خطر يهدد ميناء ينبع.. هل تُفجر التهديدات الحوثية الأخيرة أسعار النفط العالمية؟

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من بلومبرج:
– من بين العوامل التي ساعدت في الحد من تداعيات الحرب الإيرانية على إمدادات النفط العالمية، قدرة المملكة العربية السعودية على استخدام طريق تصدير بديل لمضيق هرمز، وهو البحر الأحمر.
وقد تجلت هشاشة هذا الحل البديل بوضوح بعد أن أعلن الحوثيون، وهم جماعة مسلحة مدعومة من إيران تسيطر على جزء من اليمن، فرض “حظر كامل وتام” على السفن الإسرائيلية في المنطقة، معتبرين أن هذه السفن تشكل “أهدافاً عسكرية مشروعة”.
وكان الحوثيون قد هاجموا في السابق سفناً بالقرب من مضيق باب المندب، الذي يربط جنوب البحر الأحمر بخليج عدن، في الفترة من عام 2023 إلى عام 2025.
وجاء ذلك رداً على الحرب الإسرائيلية في غزة، غير أن تعريف الجماعة للسفن المرتبطة بإسرائيل تبيّن أنه واسع للغاية، وتسبب التهديد الذي تعرض له الشحن التجاري في انهيار حركة المرور عبر الممر المائي.
ما مدى أهمية طريق التجارة في البحر الأحمر؟
يشكل الممر الذي يجمع بين قناة السويس والبحر الأحمر ومضيق باب المندب طريقاً مختصراً للسفن للملاحة بين أوروبا وآسيا.
وكان ما يقرب من 10% من التجارة البحرية العالمية يمر عبر باب المندب سنوياً قبل بدء ضربات الحوثيين في عام 2023. وانخفضت هذه الحصة إلى نحو 3% العام الماضي، وفقاً لبيانات صادرة عن مؤسسة “كلاركسونز ريسيرش” ومنصة “بورت ووتش” التابعة لصندوق النقد الدولي وجامعة أكسفورد.
ودفعت موجات عدة من الهجمات الحوثية في السنوات الأخيرة بمشغلي السفن إلى تجنب البحر الأحمر؛ حيث بات العديد منهم يوجهون سفنهم حول الطرف الجنوبي لإفريقيا بدلاً من ذلك، وهو تحويل مسار مكلف يطيل الرحلة بآلاف الأميال ويمكن أن يضيف أسبوعين إلى مدتها.
ومع ذلك، لا يزال مضيق باب المندب ممراً حيوياً لصادرات النفط والغاز والسلع الأخرى من الشرق الأوسط وآسيا وروسيا. وقد شهدت حركة المرور ارتفاعاً طفيفاً خلال الحرب الإيرانية مع استخدام السعودية لهذا الممر المائي للحفاظ على استمرار تدفق صادراتها النفطية.

كيف يمكن أن يؤثر تجدد هجمات الحوثيين على سوق النفط؟
وكان الحوثيون قد صرحوا في الثامن من يونيو بأن حظرهم ينطبق على الملاحة البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر. غير أنهم استخدموا في الماضي تعريفاً فضفاضاً لما يشكل سفينة مرتبطة بإسرائيل، وصعّدوا حملتهم لتشمل سفناً أخرى.
وحتى وقت صدور إعلان يونيو، لم تكن الجماعة قد استهدفت أي سفن تجارية في المنطقة منذ سبتمبر من العام الماضي، وفقاً لشركة الأمن البحري “أمبري”. وإذا ما استؤنفت هجماتها واتسع نطاقها، فقد يؤدي ذلك إلى تعريض صادرات النفط من ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر للخطر، وهو الميناء الذي اعتمدت عليه المملكة لتجاوز الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل إيران.
وتعد المملكة العربية السعودية أكبر مصدر للنفط الخام في الخليج العربي، وقد عملت على تحويل المزيد من النفط عبر خط أنابيب إلى ساحلها الغربي؛ حيث شحنت 3.65 مليون برميل يومياً من الخام عبر ينبع في مايو، ما يعادل ما يزيد قليلاً عن نصف إجمالي صادرات البلاد قبل الحرب.
ومن أجل شحن حمولات النفط هذه وإيصالها إلى العملاء في آسيا، يتعين على السفن الإبحار عبر ممر باب المندب الضيق والمرور بمحاذاة الساحل اليمني الوعر، الذي يوفر غطاءً لهجمات الحوثيين. وإذا عجزت ناقلات النفط عن سلوك هذا الطريق بسبب المخاطر الأمنية، فقد تقفز أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير.
لماذا ينخرط الحوثيون في الحرب في هذا التوقيت بالذات؟
وعلى الرغم من تحذيرات الحوثيين المتكررة من إمكانية إغلاق مضيق باب المندب عقب اندلاع الحرب الإيرانية، إلا أنهم ظلوا إلى حد كبير على هامش الصراع. وجاء إعلانهم في يونيو عن فرض حصار جزئي على البحر الأحمر متزامناً مع تصاعد الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل.
وتعيش الجماعة المسلحة حالة من الضعف منذ أن أدت الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية العام الماضي إلى مقتل العديد من قادتها وتدمير جزء كبير من عتادها العسكري. ومع ذلك، حذرت الولايات المتحدة في مارس الماضي من أن الحوثيين قد يشكلون تهديداً للشحن في البحر الأحمر، مشيرة إلى الاحتمالية القائمة لاستخدام طائرات مسيرة ومركبات غاطسة غير مأهولة، وصواريخ باليستية ومجنحة (كروز)، فضلاً عن عمليات الصعود غير القانونية على متن السفن.
ورغم أن إيران تعد الداعم الأبرز للجماعة، إلا أن للحوثيين حساباتهم الاستراتيجية الخاصة ولا يتحركون تلقائياً بناءً على أوامر طهران. إذ تنطوي مسألة الانخراط في حرب إقليمية أوسع نطاقاً على مخاطر جمة، بما في ذلك الرد الانتقامي المرجح من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد يتوخى الحوثيون الحذر أيضاً من تهديد مصالح المملكة العربية السعودية؛ فلقد وافقوا على هدنة مع المملكة في عام 2022 صمدت إلى حد كبير، وتضمنت قيام الحكومة السعودية بتقديم بعض المدفوعات للمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
من هم الحوثيون؟
يُعرف الحوثيون باسم “أنصار الله”، وهم ينتمون إلى عشيرة تنحدر من محافظة صعدة الواقعة في شمال غرب اليمن.
وقد برزت الجماعة في التسعينيات عقب توحيد شمال اليمن وجنوبه، حيث خاضت سلسلة من التمردات ضد الحكومة، قبل أن تبسط سيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014، مفرزةً حرباً أهلية لا تزال تمزق اليمن حتى اليوم. كما تسيطر الجماعة على أجزاء من شمال غرب البلاد، بما في ذلك شريط واسع من ساحل البحر الأحمر.
ويتبنى الحوثيون مواقف مناهضة للغرب وإسرائيل، وتصنفهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية.
كما يشكلون جزءاً مما يُعرف بـ”محور المقاومة” المدعوم من إيران، والذي يضم أيضاً حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان، واللذين تصنفهما الولايات المتحدة وأطراف أخرى كمنظمات إرهابية. وتتلقى هذه الجماعات التدريب والخبرات الفنية والأسلحة من الجمهورية الإسلامية.
ولا يعتمد الحوثيون على إيران وحدها للتزود بالسلاح؛ إذ يمكنهم الاعتماد أيضاً على شبكات التهريب القبلية داخل اليمن والروابط التجارية مع مراكز تصدير الصناعات الدفاعية مثل الصين. كما كثفت الجماعة جهودها لتجميع وتصنيع أسلحتها محلياً.
لماذا بدأ الحوثيون هجماتهم في عام 2023؟
بدأ التصعيد الحوثي بعد وقت قصير من إطلاق إسرائيل حملتها العسكرية على غزة رداً على هجمات حماس في أكتوبر 2023. وأطلق الحوثيون في البداية طائرات مسيرة وصواريخ باتجاه إسرائيل، قبل أن ينتقلوا لاحقاً إلى استهداف السفن.
وأعلنت الجماعة في بادئ الأمر أنها تركز حصراً على السفن المرتبطة بإسرائيل، غير أن سفناً لا تربطها بها صلات مباشرة تعرضت للقصف أيضاً. وبعد أن بدأت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في ضرب مواقع وأصول تابعة للحوثيين في أوائل عام 2024، أعلن المسلحون أن جميع سفن هذين البلدين باتت أهدافاً مشروعة.
كيف حاولت الولايات المتحدة وأطراف أخرى مواجهة هجمات الحوثيين في الماضي؟
دفعت موجة الهجمات الحوثية عام 2023 الولايات المتحدة إلى إنشاء قوة مهام دولية عُرفت باسم عملية “حارس الازدهار” لحماية السفن في المنطقة، حيث ساهمت أكثر من 20 دولة بالسفن والأفراد والمعلومات الاستخباراتية في هذا الجهد.
وشنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة سلسلة من الضربات على مواقع الحوثيين بدءاً من يناير 2024، وفي فبراير من العام نفسه، أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة بحرية دفاعية حملت اسم “أسبيدس” لتأمين الشحن في البحر الأحمر.
ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، شنت إدارته حملة قصف وصواريخ كروز استمرت شهرين تقريباً ضد الحوثيين. وانتهت هذه الحملة باتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة عمانية في مايو 2025، وافق بموجبه الحوثيون على التوقف عن استهداف السفن الأمريكية، بالتزامن مع إنهاء عملية “حارس الازدهار”.
بيد أن الحوثيين واصلوا مهاجمة بعض السفن الأخرى وشن ضربات بعيدة المدى ضد إسرائيل، ولم يوقفوا هذا النشاط إلا في أواخر عام 2025 بعد توصل حركة حماس وإسرائيل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. – بلومبرغ



