750 طنًا من التصعيد الإيراني… هل نضجت قدرة الجيش اليمني وحلفائه على كبح الحوثيين؟!
يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ تحليل خاص:
اعترضت قوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وتحديدًا قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، هذا الأسبوع شحنة ضخمة من الأسلحة الإيرانية الصنع كانت متجهة إلى جماعة الحوثيين. وصفت الشحنة، التي بلغت 750 طنًا، بأنها واحدة من أكبر الشحنات التي تم اعتراضها على الإطلاق.
وتضمنت الشحنة صواريخ كروز، وصواريخ مضادة للسفن والطائرات بالإضافة إلى رؤوس حربية ومحركات طائرات مسيرة. وقد عُثر على هذه الشحنات مخبأة على متن سفينة تُسمى “بوم”، أسفل غطاءات من مكيفات الهواء، والبطاريات. وعُثر ضمن الشحنة على وثائق متعددة باللغة الفارسية، بما في ذلك دليل لكاميرات تستخدم لتوجيه الصواريخ المضادة للطائرات وشهادة جودة مرفقة بزعانف صاروخية من صنع شركة إيرانية، منشأها الإيراني.
فما دلالات اعتراض الشحنة الضخمة محلياً وإيرانياً، وما الذي يعنيه ذلك للحرب في اليمن؟، يجيب هذا التحليل على هذه التساؤلات مناقشاً تأثير الحدث على الديناميكيات المحلية والتحولات المحتملة في خطوط الجبهة؟!
وأكد الجنرال مايكل إريك كوريلا، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، أن “اعتراض هذه الشحنة الإيرانية الضخمة يظهر أن إيران لا تزال الفاعل الأكثر زعزعة للاستقرار في المنطقة. إن الحد من التدفق الحر للدعم الإيراني للحوثيين أمر بالغ الأهمية للأمن الإقليمي والاستقرار وحرية الملاحة”.
وكانت عمليات المصادرة السابقة التي قامت بها الحكومتان اليمنية والأمريكية تسفر عادة عن أسلحة صغيرة أو قطع غيار وليس صواريخ مجمعة بالكامل. واحدة من أكبر الشحنات المرصودة في 2013 عندما اعترضت القوات اليمنية السفينة “جيهان1” والتي كانت تحمل في ذلك الوقت 48 طناً فقط، ما يوضح التحوّل الإيراني بإرسال شحنات كبيرة، رغم الضعف الذي تعرضت له عقب الهجمات الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي والتي استمرت 12 يوماً.

استعداد إيراني لتحمل المخاطر؟
يشير الحجم الهائل 750 طناً في سفينة واحدة إلى أن إيران لا تكتفي بالحفاظ على مستوى دعمها للحوثيين، بل إنها تصعده بشكل كبير. هذا التصعيد يعكس مستوى أعلى من الالتزام من جانب طهران، وربما استعدادًا أكبر لتحمل المخاطر في عمليات التهريب، مما يدل على ضرورة استراتيجية لإيران لضمان استمرار تسليح الحوثيين؛ رغم تراجع مخزوناتها بفعل الهجمات الإسرائيلية طوال 12 يوماً والتي استهدفت مخزونات الحرس الثوري من الأسلحة. وتقول التقارير إن مخزوناتها من الأسلحة المتقدمة تراجعت 35% في الأسبوع الأول من الهجمات.
هذا السلوك يؤكد تصميم إيران على إبراز قوتها عبر الوكلاء، حتى لو كان ذلك يعني انتهاكات أكثر وضوحًا للحظر الدولي، مما يشير إلى أن الفوائد المتصورة من تمكين الحوثيين (مثل تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، والضغط على السعودية، وتوفير نفوذ ضد إسرائيل والولايات المتحدة) تفوق تكاليف الاعتراضات والإدانة الدولية. وهو عكس التصور السائد لدى الخبراء بأن طهران قد تتراجع عن تزويد حلفائها بالأسلحة مقابل تعزيز مخزوناتها.

ويظهر ذلك أيضاً رأس جبل الجليد من تهريب الأسلحة للحوثيين خلال العامين الماضيين، الذي يفلت من القوات الدولية المنتشرة على طول الشريط الساحلي لليمن. وقالت وول ستريت جورنال، يوم الخميس، إن إيران تعيد امداد الحوثيين وحلفاءها الأخرين في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة بالأسلحة.
ويبدو أن جهود إعادة إمداد الحوثيين بدأت تحقق نتائج بالفعل. حيث تضمنت الشحنة التي تم اعتراضها صواريخ “قادر” المضادة للسفن، وهي “نفس الأنواع المستخدمة في هجمات الحوثيين الأخيرة التي أغرقت سفينتين في البحر الأحمر، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل”. هذا الارتباط المباشر يؤكد أن الأسلحة الإيرانية تُستخدم بنشاط في الهجمات على الملاحة الدولية. ويوضح الدور المطلوب من الحوثيين في الأسابيع القليلة القادمة حيث تتعرض إيران لتهديدات بعودة الهجمات الإسرائيلية إذا لم ترضخ لشروط واشنطن وتل أبيب بتفكيك البرنامج النووي وربما برنامج الصواريخ الباليستية.
تأثيره على الديناميكيات المحلية
كما أن الاعتراض الذي نفذته “قوات المقاومة الوطنية” اليمنية- الذي كان يقتصر تاريخياً على القوات البحرية الأمريكية أو الغربية – يشير إلى تحوّل محتمل في المشهد العملياتي اليمني لجهود اعتراض الأسلحة التي في طريقها إلى الحوثيين. يدل ذلك على تحسن في قدرات الاستخبارات والعمليات للقوات اليمنية المحلية، على وجود استراتيجية متعمدة من قبل الشركاء الدوليين لتمكين الفاعلين المحليين في مكافحة التهريب الإيراني.
وهذا يثير تساؤلات حول فعالية العمليات البحرية الدولية واسعة النطاق في وقف تدفق الأسلحة بالكامل، مما قد يشير إلى أن النهج المحلي لحماية السواحل اليمنية وتعزيز القوات البحرية أصبح ضرورياً وليس مجرد تعاون شكلي.
وهو ما يشير إلى نتائج إيجابية سريعة لجهد الولايات المتحدة وبريطانيا المستمر منذ أشهر- خلال إدارة بايدن- في خلق استراتيجية شراكة بحرية مع الحكومة اليمنية والقوات المتحالفة معها في جنوب وغرب اليمن. ودعمت واشنطن خفر السواحل اليمني بالمعدات والتدريب، والدفع المنتظم لرواتبهم، بغرض التصدي لوصول الأسلحة المهربة إلى الحوثيين. وهذا من شأنه أن يدعم المؤسسات اليمنية لاستعادة قدر من السيادة في البلاد.

يمكن تأطير هذا الاعتراض على أنه تأكيد على قدرة الجيش اليمني والقوات الموالية له على مواجهة الحوثيين وتحرير الأراضي منهم إذا ما تلقى دعماً بالمعدات والتدريب -ضمن استراتيجية طويلة الأمد ومتعددة الأوجه- من الحلفاء الدوليين والإقليميين للحكومة المعترف بها دولياً.
بالنسبة للحوثيين، فإن فقدان شحنة أسلحة بهذا الحجم (750 طنًا) يمثل ضربة كبيرة من الناحية اللوجستية؛ خاصة مع تعرض مخزوناتهم للضربات الأمريكية الشديدة بين مارس/آذار ومايو/أيار الماضيين. وقال محمد الباشا، مؤسس شركة “باشا ريبورت” الاستشارية الأمريكية لأمن الشرق الأوسط: “يشير توقيت وحجم هذه الشحنة بقوة إلى أن إيران تتحرك بسرعة لتعويض مخزونات الحوثيين التي استُنفدت بفعل الغارات الجوية الأمريكية”.
مع ذلك يشير الخبراء إلى أن تأثيره المباشر على القدرات العسكرية للحوثيين على المدى القصير قد يكون محدودًا. وقال عدنان الجبرني الباحث في الشؤون العسكرية وجماعة الحوثيين إن الحوثيين “لا يزالون يمتلكون “مخزونات كبيرة” من الأسلحة، وتظل طرق التهريب الخاصة بهم مفتوحة، حيث يُقدر أن ما يتم اعتراضه لا يتجاوز 5-10% من إجمالي الأسلحة المهربة”.
وأظهر الحوثيون مرونة لافتة في مواجهة القوة العسكرية الجوية على مدى العقد الماضي، مما يجعل محاولات إجبارهم على وقف الهجمات البحرية -المدعومة من إيران- عبر خنق خطوط إمداد التهريب وحده أمرًا بالغ الصعوبة.
لذلك فإن هذا الاعتراض الهائل من غير المرجح أن يغيّر ميزان القوى العسكرية على الأرض على المدى القصير. ومع ذلك، فإن قيام قوة يمنية متحالفة مع الحكومة بهذا الاعتراض يوفر انتصارًا رمزيًا ومعنويًا حاسمًا. ما يعزز شرعية وثقة الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين، ويشجعها للمزيد من الجهود المحلية لتعطيل خطوط إمداد الحوثيين وتحدي سيطرتهم.
كما يشير إلى أن اعتراضًا واحدًا، حتى لو كان ضخماً، من غير المرجح أن يغيّر بشكل جوهري وتيرة عملياتهم في البحر الأحمر على المدى القصير. إن قدرة الحوثيين على مواصلة الهجمات على الرغم من الضربات الأمريكية والبريطانية تشير إلى مرونة استراتيجية أعمق. وهذا يسلط الضوء على أوجه ضعف الاستراتيجيات الدفاعية أو التي تركز فقط على اعتراض خطوط التهريب، ويشير إلى الحاجة لنهج أكثر شمولًا.

أخيراً، يكشف اعتراض هذه الشحنة الضخمة من الأسلحة الإيرانية عن استمرار تصميم طهران على دعم وكلائها، حتى في ظل ضغوط دولية والتوتر الإقليمي المتزايد.
كما أنه وبينما يمثل هذا الإنجاز انتصارًا استخباراتيًا وعملياتيًا مهمًا للقوات اليمنية المتحالفة مع الحكومة الشرعية، فإنه يسلط الضوء أيضًا على الحاجة الملحة لاستراتيجيات أكثر تكاملًا وشمولية ودعم متعدد الأوجه من أجل التعامل مع الحوثيين لضمان استقرار اليمن والمنطقة وحرية الملاحة الدولية على المدى الطويل.



