الواجب الأخلاقي والخسارة العامة

تمر المجتمعات بأوقات يصبح فيها الموقف الأخلاقي أهم من أي موقف سياسي. ففي اللحظة التي تُرتكب فيها جريمة بحق الضعفاء، أو تُنتهك فيها كرامة الإنسان، أو تُستهدف قيم المجتمع، لا يعود السؤال: “مع من أنت؟”، بل يصبح السؤال الحقيقي: “أين ضميرك؟”
إن أخطر ما يصيب أي مجتمع ليس الانقسام السياسي، بل أن يتحول هذا الانقسام إلى غطاء يبرر الصمت عن الجرائم أو يخفف من بشاعتها. فالسياسة بطبيعتها مجال للاختلاف، أما الأخلاق فهي القاسم المشترك الذي يحفظ للمجتمع إنسانيته. وعندما يسقط هذا القاسم، يخسر الجميع، مهما اعتقد كل طرف أنه انتصر.
لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من الخلافات، وإنما تلك التي تتوحد عندما تُمس قيمها الأساسية. فلا يمكن بناء مستقبل آمن إذا أصبح الدفاع عن الجناة أو تبرير الانتهاكات جزءاُ من الاصطفاف السياسي، لأن من يبرر الخطأ اليوم بدافع الولاء، قد يجد نفسه أو أسرته غدًا ضحية للخطأ نفسه.
عدن، بما تمثله من تاريخ مدني وثقافة منفتحة وهوية اجتماعية متماسكة، لم تكن يوماً مدينة تقبل بانهيار منظومتها الأخلاقية. وقد واجه أبناؤها عبر مراحل مختلفة كل ما رأوا فيه تهديداً لقيم المجتمع، ليس بدافع التعصب، بل انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية تجاه مدينتهم ومستقبلها.
إن الواجب الأخلاقي يفرض على الجميع، مهما كانت انتماءاتهم، أن يدينوا كل جريمة، وأن يطالبوا بمحاسبة كل من يثبت تورطه، وأن يرفضوا تحويل الانتماء السياسي إلى حصانة ضد المساءلة. فالدول لا تُبنى بالمجاملة، والمجتمعات لا تُحمى بالتبرير، وإنما بالعدل وسيادة القانون.
إن الخسارة العامة تبدأ عندما يموت الضمير، وعندما يصبح الحق تابعاً للهوية السياسية لا للمبدأ. وعندها لا يكون الخاسر طرفاً دون آخر، بل يخسر المجتمع أمنه، وتخسر الدولة هيبتها، وتفقد العدالة معناها.
ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه لعدن ولأي مجتمع هو أن نجعل الأخلاق فوق السياسة، والعدالة فوق الولاءات، والإنسان فوق كل الحسابات الضيقة. فالأوطان لا يحميها المتحيزون، وإنما يحميها أصحاب الضمائر الحية.
