(الإيكونوميست) ما بعد احتجاجات إيران: تصاعد التوترات داخل النظام في أعقاب المجازر

ترجمة وتحرير يمن مونيتور
المصدر: مجلة الإيكونوميست البريطانية الأسبوعية عدد 24/1/2026 صفحة 29
في ظاهر الأمر، يبدو أن كل شيء قد عاد إلى الهدوء من جديد؛ فقد استعاد النظام إمساكه بزمام الأمور، وأُعيد ترميم “سقف الخوف” بعد أن تحطم لفترة وجيزة. يفرض رجال ملثمون قانون طوارئ فعلياً وحظر تجوال من الغسق حتى الفجر في العاصمة طهران، بينما تمشط قوات الأمن أسطح المنازل بحثاً عن أطباق الأقمار الصناعية المميزة لشبكة “ستارلينك”، وتداهم الشركات المشتبه في دعمها للاحتجاجات. وتنتشر نقاط التفتيش في المدن الصغيرة التي اندلعت فيها التظاهرات أول مرة، في حين يضطر الآباء لدفع “ضريبة الرصاص” —وهي فدية تصل إلى آلاف الدولارات— لاسترداد جثث أطفالهم الذين قضوا برصاص الأمن.
ولا تزال حصيلة الضحايا في ارتفاع مستمر؛ حيث وثقت منظمة “هرانا” (HRANA)، وهي منظمة حقوقية تتخذ من واشنطن مقراً لها، أكثر من 4,500 حالة وفاة و26,000 اعتقال. ويقول سكان في طهران، بمن فيهم مسؤولون، إن الحصيلة الحقيقية للوفيات قد تقترب من 20,000 قتيل. وفي عام 1989، نجا قادة الصين من احتجاجات جماهيرية عبر قتل الآلاف بالقرب من ساحة “تيانانمين”، ويبدو أن إيران قد اتبعت السيناريو ذاته.
وحتى الآن، لم يطرأ أي تغيير على الهرم القيادي في الجمهورية الإسلامية. الرئيس المنتخب، مسعود بزشكيان، وصف الأسبوع الأول من الاحتجاجات لفترة وجيزة بأنه “شرعي”، لكن حذره سرعان ما جرفته القوة الغاشمة للثيوقراطية وأجهزتها القمعية. أما علي خامنئي، المرشد الأعلى منذ 36 عاماً، فقد اتهم المتظاهرين بـ “الفتنة” ودافع عن قتلهم. وكان مستشارو الشاه يعتقدون أن نظامه سقط في عام 1979 بسبب نقص الحزم وفراره من البلاد، ولا يبدو أن السيد خامنئي يظهر أي نية لتكرار ذلك الخطأ.
ومع ذلك، فإن النظام يبدو مهزوزاً تحت السطح. وينقل مسافر دائم على صلة بأشخاص مقربين من القادة الإيرانيين عن مسؤولين ومنتفعين وجود “همهمات واسعة النطاق” داخل النخبة، قائلاً: “لقد تم تجاوز خط أحمر، والوضع الراهن لم يعد قابلاً للاستمرار”. ويقول مزارع فستق مقرب من بعض المسؤولين إن رجال الدين “غرقوا في دماء شعبهم وحفروا قبورهم بأيديهم”. وفي الشوارع، يتحول الذهول إلى غضب عارم، حيث تتردد صرخات “الموت لخامنئي” مجدداً، من الجنازات نهاراً ومن فوق أسطح المنازل ليلاً. وداخل إيران وخارجها، بدأ الإيرانيون في رسم ملامح انتقالية محتملة.
وداخل أروقة النظام، يتركز معظم الحديث حول تنحية السيد خامنئي (86 عاماً) جانباً. وحتى قبل عمليات القتل، اشتكى مطلعون من تعنته في المحادثات النووية مع أمريكا؛ إذ يجادلون بأنه أهدر في عام 2025 اتفاقاً كان من شأنه رفع العقوبات، وذلك بسبب إصراره على الاحتفاظ ببرنامج تخصيب رمزي. ويقول مستثمر في البورصة لا يزال يعمل في إيران، مستشهداً بتقدم آية الله في السن وتراجع شعبيته: “نتوقع خروج المرشد الأعلى في غضون ثلاثة إلى 12 شهراً”. بينما يتطلع آخرون إلى الخارج، حيث تسري دعابة في المقاهي التي يرتادها الموظفون العموميون تقول: “كنا نخشى أن نصبح مثل فنزويلا، والآن نخشى ألا نصبح كذلك”.
ولا يزال الإصلاحيون يأملون في قلب الهرم السياسي ونقل السلطة من رجال الدين إلى رئاسة علمانية. ويحبذ أحدهم وجود “شخصية دستورية” صورية، بينما يقترح آخر فصل صفة “الإسلامية” عن الجمهورية وإنقاذ ما تبقى من الدولة. ويقول أحد خريجي الحوزة العلمية: “يجب قطع التمويل عن الحوزات وعن الملالي التابعين لها”، معتبراً أن هذه المدخرات قد تجنب البلاد الإفلاس الوطني. ويفضل معظمهم “انقلاب قصر” يقوده رجل قوي على أن يقوده رئيس ضعيف. ومن بين الأسماء المطروحة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والقائد السابق في الحرس الثوري، وعلي لاريجاني، الوسيط المتمرس في شؤون السلطة وابن أحد مراجع التقليد، والذي يرأس حالياً المجلس الأعلى للأمن الوطني. وكلاهما لديه أبناء يعيشون أو حاولوا العيش في أمريكا الشمالية.
بيد أن مستوى الخوف بلغ حداً لا يجرؤ معه أحد على التحرك دون دعم القوات الأمنية. ويُعتقد أن عدد أفراد الحرس الثوري لا يزال في حدود 170,000 رجل، بينما يبلغ قوام الجيش النظامي الذي تأسس في عهد الشاه حوالي 400,000 جندي. ورغم أن المزاعم حول إعدام عناصر من الحرس لرفضهم الأوامر لم يتم التحقق منها، إلا أن الحرس الثوري ليس كتلة واحدة صماء؛ فقد تضررت هيكلية قيادته جراء الحرب الإسرائيلية الصيف الماضي، وقد يختار البعض النجاة بأنفسهم بدلاً من الولاء المطلق. ويؤكد أحد المسؤولين أن “الحرس الثوري ولاؤه لإيران، وليس لخامنئي”.
وفي المقابل، يستعد المعارضون أيضاً لـ “اليوم التالي”. وفي الوقت الراهن، يعد رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، الشخصية الأكثر بروزاً؛ حيث ملأ الفراغ الذي خلفه قمع النظام في الداخل، وبدرجة أقل، ترهيب الملكيين في المنفى.
إلا أن طموحاته تواجه تحديات من جبهة عريضة من التقدميين الذين لا يثقون في ملكي يعد بجلب الديمقراطية. وتقول هذه الجبهة إنها تردد صدى أصوات المجتمع المدني الحيوي في إيران، الذي دفع بالملايين إلى الشوارع عام 2009 للاحتجاج على تزوير الانتخابات، وأجبر النظام على تخفيف القيود على الحجاب الإلزامي بعد احتجاجات “امرأة، حياة، حرية” عام 2022. ورغم افتقار هذه الجبهة لقائد قوي، إلا أنها تحظى بدعم نقابات المعلمين وسائقي الشاحنات، والطلاب، وناشطات حقوق المرأة، وآلاف السجناء السياسيين، ومن بينهم نرجس محمدي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام والتي سُجنت مرة أخرى الشهر الماضي.
وبدأت تظهر في الأفق مخططات للتغيير؛ فمن المقرر أن تصدر “شبكة آزادي” (شبكة الحرية)، وهي تجمع تقوده النساء أطلقه نشطاء من حركة “امرأة، حياة، حرية” في لندن، “إطاراً للانتقال الديمقراطي” مكوناً من 39 صفحة. ويقترح الإطار 100 يوم من الإشراف الدولي، تليها انتخابات مراقبة لجمعية تأسيسية تعين مجلساً قيادياً مكوناً من سبعة أشخاص. وفي 18 يناير، أصدر 14 من رجال الدين والمثقفين بياناً منفصلاً يحث النظام على “وقف القمع والتحول نحو الديمقراطية”، وطالب أحد الموقعين على الأقل بمحاكمة السيد خامنئي بسبب عمليات القتل الأخيرة.
وتهدد الخصومات بتفكيك المعارضة حتى في الوقت الذي يترنح فيه النظام. ففي استطلاع أجراه مركز “كأمان” (GAMAAN)، وهو مجموعة بحثية هولندية عام 2024، أيد 89% من المشاركين الديمقراطية، لكنهم اختلفوا حول طبيعتها الدقيقة: 26% فضلوا جمهورية علمانية، و21% أرادوا دمجها مع الملكية، و20% فضلوا جمهورية إسلامية. ويدعم الكثيرون السيد بهلوي بسبب شهرة اسمه، بينما يخشى آخرون استبدال “سلطوي” بآخر. وتقول باراستو فروهر، وهي معارضة مخضرمة تتنقل بين ألمانيا وإيران: “إذا لم نرفع أصواتنا، فسنكرر خطأ عام 1979، عندما اتبعنا الخميني وفقدنا حلمنا بالديمقراطية”.
وحتى اللحظة، لا يزال السيد خامنئي هو من يمسك بزمام الأمور، معتمداً على قاعدة انتخابية تبلغ حوالي 13 مليون ناخب دعموا التيار المتشدد في الانتخابات الأخيرة ويتمسكون به “كحبات مسبحة في خيط واحد”. وقد تفضل فئة أوسع الاستبداد على الفوضى، آملة في أن تؤدي التنازلات المحدودة، مثل العفو عن السجناء السياسيين، إلى تمهيد الطريق لانتقال تدريجي. ومع ذلك، يلقي دونالد ترامب بظلاله على المشهد بأكمله؛ إذ تقترب قوة مهام بحرية بحجم تلك التي حُشدت قبل ضربة الصيف الماضي من السواحل الإيرانية. وكما يقول تاجر له صلات بالنظام: “التغيير من الداخل أفضل بكثير من دمار يُفرض من الخارج”. ■




