تعز بين التنظيم ولقمة العيش.. جدلٌ واسع يرافق حملة إزالة العشوائيات داخل المدينة!( تقرير خاص)

يمن مونيتور/ تعز/ إفتخار عبده
شهدت مدينة تعز خلال الأيام الماضية حملة ميدانية استهدفت إزالة البسطات العشوائية المنتشرة في الشوارع الرئيسية، والتي لجأ إليها كثير من المواطنين كمصدر رزق يعيلون به أسرهم.
وبينما لاقت الحملة ترحيبًا من شريحة واسعة ترى فيها خطوةً ضروريةً لاستعادة مظهر المدينة وتنظيم أسواقها وحركة السير فيها، قوبلت في المقابل بانتقادات واسعة لغياب أي بدائل حقيقية لأصحاب تلك البسطات، مثل تخصيص سوق شعبي منظم يستوعبهم.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه مؤيدو الحملة أهمية استعادة النظام والحد من الازدحام، يشكو أصحاب المشاريع الصغيرة مما وصفوه بـ”حرب على لقمة العيش”.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، دعم ناشطون الإجراءات بشرط أن تشمل جميع مظاهر العشوائية دون استثناء، بما فيها بسطات القات التي تعيق شارعًا حيويًا مؤديًا إلى سوق الوليد.
هذا التباين في المواقف يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحملة على تحقيق عدالة تنظيمية تُحسِّن مظهر المدينة دون الإضرار بالفئات الأشد ضعفًا.
*رؤية مكتب الأشغال*
بهذا الشأن، قال خليل الأصبحي، مدير مكتب الأشغال في مديرية المظفر، إن الحملة الجارية “ليست حربًا على الفقراء كما يروّج البعض، بل هي خطوة ضرورية لتنظيم المدينة وتحسين حركة السير التي باتت مختنقة بسبب انتشار العشوائيات”.
وأوضح الأصبحي لـ”يمن مونيتور” أن” انتشار البسطات بالشكل الحالي لم يكن معروفًا قبل سنوات الحرب، مؤكدًا إدراك السلطة المحلية بأن معظم الباعة اضطروا إلى هذا العمل بحثًا عن مصدر رزق يسد احتياجات أسرهم”.
وأضاف: “رغم تقديرنا لظروفهم، إلا أن الوضع لم يعد محتملًا؛ فالازدحام وصل إلى مستوى يعجز معه المواطنون عن المشي داخل الشوارع الرئيسية”.
وأشار الأصبحي إلى أن مكتب الأشغال والسلطة المحلية لديهما رؤية متكاملة لإنشاء أسواق شعبية بديلة تستوعب آلاف العاملين في البسطات، مؤكداً أن تنفيذ هذه الرؤية يحتاج إلى تمويل ودعم حكومي مباشر لتوفير الهناجر، وترتيب المواقع، وتجهيز البنية التحتية المناسبة.
ودعا السلطة المحلية والحكومة ومجلس القيادة الرئاسي إلى تبني مشروع إنشاء أسواق بديلة باعتباره مشروعًا خدميًا وإنسانيًا يخدم الاستقرار المجتمعي.
وأكد الأصبحي أنه لن يتم التعامل مع أصحاب البسطات بطريقة تعسفية مطلقًا، وأن الحملة تراعي الوضع الإنساني لهذه الشريحة إذ يقول: “لدينا خطة مرحلية تعمل على إزاحة البسطات من وسط المدينة ونقلها تدريجيًا إلى أطراف الحواري، كحلٍّ أولي يخفف الازدحام ويحفظ في الوقت نفسه مصدر دخلهم”.
وأردف” استمرار العشوائية يعد مزيدًا من الفوضى المرورية وتدهورًا في مظهر المدينة، وأن معالجة الملف أصبحت ضرورة ملحة، مؤكدًا “نحن مع الباعة ولسنا ضدهم، لكننا أيضًا مع مدينة منظمة تليق بسكانها”.
وحول ما يتردد في مواقع التواصل الاجتماعي عن وجود أسواق قد تُستثنى من الحملة، شدد الأصبحي على أن الحملة ستستهدف جميع العشوائيات دون تمييز، بما في ذلك سوق القات وسوق الوليد وباب موسى، وكل الشوارع المكتظة بالبسطات”.
اختبار جديد للسلطة المحلية
في ذاته السياق قال الناشط الإعلامي مكرم العزب إن” الخطوة التي اتخذتها الجهات المختصة في تعز بإزالة العشوائيات والبسطات من الشوارع العامة تُعد عملًا مهمًا وضروريًا، وإن جاء متأخرًا، نظرًا لما تسببه هذه الاستحداثات العشوائية من إعاقة لحركة المرور وإزعاج للمارة وتشويه للمظهر العام للمدينة”.
وأوضح العزب في حديثه لـ” يمن مونيتور”أن” انتشار البسطات لسنوات دون ضبط أو مساءلة جعل من الضروري أن ترافق حملة الإزالة إجراءات تمهيدية، أهمها إنذار أصحاب البسطات مسبقًا ومنحهم فرصة كافية لحفظ ممتلكاتهم، إضافة إلى توفير بدائل مناسبة عبر فتح أسواق مخصصة في أماكن بعيدة عن الازدحام ومداخل المدينة”.
وتابع” كان من المفترض التعامل مع أصحاب البسطات بأسلوب مسؤول يراعي ظروف المواطنين و يعينهم على تحمل واقعة إجلاء بسطاتهم، وليس بتلك الطريقة غير المسؤولة التي تظهر التعالي على المواطن الضعيف”.
وأردف” من المهم أن تشمل هذه الحملة كل العشوائيات داخل المدينة لا أن تكون حملةً انتقائية، تستثني أصحاب الوساطات وتسحق من لا معين لهم، نريد أن تظهر تعز بوجه الدولة الحقيقي “.
ودعا العزب السلطات المحلية إلى ضمان عدم عودة العشوائيات مجددًا، من خلال تنسيق الجهود بين مختلف الجهات المعنية وتنفيذ حملة توعوية عبر وسائل الإعلام الرسمية لترسيخ أهمية النظام والحفاظ على المنظر الجمالي للمدينة.
وختم بالقول: “نشدّ على أيدي السلطات المحلية في تعز للاستمرار في إزالة المظاهر المسيئة لسمعة المحافظة، وعلى رأسها فوضى الدراجات النارية وتنظيم مواقف الباصات والحد من السيارات غير المرقّمة وغير الملتزمة بقواعد السير، نريد أن نرى مظاهر الدولة تتحقق على الأقل في شوارع تعز”.
صرخة الباعة
بدوره قال المواطن عبد الغفار الغفاري، أحد أصحاب البسطات في سوق الوليد، إن الحملة “جاءت لقطع أرزاق الضعفاء ومحاربة أصحاب المشاريع الصغيرة، نحن بالكاد نستطيع إعالة أسرنا، فكيف سنواصل حياتنا إذا تم إيقافنا عن العمل؟”.
وأوضح الغفاري لـ”يمن مونيتور” أن” أصحاب البسطات لا يرفضون قرارات تنظيم المدينة، لكنهم يطالبون بأن تراعي السلطة المحلية الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها المواطنون، من خلال توفير بدائل عادلة، مثل تخصيص سوق شعبي منظم يستوعب هذه الشريحة الواسعة من الكادحين”.
وأشار إلى أن كثيرًا من أصحاب البسطات الذين رُفعت مصادر رزقهم وجدوا أنفسهم في وضع نفسي ومعيشي بالغ الصعوبة، مؤكدًا أن الطريقة التي نُفذت بها الحملة باستخدام الجرافات خلّفت شعورًا عميقًا بالظلم بين الناس.
وتابع الغفاري: “أشعر بقلق كبير كلما سمعت أن الحملة قد تصل إلى هذه السوق، الواقع بات يحارب الإنسان الضعيف في كل تفاصيل حياته، وصدق من قال” قطع الرقاب ولا قطع الأرزاق”.
وواصل “نحن لا نطلب الكثير؛ فقط أن تبقى لنا مساحة صغيرة نكافح من خلالها لنطعم أبناءنا، فمن غير المنصف أن تُفتح أبواب الرزق أمام التجار الكبار بينما يُترك الفقراء وحدهم في مواجهة القرارات المفاجئة”.
وتُعدّ العشوائيات التجارية في مدينة تعز إحدى أبرز المشكلات التي تفاقمت خلال سنوات الحرب، إذ توسعت البسطات ونقاط البيع العشوائية في الشوارع الحيوية نتيجة غياب الرقابة وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
ومع تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع الإيجارات، وجد كثير من الشباب والأسر محدودة الدخل في الأرصفة والأسواق المفتوحة خيارًا وحيدًا لكسب الرزق.
وفي المقابل، شكّل هذا التوسع ضغطًا إضافيًا على البنية التحتية وعرقلة لحركة السير، فضلًا عن المخاوف الصحية والبيئية التي ترافق غياب التنظيم.
وقد نفّذت السلطة المحلية سابقًا حملات متفرقة لإزالة العشوائيات، لكنها غالبًا ما كانت تفشل في الاستمرار بسبب غياب البدائل أو عدم شمول الإجراءات جميع المواقع، ما يجعل الحملة الحالية موضع اختبار جديد لمدى قدرة السلطة المحلية على الموازنة بين متطلبات التنظيم وحقوق المواطنين في العمل.




