيجي الدكتور علي الذهب أن المؤشرات العسكرية والتعبئة القبلية المتصاعدة لا تعني بالضرورة اقتراب إعلان الحكومة اليمنية معركة شاملة ضد جماعة الحوثيين، لأن قرار الحسم العسكري بات تحكمه اعتبارات سياسية وإقليمية معقدة تتجاوز مسألة الجاهزية الميدانية.
وقال الذهب، في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور”، إن أي انتقال نحو الحسم العسكري لن يكون نتيجة مباشرة للتحشيد القبلي، وإن هذا التحرك قد يشكل عاملًا مساعدًا فقط إذا أصبحت المواجهة العسكرية ضرورة لحماية الشرعية والدولة من تداعيات الاحتكاك بين التجمعات القبلية والحوثيين.
وأضاف أن الرهان على النفير القبلي لتغيير موازين القوى يظل محدودًا في ظل غياب قيادة موحدة وهيكل عسكري منظم، معتبرًا أن القبائل، بصيغتها الحالية، لا تمتلك منظومة قيادة قادرة على إدارة مواجهة واسعة ومضمونة النتائج.
وحذر الذهب من أن استمرار التحشيد القبلي خارج إطار مؤسسات الدولة قد يفضي إلى تداعيات أمنية داخل مناطق سيطرة الحكومة، من خلال احتمالات وقوع اغتيالات أو تفجيرات أو خلافات تنظيمية داخل تجمعات القبائل، بما قد يحولها إلى مصدر اضطراب بدلًا من أن تكون عنصرًا داعمًا للشرعية.
وأشار إلى أن الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية لا تزالان تتحركان ضمن مسار يضع خيار السلام في مقدمة الأولويات، وهو ما يفسر عدم التوجه نحو إعلان عملية عسكرية واسعة رغم تصاعد التوترات الأخيرة.
وأوضح أن أي انخراط رسمي في مواجهة شاملة سيواجه تحديات تنظيمية، في مقدمتها تعدد التشكيلات العسكرية وتباين هياكلها، لافتًا إلى أن معظم هذه القوات لا تزال أقرب إلى تشكيلات غير نظامية، وهو ما أظهرت مخاطره تجارب المعارك السابقة.
وفي السياق ذاته، رجح الذهب أن السعودية لا تبدي رغبة في خوض حرب جديدة في اليمن بعد كلفة وتجارب السنوات الماضية، لكنه لم يستبعد حدوث مواجهات محدودة من حيث الزمان والمكان، مؤكدًا أن الحرب الواسعة تراجعت فعليًا منذ اتفاق ستوكهولم، بينما مهدت التطورات اللاحقة للوصول إلى الهدنة القائمة.
وبشأن هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء، اعتبر الذهب أن الواقعة تعكس ضعفًا في تطبيق القيود المفروضة على حركة الطيران، مشيرًا إلى أن ملف الحظر الجوي يرتبط أيضًا بالتزامات الأمم المتحدة والجوانب الإنسانية والاتفاقيات الدولية، ما يجعل التعامل معه أكثر تعقيدًا من مجرد الإجراءات الأمنية.
وأكد الذهب أن تعزيز قدرة مجلس القيادة الرئاسي على اتخاذ قرارات مستقلة وفاعلة يتطلب عودته للعمل من الداخل، معتبرًا أن ذلك من شأنه تعزيز ثقة المواطنين والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والقوى السياسية، إلى جانب ترسيخ مكانة الحكومة اليمنية باعتبارها الممثل الشرعي المعترف به دوليًا.
أسباب عدم بدء المعركة
ويتفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة تعز، الدكتور عبدالقادر الخلي، مع ما قاله الذهب بشأن تعقيدات المشهد السياسي الداخلي، وتعدد مراكز القرار داخل معسكر الشرعية، إلى جانب تأثير الحسابات الإقليمية والدولية على مسار الحرب.
ويقول الخلي إن عدم شروع الحكومة اليمنية في معركة عسكرية واسعة ضد جماعة الحوثيين، رغم تصاعد التحركات الميدانية وارتفاع مستوى التوتر، يرتبط بجملة من العوامل السياسية والعسكرية، وليس فقط بغياب الرغبة في المواجهة أو محدودية القدرات.
وأوضح، في تصريح لـ”يمن مونيتور”، أن تأخر الحكومة في إعلان معركة شاملة لا يعود إلى الموقف الدولي أو مستوى الدعم الخارجي فحسب، وإنما يرتبط بإشكالية داخلية تتمثل في غياب وحدة الرؤية السياسية والعسكرية بين مكونات معسكر الشرعية، ما يمنح الجماعة مساحة للمناورة وإعادة ترتيب أوراقها.
وأشار الخلي إلى أن الحكومة الشرعية تواجه تحدي تعدد مراكز القرار داخل القوى المناهضة للحوثيين، لافتًا إلى أن أي عملية عسكرية واسعة تحتاج، قبل انطلاقها، إلى توافق سياسي وعسكري يضمن وحدة القيادة والأهداف وإدارة الموارد بكفاءة.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تختلف عن الفترة التي سبقت الهدنة الأممية عام 2022، إذ أعادت التطورات الإقليمية الأخيرة الملف اليمني إلى دائرة الحسابات الدولية، وأصبحت خيارات التصعيد أو التهدئة مرتبطة بتوازنات تتجاوز حدود الساحة اليمنية، خصوصًا في ظل استمرار التنافس الإقليمي المرتبط بالنفوذ الإيراني.
واعتبر أستاذ العلوم السياسية أن استقبال جماعة الحوثيين طائرة إيرانية في مطار صنعاء يحمل، وفق قراءته، دلالات سياسية مرتبطة بمحاولة طهران تأكيد حضورها في الملف اليمني، مشيرًا إلى أن الجماعة تسعى إلى استثمار المتغيرات الإقليمية لتحسين موقعها التفاوضي وتعزيز وضعها الميداني.
ولفت إلى أن الحوثيين يحاولون استغلال حالة عدم الحسم لدى خصومهم لإعادة ترتيب وضعهم العسكري، مبينًا أن تحركاتهم الأخيرة في بعض الجبهات تأتي ضمن مساعٍ لاختبار موازين القوى وقياس قدرة الأطراف المناهضة لهم على الانتقال من موقع الدفاع إلى المبادرة.
وفيما يتعلق بالحشد القبلي المناهض للحوثيين، قال الخلي إن هذه التحركات تعكس حالة رفض اجتماعي وقبلي لممارسات الجماعة، لكنها لا تزال بحاجة إلى إطار سياسي وعسكري منظم حتى تتحول إلى عامل مؤثر في مسار الصراع.
وحذر من أن الاعتماد على القبيلة كأداة منفردة لمواجهة الحوثيين قد لا يحقق نتائج حاسمة، موضحًا أن الجماعة تمكنت خلال السنوات الماضية من إضعاف عدد من مراكز النفوذ القبلي عبر وسائل متعددة، وأن أي تحرك قبلي بعيدًا عن مشروع الدولة قد يتحول إلى مواجهة استنزافية.
ودعا إلى إدماج الحراك القبلي ضمن استراتيجية وطنية تقودها مؤسسات الدولة، بحيث يكون عامل إسناد للجيش وليس بديلًا عنه، مؤكدًا أن أي حسم عسكري يحتاج إلى قيادة موحدة وخطة عملياتية واضحة وإدارة متماسكة للإمكانات.
وأكد الخلي أن طبيعة أي تحرك عسكري محتمل ستبقى مرتبطة بأهمية المناطق المستهدفة، مشيرًا إلى أن محافظة الحديدة تمثل موقعًا استراتيجيًا بسبب ارتباطها بالموانئ والممرات البحرية الدولية.
وانتقد حالة الانقسام داخل القوى المناهضة للحوثيين، مبينًا أن تعدد التشكيلات العسكرية واختلاف الأولويات يمثل أحد أبرز العوائق أمام بناء قرار عسكري موحد قادر على إدارة مواجهة طويلة ومعقدة.
وتوقع استمرار حالة الجمود العسكري خلال المرحلة المقبلة إذا بقيت الانقسامات الداخلية قائمة، مشددًا على أن الانتقال إلى مرحلة جديدة يتطلب توافقًا بين القوى المناهضة للحوثيين، إلى جانب وجود دعم إقليمي ودولي لمسار واضح بشأن مستقبل الصراع.
وخلص الخلي إلى أن مستقبل المواجهة في اليمن سيتحدد بقدرة الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين على توحيد القرار السياسي والعسكري، وأن التطورات الإقليمية، بما فيها مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية، ستظل عاملًا مؤثرًا في تحديد اتجاهات الملف اليمني خلال المرحلة المقبلة.
ويبقى مستقبل التصعيد مرهونًا بقدرة الأطراف اليمنية على تجاوز خلافاتها الداخلية، وبمدى تحول التحركات الحالية من رسائل ضغط سياسية وعسكرية إلى استراتيجية متكاملة تحدد شكل المرحلة المقبلة، سواء باتجاه تسوية جديدة أو عودة واسعة إلى مسار المواجهة.




