إيران تستعرض قوتها الإقليمية مع توجه جنازة خامنئي إلى العراق

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من فايننشال تايمز
عندما كان زائرًا في الثامنة عشرة من عمره، أمضى المرشد الأعلى الإيراني المغتال، آية الله علي خامنئي، شهرين في عام 1957 يتنقل بين مدينتي النجف وكربلاء في العراق، اللتين تضمان بعضًا من أقدس العتبات لدى الشيعة.
وبين قيود السفر التي واجهها خلال سنوات معارضته السياسية، والحرب الطويلة التي دارت بين إيران والعراق، لم يَعُد خامنئي إلى هناك أبدًا. لكن هذا الأسبوع، وبعد أشهر من مقتله على يد الولايات المتحدة وإسرائيل، أُعيد جثمان خامنئي لإقامة مراسم تأبين شعبية حاشدة يوم الأربعاء.
ومثلما حدث في إيران، يُتوقع أن تتدفق حشود غفيرة في العراق ذي الأغلبية الشيعية لتأبين نعش خامنئي والصلاة عليه أثناء طوافه بالموقعين، قبل نقله مجددًا إلى إيران ليوارى الثرى في مسقط رأسه بمدينة مشهد. ويقصد العديد من المشيعين هاتين المدينتين من مختلف أنحاء العراق والعالم الشيعي.
وقد تولت الفصائل الشيعية المسلحة في العراق تنسيق الجوانب اللوجستية بشكل كبير، علماً أن طهران تدعم الكثير من هذه الفصائل التي انضمت إلى ردها الانتقامي خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وقد ملأت هذه الفصائل الشوارع بالفعل بالملصقات والكتيبات واللوحات الإعلانية التي تؤبن خامنئي، وحثت أنصارها على المشاركة في مسيرات يوم الأربعاء.
وليس من الغريب نقل جثمان أي مسلم شيعي تقي إلى ضريح النجف قبل دفنه. غير أنه لا يوجد سوى سوابق قليلة لتكريم شخصية أجنبية بارزة بهذه الطريقة، لا سيما شخصية أثارت كل هذا الانقسام في الداخل والخارج.
فبالنسبة لأنصاره، كان خامنئي يجسد المقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة. أما في نظر منتقديه، فقد كان مكروهًا لتوليه قيادة مشروع إيراني عمل، على مدى العقود الأربعة تقريبًا من حكمه، على ترسيخ وجود جماعات مسلحة غير نظامية، وإضعاف سلطة الدولة، وإذكاء الدماء الطائفية. وفي العراق، أصبحت الفصائل المدعومة من طهران لاعبين سياسيين وعسكريين أقوياء سحقوا المعارضة وعززوا الفساد.

وتمنح النجف وكربلاء ثقلاً دينيًا لا تستطيع طهران صناعته بمفردها. ومع ذلك، يسعى النظام الإيراني إلى تحويل هذا الحدث إلى صرخة استنهاض عابرة للحدود، واستعراض للقوة لإثبات أنه على الرغم من الضربات الأخيرة التي تلقتها طهران وشبكة وكلائها الإقليميين – ما يُعرف بـ”محور المقاومة” – فإنها لا تزال قادرة على حشد حشود هائلة.
وفي هذا السياق، قال الحارث حسن، الأكاديمي العراقي في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة: “يحاول النظام الإيراني استعراض قوته، ليقول إن محور المقاومة التابع له لم ينجح في مواجهة هذا التهديد الوجودي فحسب، بل خرج منه أكثر قوة”.
وأضاف أنها محاولة “لإظهار أنهم لا يزالون مؤثرين، وأن مشروعهم الإقليمي لا يزال يحظى بالدعم، ليس من الإيرانيين فحسب، بل وأيضاً من العرب والمسلمين الشيعة في جميع أنحاء المنطقة”.
بيد أن هذا الحدث يأتي في توقيت حساس للحكومة الجديدة التي يترأسها رئيس الوزراء علي الزيدي، وهو مستجد على الساحة السياسية. وسيجري هذا الاستعراض العلني للنفوذ الإيراني قبل أيام قليلة من موعد لقاء رئيس الوزراء الجديد المرتقب مع دونالد ترامب في واشنطن، حيث تمارس إدارته ضغوطاً على بغداد للحد من النفوذ الإيراني.
وكما هو الحال دائمًا، يجد العراق نفسه عالقًا بين قطبين متنافسين: إيران التي تسعى للحفاظ على موقعها في العراق، وواشنطن التي تريد تقليص نفوذ طهران من خلال الضغط لدمج الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في الأجهزة الأمنية الرسمية للدولة.
وبصفته عضوًا في النخبة الحاكمة الشيعية، فإن الزيدي “لا يمكنه النأي بنفسه عن هذا الحدث”، بحسب سجاد جياد، المحلل المقيم في العراق لدى مؤسسة “سينشري فاونديشن” للبحوث. وأضاف جياد: “يتعين عليه إظهار الاهتمام بجنازة خامنئي، لكن سيكون عليه أيضًا التعامل مع ترامب ومطالبه في الأسبوع المقبل”.
وذكرت وسائل إعلام عراقية أن الزيدي طلب من إيران عدم إقامة أي فعاليات في بغداد للتخفيف من حدة الأبعاد السياسية المرافقة للحدث.

وتضم النجف مرقد الإمام علي، ابن عم النبي محمد وصهره، وأول أئمة الطائفة الشيعية. أما كربلاء فهي المكان الذي قُتل فيه الحسين بن علي، مع أفراد عائلته وثلة من أنصاره عام 680 ميلادية على يد حاكم الدولة الأموية يزيد، بعد رفضه مبايعته، مما كرس الانقسام بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعية في الإسلام.
وقد نُسجت قصة كربلاء في صلب أيديولوجية الجمهورية الإسلامية، التي اعتمدت بشكل كبير على مفاهيم الاستشهاد والمقاومة لتعزيز شرعيتها. ويمتد هذا الرابط إلى مقتل خامنئي – برفقة أفراد من عائلته – في بداية الحرب، وهو الحدث الذي شبهه أنصاره بمقتل الإمام الحسين.
ومما يعمق الرمزية أن الجنازة تقام خلال شهر محرم الحرام، الذي يمثل الذروة العاطفية في التقويم الديني الشيعي؛ إذ تُحيى ذكرى مقتل الحسين في الأيام العشرة الأولى منه، وبعد 40 يومًا، يتدفق ملايين الزوار، والكثير منهم من إيران، إلى كربلاء في واحد من أكبر التجمعات الدينية في العالم.
وتكتسب المحطة العراقية من مسيرة التشييع حساسية خاصة، لأن النجف تمثل معقل الحوزة الدينية التقليدية، التي يقودها حاليًا آية الله العظمى علي السيستاني، والتي طالما شكلت تحديًا ضمنيًا لنموذج الحكم الثيوقراطي في إيران.
فالمرجعية الدينية في النجف تحظى بعدد أتباع في جميع أنحاء العالم يفوق بكثير أتباع خامنئي، الذي طالما كانت مؤهلاته الفقهية ومطالبته بسلطة دينية أوسع محل جدل وخلاف.
غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ساعدت في حشد الدعم، بما في ذلك من النجف. وفي هذا الصدد, قال جياد: “ربما كانوا ينتقدون النظام الإيراني خلف الأبواب المغلقة، لكنهم يلقون باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل في التكالب على إيران. لذا، فإن هذا الاستعراض للوحدة موجه أيضًا إلى الأمريكيين”.
وكانت شبكة الجماعات المسلحة الإقليمية التابعة لطهران، وتحديدًا حزب الله وحماس، قد ضعفت بشدة جراء الحروب التي أعقبت هجوم الأخيرة على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 وسقوط نظام الأسد في سوريا.
وكان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، والذي أطاح بالدكتاتور السني صدام حسين، هو الذي عزز ووسع أدوار هذه الفصائل والنفوذ الإيراني، وهو النفوذ نفسه الذي أمضت الولايات المتحدة سنوات لاحقة محاولةً إضعافه وتقليصه.
ويرى محللون أن دوافع العراقيين المشاركين في مراسم يوم الأربعاء ستكون متنوعة؛ إذ إن بعضهم سيتأثر بشبكات الزبائنية السياسية والاجتماعية في العراق – من سياسيين وأحزاب وفصائل مسلحة وعشائر – والتي ستفرض المشاركة وتنسقها كنوع من إظهار الدعم لطهران.

في حين سيأتي آخرون دافعهم التعاطف مع إيران وخامنئي والطريقة التي قُتل بها. وأشار حسن إلى أن “هذا ينطبق حتى على أولئك الذين يعارضون الدور الإيراني في العراق أو الشرق الأوسط”.
وتابع حسن قائلاً: “كما سيحضر البعض مدفوعين بالهوية الدينية. فبالنسبة لهذا النوع من الأنظمة التي تمتلك مشروعاً أيديولوجياً قوياً، تكتسب المظاهر الاستعراضية أهمية كبرى”.
ويُتوقع أن تحضر معظم النخب الحاكمة في العراق، سواء من الأحزاب السياسية أو الفصائل المسلحة.
إذ يمتلك العديد منهم علاقات طويلة الأمد مع النظام الإيراني، وينظرون إلى هذه المراسم كدليل دعم من طهران لحكومتهم الناشئة. ومن المتوقع أن يحضر الزيدي هذه المراسم.
ورغم أن بعض الفصائل المسلحة أعربت مؤخرًا عن استعدادها للاندماج في القوات المسستقبلية العراقية، إلا أن الفصائل الأكثر قربًا من طهران رفضت ذلك. ويُتوقع أن تسجل هذه الأخيرة حضورًا بارزًا يوم الأربعاء، في استعراض علني للولاء، في وقت تسعى فيه إيران لمعرفة من هم أصدقاؤها الحقيقيون.
وتعد هذه أيضًا رسالة موجهة إلى الخارج، وتحديدًا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، عقب محاولاتهما إضعاف طهران. وقال محلل إيراني ينتمي للتيار الإصلاحي: “إيران لن تتخلى عن ‘محور المقاومة’ تحت أي ظرف من الظروف”.




