السرقات الصحفية انتهاك خفي للحق الفكري
في عالم السلطة الرابعة “الصحافة”، المفترض قيامها على الأمانة العلمية ونزاهة النشر، يبرز التناقض الماثل في التعدي على الحقوق الفكرية للصحفيين، عبر واحدة من أكثر الممارسات شيوعًا وخطورة، تتمثل في حذف أو إغفال اسم كاتب الخبر أو التقرير الصحفي، أو السطو على محتوى وسيلة إعلامية أخرى، ونسبته إلى الوسيلة الإعلامية، أو نشره دون اسم صاحبه، وكأنه حق مشاع أو ملكية عامة.
فالخبر الصحفي أو المادة الصحفية وإن بدا في ظاهره سردًا للأحداث، إلا أنه نتاج جهد ذهني وإعمال فكري ووجداني وتحقيق ميداني وتحرير لغوي، وتقدير مهني للحظة النشر والرؤية المناسبة. وللكاتب والوسيلة الأحقية والملكية الفكرية والأدبية على نصه، يوازي ما يملكه المؤلف على كتابه أو الشاعر على قصيدته، وهو حق مكفول في القوانين والتشريعات والاتفاقيات المحلية والدولية، تؤكدها دوليًا اتفاقية “برن”، وهي معاهدة دولية لحماية المصنفات وحقوق مؤلفيها، تم اعتمادها عام 1886م، بهدف توفير حماية قانونية لهذه المصنفات على المستوى الدولي، وتضمن للمبدعين التحكم في كيفية استخدام مصنفاتهم، وهي جزء من نظام الملكية الفكرية العالمي، ويتم تطويرها وتحديثها لتواكب التطور التكنولوجي والاجتماعي ومعالجة القضايا الناشئة عن تكنولوجيا المعلومات والإنترنت، إضافة إلى التشريعات الوطنية المحلية للدول التي تقر بأن العمل الصحفي المكتوب يُعد مصنفًا محميًا بحقوق المؤلف.
لكن في الواقع المشاهد اليوم له وجه آخر… وتوجه يستمريء استلاب الفكر، وقيام مؤسسات إعلامية ومواقع إلكترونية وصحف بحذف اسم الصحفي أو الكاتب أو الوسيلة من المادة المنشورة، أو محاكاة نصية أو شكلية لعمل فكري أو محتوى وسيلة أخرى إما قصدًا أو إهمالًا، لإظهار الخبر أو المادة وكأنها إنتاج حصري للمؤسسة أو الوسيلة، أو ضمن سياسة تعتبر العمل الذي ينجزه الصحفي خالصًا لها، دون اعتبار يراعي الجوانب الأخلاقية والقانونية المرتبطة بنسبة العمل لصاحبه.
هذه الممارسات تعد سرقة فكرية صريحة، تجرد الوسيلة أو الصحفي من أحد أهم عناصر الاعتراف بمجهوده بسلبه اسمه، وهو نيل من حقه المعنوي ويؤثر لاحقًا على مسيرته المهنية، فتحجب عنه الشواهد التي تثبت إنجازاته، وهو ما يضعف موقفه.
علاوة على ذلك، لا تكتفي بعض الوسائل بحذف اسم الصحفي أو الوسيلة المأخوذ عنها لمادة ما، بل تقدم الخبر أو المادة وتجيّرها إنتاجًا خاصًا وحصريًا بعد إعادة صياغة طفيفة، مما يضاعف الضرر ويؤسس لثقافة إعلامية فاسدة لا تحترم الإبداع الفردي أو الجماعي، وتكسر نواميس النزاهة المهنية.
ومن نافلة القول أن حماية الحقوق الفكرية للصحفيين ليست فضلة، وإنما ضرورة ملحة لخلق مناخ مهني صحي مشجع، يحصن المؤسسات الإعلامية من الوقوع في هوة الزيف ودائرة التزوير والانتحال، ما يستدعي معه ضرورة الضغط والمساءلة ليتوقف هذا النوع من التدليس الصحفي والنشل والسرقات للأفكار والمضامين.




