قبائل “النسخ واللصق”.. كيف يختلق الحوثيون إجماعاً وهمياً عبر “بنك التغريدات”؟
فاطمة أبو الأسرار
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
في التاسع عشر من نوفمبر، وبينما كان المبعوث الأممي الخاص “هانس غروندبرغ” متواجدًا في مسقط للتفاوض حول تسوية مع ممثلي الحوثيين، كانت الماكينة الإعلامية للجماعة تدشن عملية موازية تبث نوايا متناقضة تماماً. فقد قام نصر الدين عامر، رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الخاضعة للحوثيين، بتوزيع ما يُعرف بـ “بنك التغريدات” الذي يضم أكثر من 150 رسالة معدة مسبقاً، بهدف نشرها بشكل جماعي ومنسق. إن الدقة الميكانيكية البحتة لهذه الحملة تكشف كيف تقوم الحركات المسلحة بـ “هندسة الإجماع” في الوقت الفعلي، وما تشير إليه هذه التحركات يُعد أكثر إثارة للقلق من الدعاية نفسها.
حملة موجهة ومضامين مكررة
انطلقت الحملة تحت وسم (#القبيلة_تتحدى_الصهاينة) في تمام الساعة التاسعة مساءً بتوقيت صنعاء، لتغطي بشكل منهجي كافة المحافظات اليمنية برسائل متطابقة: الحديث عن “الجهوزية القبلية للمواجهة القادمة”، والترويج لـ “التفويض الإلهي” (زعم أن الله سمى اليمنيين “الأنصار” من بين العرب)، بالإضافة إلى مراجعة تاريخية عبثية (مثل الادعاء بأن وكالة الاستخبارات المركزية CIA حاولت اختراق القبيلة اليمنية، وأن ثورة 21 سبتمبر أنهت كافة الثارات القبلية).
هذا لا يمت بصلة للمشاعر القبلية العفوية؛ بل هو إغراق سردي منسق مركزياً، صُمم لاستعراض القوة ونزع الشرعية عن المعارضين. ومن خلال تأطير أي مواجهة قادمة على أنها “دفاع ضد الصهاينة والأدوات الأمريكية”، تقوم الحملة استباقياً بتصوير الحكومة اليمنية والجيش كـ “عملاء أجانب” بدلاً من كونهم قوى وطنية شرعية، مما يخلق “غطاءً تبريرياً” لمهاجمة اليمنيين الآخرين باعتبارهم خونة يخدمون أعداء خارجيين. تعمل هذه الدعاية على محو المشهد القبلي اليمني المعقد، والتعامل معه ككيان متجانس لم ينجُ من “الاختراق الأمريكي” إلا بفضل الحوثيين.

هندسة الإجماع.. صناعيًا
تفضح الطبيعة النمطية للتغريدات المكتوبة مسبقاً حجم الإكراه الكامن وراءها. تأمل هذه النماذج: “اجتماع قبلي مسلح في محافظة حجة يعلن الجهوزية الكاملة لجولة التصعيد القادمة”، “قبائل البيضاء تعلن النفير العام وفاءً للشهداء”، “قبائل صنعاء تجدد تفويضها للسيد القائد لأي مواجهة قادمة”.
يكشف التكرار الميكانيكي، وهياكل الجمل المتطابقة، والمراجع الجغرافية القابلة للتبديل، والدعوات الموحدة لـ “الجهوزية” و”الوفاء للشهداء”، عن دعاية مُصنعة للإنتاج الشامل، وليست تعبيراً قبلياً حقيقياً. فالسياسة القبلية الحقيقية في اليمن تنطوي على مفاوضات معقدة بين مجموعات النسب، والمصالح الاقتصادية، وديناميكيات القوة المحلية. بينما تقوم هذه الحملة بجرف هذا التعقيد وتحويله إلى سردية خيالية واحدة عن “نضال” موحد يتماشى مع الحوثيين.
طمس التاريخ الدموي
تحاول هذه السردية الخيالية حول الدعم القبلي الموحد أن تغطي على تاريخ وحشي؛ فعندما قاومت القبائل سلطة الحوثيين، كان الرد همجياً. في أوائل عام 2019، خاضت قبائل حجور في حجة انتفاضة استمرت ثلاثة أشهر، تم سحقها بعنف عندما لم تصل التعزيزات الحكومية المتوقعة، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 مدني وحصار الآلاف دون غذاء أو رعاية طبية. وبعد عام، تم قمع انتفاضة “آل عواض” القبلية في البيضاء في أقل من 24 ساعة، بعد أن ماطل الحوثيون في الوساطة لستة أسابيع بينما كانوا يعززون مواقعهم العسكرية بهدوء.
إن “الجهوزية” المُصطنعة في الحملة الحالية تمحو هذا التاريخ من الإكراه، والانشقاقات، والمظالم الاقتصادية الناتجة عن الضرائب الحوثية، والاستياء من فرض الأيديولوجية الزيدية “الأصولية” على المناطق القبلية السنية. حملة الحوثيين لا تعكس الواقع، بل تصنعه عبر التكرار، مع نزع الشرعية استباقياً عن أي زعيم قبلي قد يخرج عن الصف بوصفه “خائناً” و”أداة أمريكية”.
قالب دعائي موحد
المثير للانتباه هو أن هذه الصيغ ليست مصممة خصيصاً للحملة القبلية؛ بل هي القالب الدعائي القياسي الذي يطبقه الحوثيون على كل شيء. ففي نفس يوم إطلاق “بنك التغريدات” القبلي، نشرت وسائل الإعلام الحوثية أخباراً عن موظفي المكاتب الحكومية الذين ينظمون “واقفات لتأكيد استمرار التعبئة”، وخريجي دورات “طوفان الأقصى” العسكرية الذين يعلنون “الجهوزية الكاملة لقتال العدو الأمريكي والصهيوني”، وعمال مؤسسة المياه الذين يؤكدون “استعدادهم لمواجهة الأعداء”.
تتكرر عبارات مثل “جهوزيتها الكاملة”، و”استمراراً في التعبئة العامة”، و”وفاءً للشهداء” عبر عشرات القصص غير المترابطة، من وقفات قطاع التعليم إلى اجتماعات شرطة المرور وصولاً إلى دورات التدريب الصيدلانية. الحملة القبلية ليست تعبيراً شعبياً خاصاً؛ إنها نفس “صيغة الإنتاج الضخم” المطبقة لخلق مظهر الإجماع القبلي.
التوقيت والاقتصاد.. هروب نحو الخارج
للتوقيت دلالاته الهامة. ففي لحظة يواجه فيها اليمن ضائقة اقتصادية حادة وتتزايد الضغوط الداخلية، يستثمر الحوثيون بكثافة في سرديات التهديد الخارجي. هذا سلوك كلاسيكي لـ “دولة المليشيا”: عندما تتآكل الشرعية الداخلية، يتم اختلاق عدو خارجي وتأطير أي معارضة داخلية على أنها تواطؤ مع ذلك العدو.
وبالتزامن مع الحملة القبلية، احتفت وسائل الإعلام الحوثية باعتقال ما زعموا أنها “شبكات تجسس أمريكية-إسرائيلية-سعودية” واصفة ذلك بـ “الإنجاز الأمني الكبير”. الرسالة هنا صريحة: المعارضة تساوي التجسس، والاختلاف يساوي الخيانة، وأي تحدٍ لسلطة الحوثيين يخدم الأعداء الأجانب. البنية التحتية الدعائية التي يتم بناؤها ليست مجرد استعراض للقوة؛ بل هي تجريم استباقي لأي زعيم قبلي قد يفكر في الانشقاق.
بعد أيام من الدبلوماسية المكوكية للمبعوث غروندبرغ، أعلنت قناة “المسيرة” موت “خارطة الطريق العمانية”، مستشهدة بزيارة محمد بن سلمان لواشنطن كدليل على أن الرياض خضعت للضغوط الخارجية. ودعت القناة لشن ضربات على البنية التحتية الخليجية وحذرت من أن الملاحة في باب المندب قد تُشل تماماً. لم تكن حملة التعبئة القبلية مجرد مناورة بين الحرب والسلم، بل كانت تحضيراً للتصعيد بينما كانت المسرحية الدبلوماسية تُعرض في مسقط.
ما يكشفه هذا الأمر أهم مما يدعيه. فالحاجة الماسة لتصنيع إجماع قبلي بهذا الحجم تفضح قلق الحوثيين بشأن الدعم القبلي الفعلي. لو كان الدعم القبلي عضوياً وتلقائياً، لما كانت هناك حاجة لأكثر من 150 تغريدة معدة مسبقاً لتغطية كل محافظة بشكل منهجي. تكشف كثافة الحملة الفجوة بين مزاعم النظام بالشرعية الشعبية وواقع الدعم الذي يجب إنتاجه، وأداؤه، وحراسته بشكل مستمر. تدرك القبائل اليمنية مصالحها وتاريخها وفاعليتها، والحوثيون يعلمون ذلك، ولهذا يعملون بجد لمحو تلك الحقيقة عبر الدعاية.
تحضير عملياتي وليس مجرد رسائل
إن الحملات المنسقة بهذا الحجم تشير إلى تحضير عملياتي، وليست مجرد رسائل إعلامية. إنهم يبنون بنية تحتية سردية للتصعيد. عندما يأتي العنف، سواء بادر به الحوثيون أو جاء رداً على ضربات خارجية، سيكون الفضاء المعلوماتي قد تم إعداده مسبقاً. لقد تم تأطير المعارضة سلفاً كـ “تعاون مع العدو”، وتصوير الاختلاف كـ “خيانة”. لقد تم ترسيخ “الإجماع القبلي” في السجل الدعائي، حتى وإن لم يكن موجوداً في الواقع. هكذا تخلق الحركات المسلحة “هياكل الإذن” للقمع بينما تدعي امتلاك التفويض الشعبي.
تمتد التداعيات إلى ما وراء حدود اليمن. تخدم هذه الحملة عدة جماهير: فهي ترسل إشارة إلى إيران بأن الحوثيين يحافظون على قدرات التعبئة؛ وتحذر السعودية والإمارات بأن أي تدخل متجدد سيواجه “مقاومة قبلية”؛ وتضع الحوثيين كممثلين أصيلين للسيادة اليمنية ضد التدخل الغربي.
بالنسبة للمحللين وصناع القرار الإقليميين، المؤشر الرئيسي الذي يجب مراقبته هو ما إذا كان هذا الإغراق الدعائي يسبق تحركاً عسكرياً (حركياً)، سواء كان تصعيداً حوثياً في البحر الأحمر أو ضربات ضد أهداف في السعودية تحت إطار “الرد” على استفزازات متخيلة. البنية التحتية للسردية يتم وضعها الآن؛ والسؤال هو ما إذا كان الحوثيون يمتلكون القدرة أو النية للمضي قدماً، أم أن هذا مجرد “أداء” مصمم لانتزاع تنازلات في مفاوضات وقف إطلاق النار.
الاستراتيجية واضحة: تصنيع تهديد خارجي في وقت الهدنة الإقليمية يخدم الحوثيين داخلياً. إنه يساعدهم على تأطير المعارضة الداخلية كخيانة وتصدير الوحدة من خلال الإغراق الدعائي. كما أنه مؤشر قوي على أنهم تحت الضغط.
لم تطلب قبائل اليمن هذه الحرب. تعكس الدعاية “دولة مليشيا” تخلق مبررات لعنف قررته مسبقاً. الحوثيون لا يستجيبون لمطالب قبلية؛ بل يبررون التصعيد استباقياً بينما يؤطرون أي معارضة كخيانة. وعندما تأتي جولة الصراع القادمة، سواء في البحر الأحمر، أو ضد البنية التحتية الخليجية، أو باستهداف الخصوم الداخليين، سيُظهر السجل الدعائي “دعماً قبلياً موحداً”. أما واقع الامتثال القسري، والقمع الوحشي للمقاومة، والمحو الممنهج للتعقيد القبلي، فسيتم دفنه تحت الركام السردي.
على واشنطن والرياض قراءة الرسائل الداخلية للحوثيين، وليس أدائهم الدبلوماسي، لتقييم نواياهم الحقيقية.
*نشر العنوان الرئيسي باسم: قبائل اليمن لم تطلب حرب الحوثيين




