كتابات خاصة

دور الإيواء في اليمن: مواجهة مع العرف والجهل والتطرف

اثار افتتاح دار الايواء في مدينة المكلا محافظة حضرموت الذي بنته  الوكالة الكورية للتعاون الدولي  عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن لإيواء المعنفات اليمنية جدلا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي انقسم الجدل بين مؤيد ومعارض وعلى الرغم من التأييد الواسع من قبل النساء ، الا أن شريحة كبيرة من الرجال عارضوا القرار وناقشوه بشكل سطحي لايرقى لعمق المشكلة وجوهرها، وهو الامر الذي يشير إلى غياب الكثير من قصص التعنيف على الاذهان والرأي العام.

فعلى سبيل المثال مروى البيتي؛ فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، صبّ زوجها على جسدها مادة البترول وأشعل النار فيها أمام أطفالها، وتركها تشتعل لمدة عشر ساعات قبل أن يفكر في إسعافها إلى المستشفى، بعد أن التهم الحريق 80%  من جسدها، ولم تعد تستطيع تحريك شيء منه سوى عينيها، ولم تتحمل الألم فتوفت؛ والسبب في ذلك أنها طلبت العودة إلى منزل والدها.

حينها، طلب شقيقها عدم تداول قضيتها بحجة أنها “قضية عائلية”، وطالبت فئة كبرى آنذاك بعدم تدخل أحد؛ كون القضية -بحسب وصفهم- شخصية (فرد لفرد)، وأنه يجب إسكات وطرد أي جهة مخصصة للدفاع عن المرأة المعنفة أو أي منظمة تتحدث عن القضية.

 

العرف المجتمعي والقانون: التناقض والوصمة

في عُرف المجتمع اليمني بمناطق متعددة، لا تُسجن المرأة، وإذا كانت هناك قضية ما، يذهب رجل من عائلتها ليُسجن بدلاً عنها. وحين بدأ تفعيل القانون ومحاسبة الناس سواسية، أصبحت المرأة إذا أخطأت تُحاكم وتأخذ عقوبتها كالرجل تماماً. ولكن للأسف، ورغم ذلك، لا تُعامل معاملة الرجل؛ فحين تُسجن امرأة يُحكم عليها بالإعدام مجتمعياً، ويتم التبرؤ منها من قِبل أهلها والتخلي عنها. وبناءً على ذلك، يرفضون استلامها بعد انقضاء فترة حكمها، إذ يشترط القانون اليمني لخروجها حضور ولي أمر رجل لاستلامها -على عكس الرجل- فتظل حبيسة السجن حتى تموت. وإن ترأف أحد رجال عائلتها وأخرجها، فغالباً ما يتركها لتتدبر أمرها بنفسها وتأوي بعيداً عنهم لأنهم تبرؤوا منها، فتصبح عملياً في الشارع.

وفي بعض المناطق، تُجبر النساء على المرور بتجربة مؤلمة جسدياً ونفسياً تعاني من تبعاتها طوال حياتها، وهي “الختان”؛ فالمرأة التي لا تُختن ليست امرأة صالحة في نظرهم، ولا يُقبل الزواج منها بسبب فقدانها للشرف -حسب تصورهم القاصر-. والمرأة أو الطفلة التي ترفض الختان وتحاول جاهدة الهروب منه، يجبرها المجتمع أو يعرضها لمخاطر وعنف متتابع قد يؤدي إلى القتل، دون أن تستطيع اللجوء لأي جهة لحمايتها.

 

“بيت الطاعة” وشرعنة العنف

إن “بيت الطاعة” الذي يلجأ إليه القانون اليمني استناداً إلى المادة (40) من قانون الأحوال الشخصية -والذي يجبر المرأة على العودة إلى بيت زوجها رغماً عنها- ظُلمت بسببه الكثير من الضحايا النساء؛ إذ تُجبر المرأة المعنفة للأسف على العودة إلى منزل معنفها (الزوج) فيزداد بطشاً وعنفاً ضدها.

إن صور العنف كثيرة في المجتمع اليمني، إذ تكاد لا تخلو عائلة أو منطقة ما من هذه الصور، ولا يدرك المجتمع فعلياً أن ما يمارسه يندرج تحت إطار العنف، لكونه نشأ وتربى على ذلك كأمر طبيعي.

 

توغل السلطة الدينية المتطرفة

عملت السلطة الدينية المتطرفة لسنوات على تطريف العقول باسم الدين، ولعبت على وتر العواطف والإيمان لدى المجتمع، فكونت عقولاً تطرفت كثيراً حتى عن الدين الذي تدين به الدولة نفسها، بل وجعلت من نفسها مرجعية أولى وأخيرة لأي قضية مثارة جدلياً بعيداً عن سلطة القانون. وجعلت المجتمع يربط الحلول بها، ويخولها الفصل في الجدال المثار حتى لو كان حكمها منافياً للقانون اليمني.

وفي قضايا النساء، يزداد تطرف هذه الجماعات؛ كون المرأة هي الفئة التي يُحسنون استعبادها والاستقواء عليها، ويرون في خلاصها خسارة لسلطتهم؛ وبناءً على ذلك، فإن أي مبادرات بسيطة وحثيثة لرفع القليل من الظلم عن المعنفات، تواجهها هذه الجماعات المتطرفة بحشو عقول تابعيها ضدها، لتثور تلك العقول بشكل همجي.

 

دور الإيواء: بارقة أمل واجهها الرفض

جاءت فكرة “دار الإيواء” كمبادرة بسيطة هدفها الأساسي حماية النساء من مجتمع لا يتقبل توفير الحماية لهن. وحتى الجهة الممولة تنازلت عن إدارة المبنى للحكومة كي لا يتذرع الناس بأنها جهة أجنبية قد تحيد عن الهدف الأساسي الذي بُنيت لأجله، وليتقبل المجتمع ذلك تماشياً مع عرفه، ورغم ذلك، كان صوت العرف والوصاية الدينية أعلى من صوت العقل والمنطق.

في وطن متهالك، وبعيد عن أي إصلاحات قانونية، وفي ظل عقول تميل إلى التجهيل والاحتكام للتطرف؛ تواجه المبادرات البسيطة التي تحاول إنقاذ النساء بغضب عارم في المجتمع اليمني. ولا نعلم متى ستتحرك الدولة بخطوات حقيقية على أرض الواقع لإنقاذ النساء، وإسكات العقول التي تجهل المجتمع وتقتات من هذا التجهيل، لتنقذ عقول الشباب من الغرق في وحل التطرف، وتنصِف النساء المعنفات بحزم أكبر.

ومن خلال هذا المقال، أوجه دعوة صادقة إلى الجهات الرسمية والمسؤولة؛ دعوة من امرأة تعي تماماً ماذا يعني أن تُترك المرأة فريسة للعنف بكل أشكاله دون أن تجد ملجأً آمناً واحداً تلجأ إليه. لقد شهدتُ كيف تعيش النساء في الخارج تحت حماية الدولة، وكيف شُرّعت القوانين لحمايتهن وطُبّقت فعلياً على أرض الواقع، وكيف وُفِّرت دور الحماية لتلك النساء وجرى تأهيلهن ليعتمدن على أنفسهن، ووُفِّرت لهن فرص العمل التي تجعل المرأة معززة مكرمة في وطنها دون حاجة للجوء إلى أي بلد آخر.

إنني أدعو الجهات الحكومية والمسؤولة في اليمن إلى الوقوف بحزم أمام كل من يشوه الأهداف الرئيسية للمبادرات التي تحمي النساء، والعمل على إيجاد حلول وسطية تحد من عنف المجتمع ضد النساء، والتحرك الجاد لحماية النساء حماية حازمة، وتمكينهن اجتماعياً واقتصادياً عبر توفير فرص عمل حقيقية تحقق لهن استقلالاً ذاتياً متكاملاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى