ما وراء التهديد الحوثي المتكرر بالعودة للحرب وإنهاء الهدنة؟ (تقرير خاص)

يمن مونيتور / إفتخار عبده
في خطوة تعكس رغبة في خلط الأوراق، عادت جماعة الحوثي إلى مربع التصعيد العسكري، ملوّحة بإنهاء الهدنة الهشة والعودة إلى خيار القتال ضد الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا.
وجاء هذا التحول عبر خطاب متلفز لزعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، اتهم فيه الحكومة بالاستحواذ على الموارد، ودعا إلى إنهاء ما وصفه بـ”الحصار والعدوان”، وهو ما تُرجم بإعلان “قوات التعبئة العامة” رفع جاهزيتها لرفد الجبهات بالمقاتلين.
هذا الاستنفار الميداني لا ينفصل عن التطورات الإقليمية؛ إذ تزامن مع التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران، وهي المناخات التي استغلتها الجماعة لترويج ما تسميه “انتصارات محور المقاومة”، مؤكدة التزامها بـ”وحدة الساحات” والارتباط العضوي بالاستراتيجية الإيرانية.
محللون وصحفيون يرون أن هذا التصعيد العسكري ليس إلا هروبًا إلى الأمام من الاستحقاقات المعيشية المتصاعدة؛ إذ تستغل الجماعة لافتة الطوارئ والتعبئة لتبرير نهب الرواتب وانهيار الخدمات، وقمع أي غليان أو حراك شعبي محتمل ضد سياسة التجويع في مناطق سيطرتها.
كما يُجمع المراقبون على أن التهديدات تهدف إلى ابتزاز الحكومة الشرعية والرياض لانتزاع مكاسب اقتصادية، على رأسها الاستحواذ المباشر على عائدات النفط والغاز؛ وذلك لتغذية خزائن الجماعة الحربية وتمويل بنيتها العسكرية، مع التنصل من أي التزامات تجاه المواطنين.
بهذا الشأن، أكد الصحفي والمحلل السياسي عبد الواسع الفاتكي أن التصعيد الأخير لجماعة الحوثي يمثل انعكاسًا لانسداد أفق المفاوضات والمسار الأممي، كما أنه يميل بقوة إلى كونه مناورة تكتيكية تهدف إلى رفع سقف الشروط.
وأوضح الفاتكي، في تصريح لـ”يمن مونيتور”، أن الحوثيين يدركون تمامًا الكلفة الباهظة للعودة إلى حرب شاملة مع الحكومة الشرعية والتحالف؛ لذا يلجؤون إلى التهديد العسكري كأداة ضغط سياسي ونفسي لكسر جمود المفاوضات، وإرسال رسائل للوسطاء (خاصة العمانيين)، والمبعوث الأممي، والرياض، مفادها أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا إذا لم يتم التعاطي إيجابيًا مع مطالبهم الاقتصادية والسياسية.
وأردف أن الحوثيين يسعون لتحويل الملف العسكري المحتمل إلى ورقة مساومة للحصول على تنازلات، وتحديدًا في ملفات صرف الرواتب وعائدات النفط، وتأمين ضمانات سياسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
الأزمة الاقتصادية الخانقة والهروب إلى الأمام
واعتبر الفاتكي أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها الجماعة هي المحرك الأساسي والدينامو الحقيقي خلف هذا التصعيد، سواء على المستوى الإعلامي أو المناورات العسكرية، مشيرًا إلى أن الجماعة تعاني عجزًا شبه تام في توفير الأموال التشغيلية المنتظمة لجبهات القتال، مما ولّد حالة من الغليان الشعبي والإرهاق المجتمعي، فضلًا عن غضب في أوساط مقاتليها الذين فرّ بعضهم من الجبهات نتيجة العجز المالي.
وبناءً على ذلك، يرى المحلل السياسي أن الجماعة تسعى لإنتاج “حالة طوارئ عسكرية” كنوع من الهروب إلى الأمام، لتحقيق عدة أهداف، وهي: تبرير الضائقة المالية أمام عناصرها؛ وإقناع الشارع والمؤيدين بأن شح الموارد ناتج عن أسباب خارجة عن إرادتها، بالإضافة إلى قمع المعارضة الداخلية وتشديد القبضة الأمنية تحت مبررات “اليقظة الثورية ومكافحة المندسين”، لإجهاض أي حراك شعبي معيشي محتمل، وكذلك تدويل المعاناة وتبرئة نفسها من المسؤولية عبر تحويل ملف الرواتب والخدمات إلى استحقاقات سلام دولية لإجبار المجتمع الدولي على تقديم تنازلات اقتصادية.
معضلة عائدات النفط والغاز
وحول ملف عائدات النفط والغاز، أكد الفاتكي أنه يمثل العقدة الأصعب في أي تسوية، مستبعدًا تمامًا أن تقبل الحكومة الشرعية وحليفتها السعودية بتقاسم العوائد بشكل يمنح الجماعة سيولة مالية حرة؛ لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر تمكّن الجماعة من منازعة الشرعية في أمورها السيادية، واستخدام الأموال لتعزيز بنيتها الأمنية والعسكرية بدلًا من تحسين معيشة المواطنين.
وتوقع الفاتكي أنه في “أسوأ الحالات” قد يتم تقديم تنازلات مشروطة، ليس عبر التقاسم المباشر، بل من خلال آليات رقابة دولية وإقليمية صارمة عبر بنك مركزي موحد بشفافية دولية، تُودع فيه كافة عائدات النفط والغاز والضرائب والجمارك المستولى عليها، على أن تُغطى الرواتب في كل المناطق وفق آلية تضمن وصول المال للمواطن مباشرة وليس لخزينة الجماعة الحربية.
الارتباط العضوي بالاستراتيجية الإيرانية
وفي سياق متصل، شدد الفاتكي على ارتباط تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر بالأجندة الإيرانية، مؤكدًا عدم وجود أجندة يمنية بحتة تتحرك من خلالها الجماعة بمعزل عن طهران، لكونها تمثل ذراعًا رئيسيًا ومحوريًا للحرس الثوري الإيراني، الذي ينسق معها مباشرة قواعد الاشتباك في الممرات الدولية.
وأضاف أن استمرار توتر البحر الأحمر يخدم طهران كورقة ضغط على الغرب، وإبقاء اليمن في حالة استنزاف مؤجل يربط القوات الأمريكية والتحالف في منطقة حيوية للاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن أي تصعيد حوثي داخلي أو خارجي يعكس توجهات صانع القرار في طهران.
التهدئة المشحونة
واختتم الفاتكي تصريحه بتوقع السيناريو المقبل، مؤكدًا أن “التهدئة المشحونة” هي الخيار الأرجح، مستبعدًا خيار الحرب الشاملة التي تعني مواجهة مفتوحة وخسائر فادحة للجماعة أمام قوات حكومية بات وضعها أفضل من ذي قبل.
وأشار إلى أن انشغال الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي حاليًا بملفي إيران ولبنان يدفع الحوثيين للاعتقاد بأن إطلاق التهديدات سيجذب الانتباه الدولي لتجنب فتح جبهة جديدة؛ لذا فمن المتوقع استمرار الجماعة في التهديدات وافتعال أحداث محدودة ومتقطعة مع زخم إعلامي كبير، بالتوازي مع الدخول في مفاوضات خلفية بطيئة جدًا بهدف إدارة الصراع وتجميده دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة تخشى عواقبها.
ابتزاز الرياض وضغوط المفاوضات العسكرية
بدوره أكد الصحفي صدام الحريبي أن الإعلانات الأخيرة لقوات التعبئة التابعة لجماعة الحوثي الإرهابية لا تعدو كونها مناورة مكشوفة تهدف بالدرجة الأولى إلى الهروب من الاستحقاقات والالتزامات المتصاعدة لصالح المواطنين في مناطق سيطرتها.
وأوضح الحريبي، في تصريح لـ”يمن مونيتور”، أن العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الميليشيات تشهد حالة غليان وصيحات جوع أطلقها أبناء تلك المناطق، مما دفع الجماعة إلى اختلاق هذه التحركات العسكرية للهروب من الضغط الشعبي المتزايد، إلى جانب محاولتها ابتزاز المملكة العربية السعودية.
وأشار إلى أن معظم الخطاب التحريضي والتهديدات الصادرة عن الحوثيين تُوجَّه بشكل مباشر ضد المملكة العربية السعودية؛ إذ تزعم الجماعة أن المملكة هي من تحرك الحكومة الشرعية وتستأثر بأموال اليمنيين وتعبث بأمن واستقرار البلاد.
وأضاف الحريبي أن هذا التصعيد يأتي بالتزامن مع أنباء عن ترتيبات لجولة مفاوضات قادمة في الشأن العسكري، ولذا يسعى الحوثيون عبر تحركاتهم على الأرض إلى الضغط على المملكة للقبول بشروطهم.
وشدد على أن هذه الجماعة لا يمكن أن ترضخ لخيار السلام إلا إذا أُجبرت على ذلك بقوة السلاح وتم تجريدها منه، مؤكدًا أن بقاء السلاح بيدها يجعلها ترفض أي تفاوض حقيقي.
استغلال حرب غزة وتآكل الحاضنة الشعبية
وفي سياق متصل، أكد الحريبي أن “اللعبة الحوثية باتت مكشوفة تمامًا ولم تعد تنطلي على أحد، فقد استغلت الجماعة حرب غزة أسوأ استغلال، وهو الأمر الذي بات يدركه اليمنيون والعرب والمسلمون على حد سواء، بعد أن اتضح أن تدخلها عبر بضعة رشقات صاروخية يجري توظيفه لخدمة مصالحها الخاصة وأجندتها الإقليمية”.
وتابع: “أصبح المواطنون في مناطق سيطرة الميليشيات يدركون، أكثر من أي وقت مضى، أنه كلما واجهت الجماعة ضغطًا شعبيًا ومطالب حقوقية، سارعت إلى اختلاق الحروب؛ سواء بإثارة النزاعات القبلية، أو التصعيد مع الحكومة الشرعية، أو فبركة خلايا إرهابية وتجسسية مزعومة تابعة للصهاينة لإرهاب المواطنين ومنعهم من المطالبة بحقوقهم”.
مطالبة بالحسم العسكري
وعن الموقف الشعبي العام، أشار الحريبي إلى أن الشعب اليمني اليوم يرفض تمامًا حالة “اللا حرب واللا سلم”، ويطالب صراحة بالحسم العسكري لإنهاء سيطرة هذه الجماعة بشكل كامل.
وحذر من أن مجرد بقاء هذه الجماعة -حتى وإن ادعت القبول بتسليم السلاح- يمثل خطرًا حقيقيًا ومستدامًا على مستقبل اليمن، كونها جماعة قامت وتغذت على الدماء، وسرعان ما ستختلق الأعذار لنقض أي اتفاقات، تمامًا كما كان يفعل أجدادهم “الأئمة” عبر التاريخ من غدر وخيانة وضياع للعهود.
تواطؤ المبعوث الأممي
وانتقد الحريبي بشدة أداء المجتمع الدولي وجهود المبعوث الأممي، معتبرًا أن الأحداث تثبت مرارًا وقوف المجتمع الدولي إلى جانب الجماعة، مستشهدًا بالتحركات الجارية في مطار صنعاء تحت رعاية الأمم المتحدة، والتي تتيح لقيادات الحوثيين الدخول والخروج بحرية، في الوقت الذي يُحرم فيه المواطن البسيط والمرضى من السفر للعلاج في الخارج.
ولفت إلى أن الحكومة الشرعية ألمحت مرارًا إلى تغاضي الأمم المتحدة والمبعوث الأممي عن تجاوزات واعتداءات الحوثيين، داعيًا الحكومة الشرعية إلى عدم التجاوب مع الضغوط الأممية التي تصب في مصلحة الميليشيات، خاصة في وقت يمارس فيه الحوثيون تصعيدًا ضد اليمنيين ويهددون بالعودة إلى الحرب.
واختتم الحريبي تصريحه بقوله إن الرياض تدفع بحرص نحو السلام لإقامة الحجة وإثبات حقيقة هذه الجماعة أمام المجتمع الدولي، والتأكيد على أنها لا تبحث عن سلام أو استقرار، بل تمثل قوة تدميرية تهدف إلى قتل اليمنيين واضطهادهم ونهب ثرواتهم وتهديد أمن المملكة والإقليم.




