قد يتساءل البعض عمّا يجري في اليمن، وخصوصاً في حضرموت. فهذه المنطقة تُشكّل ما يقارب ثلث مساحة البلاد، وتضم موارد نفطية مهمة، كما أنها لطالما كانت من أكثر مناطق اليمن أمناً واستقراراً.
ومع ذلك، وفي اليوم نفسه الذي عُقدت فيه قمة مجلس التعاون الخليجي في البحرين في ٣ ديسمبر، أقدم المجلس الانتقالي الجنوبي على خطوة خطيرة وقصيرة النظر لفرض واقع سياسي جديد بالقوة.
لم يكن التوقيت مصادفة، بل جاء كمحاولة غير ناضجة لليّ الذراع. وقد أشعل هذا التحرك أزمة تستدعي اليوم وضوحاً في موقف السعودية ودورها في حماية استقرار اليمن.
موقف السعودية ثابت وواضح تماماً. فهي ترفض سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت، وتدعو إلى الانسحاب الفوري لقواته من حضرموت وشبوة والمهرة.
وهذا الموقف يتطابق مع البيان القوي الذي أصدره الرئيس اليمني الشرعي رشاد العليمي، الذي أدان فيه تحركات المجلس الانتقالي واعتبرها تهديداً مباشراً للاستقرار وللمسار السياسي.
إن وحدة اليمن وأمنه أكبر من أن تُعرَّض للاختبار عبر إجراءات أحادية الجانب.
جوهر الأزمة يكمن في سلوك المجلس الانتقالي الجنوبي. فخطوته في حضرموت وشبوة والمهرة لم تكن مجرد تجاوز، بل كانت محاولة لفرض خريطة سياسية جديدة بالقوة.
وتتحدث التقارير عن انتهاكات خطيرة شملت اعتقالات تعسفية، وترهيباً، وحتى قتل مدنيين. وهذه الممارسات، إلى جانب السعي لتجاوز الأطر القانونية، تثير مخاوف كبيرة في وقت يحتاج فيه اليمن بشكلٍ عاجل إلى الهدوء والوحدة والتعافي الاقتصادي.
تواصل السعودية الدفع باتجاه الحوار بدلاً من التصعيد. فالمزيد من المواجهات يعني مزيداً من النزيف اليمني، ومزيداً من العوائق أمام أي تسوية سياسية.
وتتمثل أولوية المملكة في خفض التوتر، وتثبيت الاستقرار، ومنع انزلاق اليمن إلى صراع جديد كان بالإمكان تجنّبه.
ترى السعودية أن القضية الجنوبية حقيقية ولا يمكن تجاهلها، لكنها ملكٌ لجميع أبناء الجنوب وليست حكراً على قائد واحد مثل الزبيدي أو على جماعة واحدة مثل المجلس الانتقالي الجنوبي. وأي عملية سياسية يجب أن تشمل أصواتاً جنوبية متعددة ومتنوعة.
إن الخطوات الأحادية، مثل تحرك المجلس الانتقالي في حضرموت، تقوّض الشرعية، وتهدد الاستقرار، وتشبه الأساليب التي عانى منها اليمنيون طويلاً تحت حكم الحوثيين.
إن مستقبل الجنوب يجب أن يُبنى عبر الشراكة والتمثيل الواسع… لا بالقوة.
تبدو السعودية مستعدة لوضع ثقلها خلف جهود حلّ هذه الأزمة، ولن تسمح بمرور خطوة استفزازية كهذه دون تبعات حقيقية على الأرض.
وإن كانت الرياض تُفضّل تحقيق ذلك عبر حوار فعّال خلف الأبواب المغلقة، فإنها — إذا فشل هذا المسار — لن تتردد في توسيع تدخلها لحماية استقرار اليمن وأمن المنطقة.
لقد ارتكب المجلس الانتقالي الجنوبي العديد من الأخطاء في الماضي، لكن هذا الخطأ قد يكون الأكبر، لما يحمله من نتائج عكسية عميقة ويُلحق ضرراً كبيراً بمصداقية قيادته.
ويبدو أن صبر السعودية الاستراتيجي يشارف على نهايته، قبل أن تُغيّر موازين الأمور ضد أي طرف يعرّض استقرار اليمن للخطر.
لقد شكّل الجيش التابع للحكومة اليمنية، إلى جانب قوات درع الوطن والتشكيلات القبلية القوية، جبهة صلبة لا يمكن الاستهانة بها.
وكان المجلس الانتقالي الجنوبي يعيش في وهمٍ حين ظنّ أنه يمتلك تفوقاً عسكرياً. وقد تنقلب الأمور بشكل حاسم إذا لم تستعد قيادة المجلس رشدها في وقت قريب جداً.
*نشرت في منصة أكس




