استراتيجية “النفس الطويل”: لماذا يفضل الحوثيون مقاعد الاحتياط في الحرب الراهنة؟

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
خلال عامين من الصراع في الشرق الأوسط، برز الحوثيون بصفتهم العضو الأكثر إثارة للاضطرابات والأكثر صموداً فيما يسمى “محور المقاومة” التابع لإيران، حيث أطلقوا الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، بينما تسببوا في حالة من الفوضى عبر شن هجمات على السفن في البحر الأحمر.
ولكن الآن، وبينما يخوض زعيم المحور وراعيه معركة من أجل البقاء، في ظل تعرض إيران لضربات متواصلة ليل نهار من قبل الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية، آثر الحوثيون البقاء على الهامش.
ويرى بعض المحللين أن الجماعة تعكف حالياً على “تضمد جراحها” بعد تعرضها لأسابيع من القصف الأمريكي المكثف العام الماضي، كما أنها تتمسك بالأمل في التوصل إلى اتفاق مع المملكة العربية السعودية.
فيما يعتقد آخرون أن هذا الغياب يمثل خطوة مدروسة، حيث تستعد الجماعة وطهران لحرب استنزاف طويلة الأمد، يسعيان من خلالها إلى رفع التكاليف باستمرار على الولايات المتحدة وحلفائها؛ وبناءً على ذلك، يظل الحوثيون في حالة احتياط في الوقت الحالي، لتجنب استدراج النيران الأمريكية أو الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، قال أحمد ناجي، الباحث في “مجموعة الأزمات الدولية”: “إن العنصر الأكثر أهمية بالنسبة للحوثيين والإيرانيين هو الوقت؛ فهم بحاجة إلى الوقت، ويحتاجون إلى جعل الصراع مطولاً وصعباً على الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج”. وأضاف: “إنه خيار مدروس ومنسق بالكامل مع الإيرانيين”.
وقد أشار زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، إلى أن مقاتليه مستعدون للانضمام إلى المعركة، حيث قال في مقطع فيديو نُشر الأسبوع الماضي: “أيدينا على الزناد”.
وذكر ناجي أن هناك أدلة تشير إلى أن الحوثيين يقومون بالفعل ببناء تعزيزات على طول ساحل البحر الأحمر في اليمن، بما في ذلك المناطق المحيطة بميناء الحديدة، استعداداً لصراع متجدد مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما اتخذت مقاطع فيديو أخرى نشرها مسلحون حوثيون على وسائل التواصل الاجتماعي طابعاً عدائياً متزايداً، حيث تظهر لقطات لإطلاق صواريخ وحرق الأعلام الأمريكية على وقع موسيقى عسكرية مهيبة.
- تكدس ناقلات النفط العملاقة في البحر الأحمر
- هل ينبغي لدول الخليج الانضمام إلى الهجمات ضد إيران؟.. (الايكونوميست) تجيب
- استراتيجية “الدفاع الفسيفسائي” الإيرانية: اللامركزية كعامل مرونة وصمود
إشارات الاستعداد
من جانبه، قال محمد الباشا، مؤسس شركة “باشا ريبورت” للاستشارات الأمنية ومقرها الولايات المتحدة: “الناس مندهشون من أن الحوثيين لم يطلقوا صواريخ أو طائرات مسيرة بعد. لكن هذا ليس تسريحاً للقوات؛ فالحوثيون يتمركزون في مواقعهم، ويرسلون إشارات بالاستعداد، ويبقون خياراتهم مفتوحة بينما يتجنبون الرد الفوري من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل”.
وإذا قرر الحوثيون الانضمام، فإن ذلك سيجلب قوة مؤثرة أخرى إلى الساحة. فقد أطلق المسلحون الحوثيون صواريخ وطائرات مسيرة بانتظام نحو إسرائيل، وصل بعضها إلى تل أبيب، وذلك بعد أن أدى هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 إلى اندلاع موجة من الصراعات الإقليمية.
وقد أشار الزعيم الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، إلى الحوثيين أثناء حديثه عن الأصدقاء والحلفاء في أول تصريح علني له بعد تعيينه، حيث قال إن اليمن “الشجاع” “لم يتوقف عن الدفاع عن الأبرياء في غزة”.
وفي عام 2022، شن المسلحون الحوثيون هجوماً بالطائرات المسيرة والصواريخ على دبي وأبو ظبي. وبعد أن أطلقت المملكة العربية السعودية تحالفاً عربياً لمحاربة الحوثيين في عام 2015، أطلق المتمردون مئات الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه المملكة، مستهدفين البنية التحتية والمنشآت النفطية. ورغم اعتراض معظمها، إلا أن تلك الرشقات شكلت تهديداً مستمراً.
ثم هناك تهديدهم المثبت للملاحة البحرية؛ فقد أغرقت قوات الحوثيين عدة سفن وقتلت أكثر من ستة بحارة خلال حملة استمرت عامين، أدت إلى تعطيل حركة الشحن بشكل خطير عبر أحد أهم طرق التجارة البحرية في العالم.
- الحوثيون والحرب الإيرانية: فخاخ الانخراط ورهانات الداخل
- ترسانة “مسيرات الهيدروجين” وغواصات الانتحار: كيف يستعد الحوثيون لدخول الحرب الإيرانية؟
- أصابع على الزناد.. وعيون على البقاء: لماذا يلتزم الحوثيون “الصمت الحذر”؟
يعتمد الوضع على ما يحدث مع إيران
كما صمدت الجماعة أمام القصف الأمريكي المكثف العام الماضي الذي شنه الرئيس دونالد ترامب مع تحذير بأن “الجحيم سيمطر” عليهم ما لم يوقفوا هجماتهم. واستمروا في استهداف السفن حتى تم الاتفاق على وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة بعد حوالي سبعة أسابيع، وعندها فقط وافقوا على التوقف عن مهاجمة السفن الأمريكية.
وحتى ترامب بدا معجباً بصمودهم، حيث أشاد بـ “شجاعتهم” وقدرتهم على “تلقي الكثير من الضربات”.
وقال ناجي إنه إذا حاولت الولايات المتحدة مرافقة الناقلات عبر مضيق هرمز – كما اقترح ترامب – فقد يسعى الحوثيون إلى تعطيل الشحن عبر باب المندب، الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر.
وقال سيث كرومريتش، رئيس الأركان السابق في القيادة المركزية للعمليات الخاصة الأمريكية (SOCICENT) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط، إن الحوثيين لديهم أيضاً القدرة على استهداف المنشآت النفطية السعودية في جميع أنحاء المملكة.
وأضاف كرومريتش: “تلك نقطة ضعف في الوقت الحالي لم نشهد تفعيلها بشكل حقيقي بعد، ولكن ما يخبرني به ذلك هو أنه قد يكون هناك خيار آخر متاح للإيرانيين، إذا ما احتاجوا إلى استخدامه عبر وكلائهم”. وأشار إلى وجود تقارير استخباراتية تشير إلى أن الحوثيين يقومون بنشر معداتهم العسكرية في اليمن، مما قد يوحي بأنهم “يستعدون لشن هجوم”.
وتابع قائلاً: “هذا يجعلهم أيضاً أقل عرضة للضربات الجوية والهجمات الصاروخية. لذا، هناك مرحلة تالية قد تدخل حيز التنفيذ في هذه الهجمات”.
ومع ذلك، يبدو آخرون أكثر حذراً، حيث يعتقدون أن الحوثيين – الذين يسيطرون على معظم شمال اليمن المكتظ بالسكان – يتعافون من الهجمات الأمريكية ويضعون مصالحهم الخاصة في المقام الأول حالياً.
الكثير على المحك
وقال فارع المسلمي، من معهد “تشاتام هاوس”، إن الحملة دمرت الكثير من وسائل الاتصال وهياكل القيادة المتوسطة لديهم. وأضاف: “هناك الكثير على المحك بالنسبة لهم، فهم لا يزالون مشلولين جراء الضربات الأمريكية، لكن الأمور قد تتفاقم”.
ويُعد الحوثيون أقل قرباً من الناحية الأيديولوجية للنظام الإسلامي مقارنة بالأعضاء الآخرين في المحور الذين انضموا إلى قتال إيران، ولا سيما حزب الله اللبناني الذي أطلق طائرات مسيرة وصواريخ على إسرائيل دعماً لإيران، والميليشيات الشيعية التي استهدفت المنشآت الأمريكية في العراق.
وبينما يشارك الحوثيون إيران في الكراهية الأيديولوجية للولايات المتحدة وإسرائيل – حيث برروا الهجمات على الشحن في البحر الأحمر بأنها تضامن مع الفلسطينيين وضد إسرائيل – إلا أنهم ينتمون في الغالب إلى الطائفة الشيعية الزيدية، التي تختلف عن المذهب الشيعي الذي يتبعه حكام إيران.
ويعتقد البعض أيضاً أن احتمال التوصل إلى اتفاق مع المملكة العربية السعودية، وما سيجلبه ذلك من حوافز مالية، قد يدفع الحوثيين أيضاً إلى البقاء خارج الحرب. ففي أواخر عام 2023، كانت السعودية تقترب من اتفاق مع الحوثيين كان سيؤدي إلى قيام الرياض بدفع رواتب موظفي القطاع العام في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
لقد تعطلت عملية السلام تلك بسبب هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، لكن الهدنة الهشة المستمرة منذ أربع سنوات بين السعودية والحوثيين لا تزال قائمة.
غريزة البقاء
وقبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، حذرت المملكة العربية السعودية الحوثيين من أنهم إذا انضموا إلى الصراع، فإن الرياض ستضرب معقل المتمردين في صعدة، في الشمال الجبلي لليمن، وفقاً لشخص مطلع على الأمر.
ولكن الرياض – التي تسعى منذ عدة سنوات للنأي بنفسها عن الصراع مع تركيزها على الخطط المحلية – أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع الحوثيين، وكذلك فعلت عمان، التي حثتهم على البقاء خارج الصراع ومواصلة العملية الدبلوماسية مع السعودية.
وقال عبد الغني الإرياني، وهو باحث أول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية: “هذه هي الفرصة الأخيرة لعقد صفقة مع السعوديين. قد يقومون ببعض التحركات الرمزية، لكنني أعتقد أن غريزة البقاء لديهم ستبقيهم خارج المعركة”.
ومع ذلك، يرى ناجي أن الحوثيين من المرجح أن يعتبروا بقاءهم مرتبطاً بشكل لا ينفصم بقدرة إيران على الصمود أمام الهجوم الأمريكي والإسرائيلي، مدركين أنهم قد يكونون الهدف التالي.
وقد شنت إسرائيل عدة ضربات على اليمن على مدار العامين الماضيين. وقال ناجي: “إنهم يرون في هذا تهديداً وجودياً، وسنكون سذّجاً إذا لم نفهم ذلك. الأمر لا يتعلق بـ (هل)، بل السؤال اليوم هو (متى)”.
- ناقلات عملاقة تهرع إلى موانئ البحر الأحمر مع خنق الحرب الإيرانية لصادرات نفط الخليج
- صمت صواريخ الحوثيين.. هل غلبت حسابات البقاء وعود الانتقام؟.. مجلة أمريكية تجيب
- (بلومبرج).. إسرائيل تخطط لموطئ قدم جديد في البحر الأحمر لمواجهة الحوثيين وسط الحرب الإيرانية
- كيف ترى إسرائيل عدم انضمام الحوثيين إلى الحرب.. حتى الآن؟… وجهة نظر “عبرية”





