مقابلة خاصة- حين يرى المنفى… وتُبصر الذاكرة: حميد الرقيمي يحصد كتارا
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من هبة التبعي
بين ركام الحرب، كُتبت روايةٌ في عمق الظلام ليبحث فيها كاتبها عن النور في الذكرة.
“عمى الذاكرة” الرواية التي تتجلى فيها صورة الإنسان حين يفقد ظله في زحام الحروب والمنفى.
بين ذاكرةٍ أصيبت بالعمى، ومشاعرٍ كُتبت بالحبر والدم، استطاع الروائي اليمني حميد الرقيمي أن يخلق نصًا يمشي على حافة الوجع ويبحث عن المعنى في الرماد.
في الدوحة قطر، حيث أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا» أسماء الفائزين في دورتها الجديدة، كان حميد الرقيمي الفائز بها حاملاً روايته «عمى الذاكرة»، الرواية التي استغرقت ثلاث سنوات من الكتابة بين جرحين، جرح الحرب وجرح المنفى.
بهذا العمل، حصد الرقيمي الجائزة وقيمتها ثلاثون ألف دولار، عن روايةٍ تطرح سؤال الهوية في زمنٍ تتساقط فيه الملامح وتغيب الحدود بين الإنسان وخرابه.
في هذا الحوار، يفتح صاحب رواية «عمى الذاكرة» أبواب النص، ليحدّثنا عن الحرب والمنفى، عن الألم، وعن الذاكرة التي تُبصر حين يُغشى البصر.
حين سمع اسمه بين الفائزين، لم يشعر الرقيمي بالفرح المألوف، بل شعر بشيءٍ يشبه الإفاقة من حلمٍ ثقيل.
ما الإحساس الأول الذي لربما لم تقله بعد، عندما أعلنت ” كتارا” فوز ” عمى الذاكرة” بالجائزة؟
الإحساس العميق الذي لم يقال هو مزيج من الدهشة والنجاة، فالرواية كتبت من عمق العتمة والدم ومن ذاكرة أصيبت بالعمى مرتين؛ مرة في الحرب، ومرة في المنفى. لذلك كان فوزها أشبه بعودة البصر.
هكذا يلخّص الرقيمي لحظة انتصاره الإنساني قبل الأدبي، إذ لم تكن الجائزة بالنسبة له تتويجًا لنص فحسب، لكن خلاصًا من زمنٍ طويلٍ من العمى والكتابة في الظل.
حين سألناه عن معنى الألم، ابتسم كما لو أنه يتذكّر صديقًا قديمًا، قال بهدوء يشبه الاعتراف: ” الألم هو الوسيلة التي تدفعني للتمرّد، وتجعلني أغوص في أعماقي حتى أعرف من أنا”.
في عالم الرقيمي، لا يبدو الألم لعنةً كما هو للأخرين، بل بوابة عبور إلى الذات؛ فكل جرحٍ عنده يتحول إلى سؤالٍ عن الوجود، وكل وجعٍ إلى نافذةٍ تُطل على الكتابة.
في «عمى الذاكرة» يتسلل الوجع الشخصي كظل خفيّ بين السطور، لا يُرى لكنه يُحَسّ!
لذا؛ سألناه عن الجرح الأقرب الذي كتبَه قبل أن يكتبه، صمت قليلًا، كمن يستعيد مشهدًا من حياته لا من روايته.
“هو جرح الفقد،” يقول، ” فقدتُ الأهل والهوية في لحظةٍ واحدة. جسّدتُ ذلك في مشهدٍ حين سقطت القذيفة على البيت وولدت شخصيةٌ تعيش بذاكرةٍ عمياء. إنه الجرح الذي جعل البطل يعيش عشرين عامًا في جسدٍ ليس له”.
كأن الرقيمي، وهو يصف بطله، كان يصف نفسه أيضًا، الإنسان الذي نجا جسده، لكن ذاكرته ظلّت هناك، تحت الركام.
الحرب في الرواية هو في الحقيقة أثرًا صامتًا يحفر في الذاكرة، يقول الرقيمي وهو متأملا المعنى البعيد للحرب:” الحرب الحقيقية لا تُرى بالعين فقط، إنها تحفر في الذاكرة. الدمار المادي يمكن ترميمه، لكن دمار الذاكرة هو الأشد فتكًا، لأنه يمحو الإنسان من داخله. لذلك جعلتُ الذاكرة مسرح الحرب، لا المدن وحدها”.

بهذا المعنى، تتحول الحرب عنده من حدثٍ خارجي إلى تجربة داخلية، ومن مشهدٍ في نشرة الأخبار إلى سؤالٍ وجوديٍّ عن الإنسان حين يفقد حين يفقد نفسه.
علاقة البطل بـ “يافا” تغيرت مع انكشاف الحقيقة، ما الدور الذي أردت أن يلعبه الحب داخل رواية عن حرب وذاكرة وهوية؟
“يافا” تمثل الحب بوصفه ذاكرة بديلة، ومحاولة لترميم الكسر الإنساني. كانت مرآة يرى فيها البطل ما تبقى من إنسانيته.
في عالمٍ ينهار من حوله كل شيء، يصبح الحب عند حميد محاولة يائسة للبقاء، ووسيلة لمصالحة الذاكرة العمياء مع الحياة.
تبدو الحرب في “عمى الذاكرة” كعدسةٍ تكشف هشاشة الإنسان لا بطولته، يقول الرقيمي متنبأ تحوّلات رؤيته بعد الحرب:” الحرب جعلت الإنسان في الرواية مخلوقًا هشًا، لكنه قابلٌ للحياة رغم كل شيء”.
ربما لهذا جاءت شخوصه محمّلة بالوجع لا بالقوة، بالنجاة لا بالنصر، وكأن الكتابة لديه محاولة لتذكيرنا بأن الهشاشة ليست ضعفًا، بل شكل آخر من أشكال البقاء!
من بين أكثر من خمسين عملًا أدبيًا نافست رواية ” عمى الذاكرة” في فئات الجائزة الست، صعد اسم حميد الرقيمي حاملا معه وجع بلاده وأحلام جيلٍ تاه بين الحرب والمنفى.
ليست هذه أول تجربة يقدّمها للقراء، فقبل “عمى الذاكرة” كتب روايتين هما “حنين مبعثر” ((2021 و”الظل المنسي” (2022)، ثم جاءت “عمى الذاكرة” الأكثر نضجًا، والأقرب إلى قلبه، لأنها وُلدت من رمادٍ شخصيٍّ ومن زمنٍ كتبه بالوجع لا بالحبر.
سألنا حميد عن أثر الجائزة في مسيرة الكاتب، فلم يتحدث بفرح المنتصر، بل بوعي من يدرك هشاشة المجد.
” الجوائز لا تنصف ولا تقيد، بل تكشف. هي لا تضيف للنص الصادق، وإنما تمنحه صوتًا أعلى. المهم أن يبقى الكاتب حرًا لا أسيرًا لها.”
يؤمن الرقيمي أن الجائزة مهما عظمت تظل مجرّد ضوءٍ يعبر من خلال النص.
ما تعليقك حول المنفى وعلاقته بالكاتب والإبداع؟
“المنفى في الرواية ليس جغرافيًا فقط، هو حالة داخلية. كل شخصية تعيش منفاها الخاص، حتى وهي في وطنها.”
في الرواية يصبح المنفى مرآة الذاكرة، والمكان الذي يتعرّى فيه الإنسان من كل انتماءاته، ليكتشف أن أقسى المنافي هي تلك التي يسكنها في داخله.
حين انتهت الأسئلة، لم تكن الدهشة قد انتهت بعد، سألناه عمّا يتمنى أن يتركه نصّه في روح القارئ.
لم يتحدث عن الإعجاب أو الشهرة أو حتى الفهم، بل عن لحظة وعيٍ صغيرة تُعيد الإنسان إلى نفسه.
“أتمنى أن يقول القارئ: لقد تذكّرتُ نفسي وأنا أقرأ هذا النص، أن يشعر بأن ذاكرته العمياء بدأت ترى، ولو للحظةٍ واحدة.”
في النهاية، لا يريد حميد الرقيمي من قارئه أكثر من هذا، أن يخرج من الرواية بذاكرةٍ مبصرة، ولو مؤقتًا، وأن يرى في سطورها شيئًا من ذاته المفقودة.
كان الحوار يقترب من نهايته، لكن في صوته ما زال شيءٌ لم يُقل، كأن بين الكلمات سؤالًا يتردّد في أعماقه ولا يريد أن يخرج إلى العلن.
ابتسم حين سألناه عن السؤال الذي يخشاه من الصحفيين، ثم قال بصوتٍ خافتٍ كمن يلامس جرحًا قديمًا: “أن يسألني أحدهم: هل كنتَ تكتب عن بطل الرواية، أم كنتَ تكتب عن نفسك؟ لأن الإجابة ستفتح جرحًا لم يلتئم بعد، كما حاولتِ أنتِ أن تفعلي في سؤالك الثاني، ولكن بطريقة غير مباشرة”.
ضحكنا خجلًا من حدسه، وصمت هو طويلًا، قبل أن يضيف بنبرةٍ تشبه الوداع:” كل رواية نكتبها هي محاولةٌ لتضميد ما لا يُشفى… لكن الكتابة لا تشفي، إنها فقط تُبقي الجرح حيًّا بطريقةٍ أجمل”.
كأن”عمى الذاكرة” ليست رواية بقدر ما هي لعنة جميلة، يخرج القارئ منها مُثقلًا بما رأى، لا يدري أكان يعيشها أم تحياه. فكل صفحة تفتح عينًا جديدة على عتمة أخرى، وكل سطر يُطفئ ضوءً كان يظنه خلاصه. إنها رحلة في متاهة الوعي، حيث الكتابة تبدو نجاة، والنجاة لا تشبه الحياة أبدا.



